انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

ما بعد ليلى: حين أعاد الغياب تشكيل القصيدة

سحر حسب الله عبد
سحر حسب الله عبد

شاعرة وروائية عراقية

7 دقائق للقراءة
7 مشاهدة
ما بعد ليلى: حين أعاد الغياب تشكيل القصيدة
مشاركة:

ماذا لو كان قيس بن الملوّح قد أحبّ ليلى إلى الحدّ الذي لم يعد معه قادرًا على التمييز بين فقدها وفقد نفسه؟ ماذا لو أن المرأة التي حُرم منها لم تكن نهاية حكايته وإنما اللحظة التي بدأ فيها يتكوّن شاعرًا؟ إننا أمام تجربةٍ لا يمكن اختزالها في عاشقٍ بكى امرأةً لم ينلها؛ فثمة شيءٌ أكثر غرابةً في هذا الحب:

لقد ظلّ قيس يوسّع حدود ليلى في داخله حتى غدت أوسع من الحياة التي حُرم منها وأبقى من الزمن الذي جمعهما ،يقول قيس بن الملوّح:

أمُرُّ على الديارِ ديارِ ليلى

أُقبِّلُ ذا الجدارَ وذا الجدارا

وما حبُّ الديارِ شغفنَ قلبي

ولكن حبُّ من سكنَ الديارا..

لعلّ هذه الأبيات تختصر المأزق الجمالي الذي ينهض عليه شعره ، أن يصبح المكان بديلًا عن صاحبه،  وأن يكتسب الحجر قيمةً لا يملكها في ذاته، وأن يتحول الفقد إلى علاقةٍ جديدة مع العالم ، فالشاعر الذي حُرم من لقاء محبوبته لم يتخلَّ عن حقه في الوصول إليها ، لقد غيّر طريق الوصول فراح يفتش عن أثرها في الأمكنة ويمنح الأشياء الصامتة قدرةً على استحضار ما غاب ، ومن هذه اللحظة تتجاوز القصيدة حدود البوح العاطفي لتكشف عن ذاتٍ أعاد الحب تشكيل رؤيتها حتى صار العالم كله قابلًا لأن يُقرأ من خلال ليل

في شعره لا نرى عاشقًا يكتفي باستعادة ملامح محبوبته بل نرى ذاتًا تتغير بنيتها كلما حاولت الاقتراب منها ، تتحول الديار إلى ذاكرة، والاسم إلى علامةٍ تستدعي الغائب، والليل إلى فسحةٍ يلتقي فيها الخيال بما عجز الواقع عن جمعه كأن قيسًا لم يعد يكتب ليصف ما حدث له وإنما ليكتشف ما صار إليه بعد أن حدث له الحب.

ومن هذه النقطة تبدأ فرادة تجربته الشعرية إذ يغدو الغياب قوةً خفيةً تشكّل الصورة والإيقاع واللغة وتحوّل الحكاية الشخصية إلى عالمٍ شعريّ كامل.

تتأسس البنية الشعرية في شعر مجنون ليلى على مفارقة عميقة ، إن التجربة التي تبدو في ظاهرها عاجزة عن بلوغ غايتها ، تنجح في اللغة في ابتكار أشكال متجددة من الحضور ، فالشاعر لا يروي حكاية حب مكتملة الأحداث تتقدم من اللقاء إلى الوصال وإنما يبني عالمًا شعريًا تتحرك فيه الذات بين رغبة لا تنطفئ وواقع لا يستجيب ، ومن هذا التوتر تنشأ حركة القصيدة إذ لا يتقدم المعنى نحو حلّ بقدر ما يعود إلى جرحه الأول، ويعيد اكتشافه في صورة أخرى ، لذلك يبدو التكرار في شعره ضرورة بنائية لا مجرد إعادة لفظية فكل عودة إلى اسم ليلى أو ديارها أو ذكراها تكشف عن عجز الذات عن مغادرة التجربة وفي الوقت نفسه عن قدرتها على إعادة إنتاجها شعريًا.

