انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

عيد ميلاد ميت: فسيفساء الحكايات قراءة في البناء السردي لرواية أحمد طايل

عبد القادر صيد
عبد القادر صيد

ناقد وأديب جزائري

12 دقائق للقراءة
54 مشاهدة1 تعليق
عيد ميلاد ميت: فسيفساء الحكايات قراءة في البناء السردي لرواية أحمد طايل
مشاركة:

رواية تبنى من حكايات

لا تقرأ رواية «عيد ميلاد ميت» للروائي المصري أحمد طايل خطا مستقيما من بداية إلى نهاية، بل تقرأ كما نستمتع بمشاهدة الفسيفساء: قطعا صغيرة متجاورة، لكل قطعة لونها وحدودها، ولا يظهر الشكل الكلي إلا حين يتراجع الناظر خطوات إلى الوراء. الرواية الصادرة عن دار الرضا، والفائزة بالمركز الأول في فرع الرواية من الدورة الأولى لجائزة رضا عبادة التشجيعية، مؤرخة في طنطا في السادس من سبتمبر 2023، وهي تتمة لمسار روائي بدأه الكاتب منذ «الوقوف على عتبات الأمس» ومر بـ«متتالية حياة» و«المتشابهون» و«شيء من بعيد ناداني».

يستهل العنوان بمفارقة الميلاد الذي يحتفل به للأحياء، فكيف يكون لميت عيد ميلاد؟ والتوظيف هنا لم يأت لزينة لفظية، بل هو المفتاح الذي تدار به الرواية كلها. فالنص يسأل عمن يبقى حيا بعد موته، وعمن يموت وهو يمشي على الأرض. ولكي يجيب عن هذا السؤال لا يكفيه بطل واحد ولا زمن واحد، بل يحتاج إلى سلسلة من الأجيال والحكايات تتوالد إحداها من الأخرى، وقد تابعنا من قبل توظيف الأجيال من طرف ماركيز في «مائة عام من العزلة».

  وتتحدد زاوية هذه القراءة بين البناء الفسيفسائي، وتقنية الحكاية داخل الحكاية. سنتتبع كيف تفتح الرواية بابها بحكاية إطارية، ثم كيف تتفرع إلى حكايات مضمنة تحمل كل منها اسم شخصية، وكيف تتجاوب هذه الحكايات تجاوب المرايا، قبل أن تنغلق الدائرة عند ضريح الباشا. وسنقف في الختام عند ما أضافه هذا المعمار إلى الرواية، من دلالة ووفاء.

العتبات: المعمار قبل أن يبدأ

قبل السطر الأول من السرد، يضع الكاتب بين يدي قارئه تصديرا قصيرا يختصر فلسفة الرواية:

 (هناك من البشر من يظل حيا لعقود بعيدة المدى، المواقف الجادة والمؤثرة هي أساس البقاء، فلنبحث عما يجعلنا أحياء. هناك أحياء فوق الأرض أموات، وهناك أموات تحت الأرض أحياء).

هذا التصدير ليس حكمة معلقة فوق النص، بل خريطة مطوية لبنائه. فالثنائية التي يقوم عليها (أحياء أموات / أموات أحياء) ستتوزع على الشخصيات، ففي جهة الباشا حازم البدوي ومحروس الصعيدي والحاج محفوظ العربي، الذين يرحلون وتبقى سيرتهم، وفي الجهة المقابلة أبناء الباشا وخالد نعمان، الذين يعيشون في الرفاهية غرباء عن أهلهم وعن أنفسهم.

أما العنوان، فلا يكشف معناه إلا في القسم الأخير الذي يحمل الاسم نفسه. وهذا اختيار معماري بديع مقصود، فالعنوان وعد، والرواية كلها طريق طويل نحو الوفاء به. وبين العتبة الأولى والصفحة الأخيرة تقوم الفسيفساء، لكن القارئ يمسك منذ البداية بالسؤال الذي سيجمع قطعها: من الميت؟ ومن الحي؟

وللأقسام نفسها وظيفة العتبة. فهي تحمل أسماء أشخاص لا أسماء أحداث: «مكي سكة»، «محمد عيسوي مفتاح»، «رشوان جابر الصعيدي»، «حفيد الباشا»، ثم «عيد ميلاد ميت». كأن الرواية تعلن أن وحدتها الصغرى هي الإنسان وحكايته، وأن الحبكة الكبرى ليست سوى حاصل جمع هذه السير. وحده القسم الأخير يحمل اسم حدث، لأنه الموضع الذي تلتقي فيه السير جميعا.

الإطار: محطة قطار ورسالة مختومة

تفتح الرواية بابها في مكان عبور بامتياز: محطة قطار ريفية في طوخ بالقليوبية، «مجرد رصيف بطول لا يتجاوز العشرة أمتار»، في ليلة من ليالي ديسمبر. الرياح تتلاعب بالبشر والأسقف، والغيوم ألقت عباءتها على كل شيء حتى «ضاع الخيط الأبيض بين الخيوط السوداء». والمشهد ليس وصفا للطقس فحسب، بل تهيئة للغموض الذي سيحمله القادم الغريب.