وتتجلى هذه البنية بوضوح في قصيدته المشهورة:

أمرُّ على الديار ديار ليلى

 أقبّل ذا الجدار وذا الجدارا..

فالصورة هنا تتجاوز حدود الحنين إلى المكان إذ يتحول الجدار من عنصر مادي صامت إلى حامل للذاكرة وتغدو ملامسته فعلًا شعريًا يعوّض استحالة الوصول إلى المحبوبة .

إن الشاعر لا يقبّل الجدار لذاته وإنما لما اختزنه من أثرها وبذلك تتبدل وظيفة المكان داخل القصيدة ، لم يعد إطارًا تجري فيه الحكاية بل صار جزءًا من بنيتها العاطفية وعنصرًا فاعلًا في إنتاج المعنى وتنبع قوة الصورة من بساطتها؛ فالفعل الحسي المألوف وهو التقبيل الذي يكتسب دلالة تتجاوز موضوعه المباشر حتى يبدو كأن الشاعر يحاول أن يلمس ما لا يمكن لمسه وأن يستعيد عبر الحجر ما عجز عن استعادته في الواقع.

وتقوم الصورة الشعرية عند قيس في كثير من المواضع على نقل المعنى النفسي إلى مشهد محسوس ، فالغياب، وهو حالة مجردة يتجسد في الديار والطرق والليل والنجوم، وتتحول الذاكرة إلى حركة في المكان بينما يصبح الانتظار فعلًا يستنزف الزمن ، ولا تنبع هذه الصور من زخرفة لغوية منفصلة عن التجربة بل من حاجة داخلية إلى منح الألم هيئة يمكن رؤيتها.

إن الشاعر لا يصف حزنه من الخارج بقدر ما يجعل العالم المحيط به يتكلم بلسانه ، فالأمكنة التي يمر بها لا تبقى محايدة ، والليل لا يعود مجرد زمن للسكون، والصحراء لا تظل امتدادًا جغرافيًا خاليًا من الدلالة، كل شيء يتشرب أثر المحبوبة حتى يبدو العالم في القصيدة وقد فقد استقلاله، وصار مرآةً لوعي لا يستطيع الانفصال عما يحب.

ومن العناصر اللافتة في هذه البنية حضور الاسم بوصفه مركزًا دلاليًا تتفرع منه الصور والمعاني ، ففي قوله:

أحبُّ من الأسماء ما وافق اسمها

أو أشبهه أو كان منه مدانيا..

يتسع الحب ليشمل اللغة ذاتها فالاسم لا يؤدي وظيفة التعريف فحسب وإنما يصبح أثرًا صوتيًا يوقظ الذاكرة ويمنح الأشياء البعيدة صلةً بالمحبوبة ، وتكشف هذه الصورة عن انتقال التجربة من موضوعها الإنساني المباشر إلى نظام لغوي كامل؛ إذ لا يعود قيس متعلقًا بليلى وحدها بل بما يشبهها وبكل ما يستدعيها في اللفظ والصوت والمعنى ، وهكذا تتسع دائرة المحبوبة داخل القصيدة من شخص بعينه إلى شبكة من العلامات التي تذكّر بها فيغدو العالم قابلًا لأن يُقرأ من خلال اسمها.

أما الإيقاع فيؤدي دورًا يتجاوز انتظام الوزن والقافية، فالتكرار في بعض الأبيات، وامتداد الجمل، وتوالي الأفعال، كلها عناصر تسهم في تشكيل إيقاع نفسي يتناسب مع تجربة الانتظار والاضطراب ، وحين يقول الشاعر:

أعدُّ الليالي ليلةً بعد ليلةٍ

وقد عشتُ دهرًا لا أعدُّ اللياليا..

فإن المقابلة بين الليلة والدهر تكشف عن انقلاب الإحساس بالزمن ، فالزمن الذي كان يمر من غير أن يلتفت إليه صار وحداتٍ تُحصى، وكل ليلة تكتسب ثقلًا مستقلًا لأنها تؤجل اللقاء أو تستعيد غيابه ، ويعزز التكرار في «ليلة بعد ليلة» هذا الإحساس إذ يحاكي توالي الأيام التي لا تحمل جديدًا لكنها لا تتوقف عن استنزاف الذات وهكذا يصبح الإيقاع امتدادًا للتجربة النفسية ويغدو الوزن حاملًا لإحساس الانتظار لا مجرد قالب موسيقي تُلقى فيه الكلمات.

ما بعد ليلى: حين أعاد الغياب تشكيل القصيدة

وتظهر أهمية الضمير في بناء القصيدة من خلال العلاقة المتوترة بين «أنا» الشاعر و«هي» المحبوبة ، فالأنا في هذا الشعر ليست ذاتًا مكتفية بنفسها وإنما ذات تتشكل في علاقتها بغياب الآخر.

إن قيسًا لا يتحدث عن ليلى من موقع المراقب الذي يستطيع أن يصفها ثم ينصرف بل يتكلم من داخل أثرها حتى يصبح حضورها شرطًا لظهور صوته ومن هنا تتخذ القصيدة طابع الاعتراف؛ فهي تكشف عن ذات لا تستطيع أن تخفي ما بها، ولا تملك في الوقت نفسه أن تغيّر واقعها.

ويمنح هذا التوتر الخطاب الشعري صدقه وانكشافه لأن المتكلم لا يتظاهر بالتماسك ولا يحاول أن يجعل من الحب انتصارًا اجتماعيًا أو حكاية مكتملة ، إنه يترك صوته مكشوفًا أمام التجربة فتغدو هشاشته جزءًا من جماليات النص، وتتخذ العلاقة بين الذات والآخر أحيانًا صورةً أكثر تعقيدًا، حين تتداخل المحبوبة مع الذاكرة إلى درجة يصعب معها الفصل بين المرأة التي عرفها الشاعر والصورة التي أنشأها عنها في غيابها.

فليلى في القصيدة ليست دائمًا شخصيةً تتحرك في فضاء الحكاية وإنما قد تظهر بوصفها صورةً يستحضرها الشاعر ، أو اسمًا يردده، أو أثرًا يلاحقه في الأشياء وهذا التحول لا يعني أن المحبوبة تفقد إنسانيتها بل يكشف عن الطريقة التي تعيد بها الذاكرة تشكيل موضوع الحب.

فكلما ابتعدت ليلى في الواقع ازدادت فاعلية صورتها في الوعي حتى يصبح الغياب نفسه مصدرًا لاستمرار حضورها الشعري ومن هذه المسافة بين المرأة وصورتها تنشأ إحدى أكثر طبقات النص إثارةً ، فالشاعر يشتاق إلى إنسانة حقيقية لكنه يعيش أيضًا مع صورة أخذت الذاكرة في صوغها وتكثيفها.

ولا تنفصل هذه البنية عن طبيعة الخطاب في شعر قيس؛ إذ تتجاور فيه المناجاة والنداء والاعتراف والوصف من غير أن تستقر القصيدة دائمًا على صيغة واحدة. فالنداء يستحضر الغائب كما لو كان حاضرًا، والمناجاة تكشف عن حوار داخلي لا يجد طرفه الآخر أما الاعتراف فيمنح التجربة صوتًا علنيًا حتى حين يكون موضوعها بالغ الخصوصية ، ويبرز هذا التداخل في الأبيات التي يتحدث فيها الشاعر عن خياله في الليل، مثل قوله:

وإني لأستغشي وما بي نعسةٌ

لعلَّ خيالًا منك يلقى خياليا..

فالليل هنا ليس خلفية زمنية فحسب وإنما فضاء تتراجع فيه الحدود بين اليقظة والحلم، وبين الحضور والغياب والشاعر لا ينتظر النوم ليرتاح بل يتشبث باحتمال أن يأتيه الخيال بما حُرم منه في الواقع وتكمن دلالة الصورة في أن الحلم لا ينهي الحرمان؛ إنه يمنح الذات لحظةً من الوصال المتخيل ثم يعيدها إلى المسافة ذاتها.

ومن الناحية التركيبية يلفت النظر اعتماد كثير من الصور على أفعال بسيطة ومباشرة " المرور، والتقبيل، والعدّ، والانتظار، والنظر "

غير أن هذه الأفعال تكتسب في السياق الشعري دلالات نفسية متراكبة فالمرور على الديار ليس انتقالًا عابرًا والتقبيل ليس حركةً عاطفية فحسب والعدّ ليس عملية حسابية؛ إنها أفعال يومية أُعيد تشكيلها بفعل الحب حتى غدت طقوسًا تكشف عن استحواذ التجربة على تفاصيل الحياة.

وتمنح هذه البساطة الشعرية النص قوةً خاصة إذ لا يحتاج الشاعر إلى بناء صور شديدة التعقيد كي ينقل اضطرابه بل يحمّل الفعل المألوف طاقةً وجدانية تجعله يتجاوز دلالته الأولى.

ومن هنا تأتي قدرة بعض أبياته على البقاء في الذاكرة: فهي لا تقوم على غرابة العبارة وحدها بل على التقاء الصورة البسيطة بتجربة إنسانية كثيفة.

مشاركة:

آخر تحديث: ٣٠ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٩:٣٩ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

محمد حسين آل ياسين؛ 

في الليلة التي رفعت فيها العربية دعوى على أحد أبنائها
قراءات

محمد حسين آل ياسين؛ في الليلة التي رفعت فيها العربية دعوى على أحد أبنائها

إسماعيل نوري الربيعي حدث ذلك بعد منتصف الليل بقليل، حين كانت بغداد قد أغلقت أبوابها على تعبها، وانسحب آخر الضوء من شبابيك الكاظمية، واستلقى دجلة بين الضفتين مثل حارس عجوز أقسم ألا ينام ثم غلبه النعاس، ففي تلك الساعة التي تصبح فيها الأشياء أقل طاعة لقوانين البشر، سمع طرق خفيف على باب غرفة محمد حسين…

· 12 د
من جغرافية المنفى إلى دهاليز الذّاكرة

عودة السّنونو لهشام محجوب عرايبي
قراءات

من جغرافية المنفى إلى دهاليز الذّاكرة عودة السّنونو لهشام محجوب عرايبي

عودة السّنونو رواية يُحيلنا عنوانها بشكل صريح إلى الرّجوع حيث يجد أي كائن الدفئ والأمان، ولكن لعودة بطلنا هنا تبعات أخرى أهمها الذّاكرة. فهل يكون فعل الرّجوع المربوط بالذّاكرة ٱمنا؟ أم أنّ لتبعات الذّاكرة قول ٱخر؟ عودة السّنونو رواية للكاتب الجزائري هشام محجوب عرايبي، الصادرة عن دار أدليس، يسرد…

· 3 د
حول الشعر العراقي المعاصر.. شاعرتان وشاعران
إنعام كمونة (1)
قراءات

حول الشعر العراقي المعاصر.. شاعرتان وشاعران إنعام كمونة (1)

بعد اطلاعنا على الحركة الشعرية العربية العراقية التي ينصرف فيها الشعراء إلى قصيدة التفعيلة وقصيدة النثر وقع اختيارنا على أربعة من مجايلينا شاعرين وشاعرتين الشاعران هما طارق الحلفي وهو عراقي بصري يعيش في األمانيا،والشاعر عادل الحنظل الذي يعيش في السويد ،أما الشاعرتان فهما إنعام كمونة وتكتب قصيدة…

· 4 د