في هذا المكان يقف «مكي سكة»، الموظف الذي نسي اسم عائلته حتى صار لقبه مأخوذا من السكة الحديدية. اسمه وحده يقول وظيفته في البناء، فهو رجل الطريق، حارس العبور، الذي يستقبل الغريب ويسلمه إلى مقصده ثم ينسحب من الرواية. ولا نراه محورا بعد ذلك، لأن مهمته أن يكون الباب لا البيت.

يبني الكاتب المشهد على تقابل دقيق بين شخصيتين. مكي «شديد الفضول، كثير التساؤلات»، والقادم صامت لا يمنح إلا أجوبة مقتضبة مثل: «معي رسالة أمانة له، والأمانة لابد من إيصالها لصاحبها». ويبرز الفضول في جهة والكتمان في جهة أخرى، والقارئ يقف في موضع مكي يسأل ولا يجاب.

 والتأجيل هو أول أدوات الفسيفساء في الرواية. تمر الليلة والفجر والطريق إلى كفر منصور، ورشوان لا ينطق إلا باسمه: «أنا (رشوان جابر الصعيدي)». حتى حين يفتح الحاج عيسوي الرسالة ويقرؤها، لا تشرح الرسالة شيئا بل تزيد اللغز، فحاملها «كتوم، لا يسأل عن أي أمر يكلف به»، والباشا يختم بـ«سترى أنه هديتي لك». ويبقى السؤال معلقا على لسان الحاج نفسه: «أعرف منك من أنت، ولماذا هذه الحظوة الكبيرة لدى الباشا؟».

وهنا يقوم الكاتب بحركته الأجرأ، فيترك رشوان نائما في غرفته مع أسرته، ويقفز إلى حكاية أخرى هي حكاية والد المضيف. الجواب الذي ينتظره القارئ يؤجل أكثر من خمسين صفحة، وهذا التأجيل هو ما يمسك بالقارئ عبر الحكايات المضمنة.الأقسام وتوالد الحكايات

يفتح قسم «محمد عيسوي مفتاح» باب الحكايات المضمنة على مصراعيه. فمحمد الملقب بـ«البرنس» هو والد الحاج عيسوي الذي جاءه رشوان. فتى من قرية الجفادون بالفشن، تموت زوجته وابنة عمه بثينة بورم في المخ، فيهرب ليلا من ذكرياته، فيلتقطه التاجر محفوظ العربي من على الطريق. ثم يصير بائعا جوالا، ويستقر في كفر منصور، ويتزوج الأرملة تحية بكر.

اللافت أن الشخصيات في هذا القسم تعرف أنها حكايات. يقول محفوظ لمحمد: «سيأتي يوم وتعرف حكايات كثيرة ومنها حكايتي». ويرد الخادم مغاوري على فضول محمد: «لكل منا حكايته، ملابسنا تخفي الكثير من الحكايات». وتقول تحية وهي تستدرجه إلى البوح: «الوجع دوما ينادي مثيله». هذه العبارات ليست حكما عابرة، بل هي قانون البناء منطوقا على ألسنة الشخصيات: كل إنسان حكاية مؤجلة، وكل حكاية تستدعي أخرى.

ثم ينفتح داخل هذا القسم فرع ثان هو حكاية خالد نعمان مطاوع، ابن القرية الذي هاجر إلى ألمانيا وعاد غنيا يزايد على البرنس في شراء الأرض، وصاح ذات ليلة: «المال يشتري كل شيء حتى الناس». إن خالدا هو النقيض المرآوي للبرنس: كلاهما غريب في القرية، لكن الأول اندمج بالمحبة، والثاني بقي غريبا رغم ماله، ومات وحيدا في قصره. هكذا تجسد الحكاية المضمنة نصف التصدير المظلم وهو حي فوق الأرض ميت.

وفي أطراف هذا الفرع يضع الكاتب شخصية صغيرة تكاد تكون صورة الروائي نفسه. ابن خالد العائد من ألمانيا، الذي سيلقبه الناس «الشيخ وحيد»، يجمع عن جده وجدته ما يرويه معمرو القرية، «يحاول لملمة الحكايا ليصنع منها بالنهاية كل الحكاية». ثم يكتشف أن الحكايات متناقضة، وأنها «تزداد إلى آلاف الحكايات وكثيرا ما تنجرف إلى الخيال». هذه الجملة القصيرة هي أدق وصف للمنهج الفسيفسائي في الرواية كلها: لملمة القطع لصنع الكل.

وحين يعود السرد إلى رشوان في القسم الثالث، ينقلب الصامت إلى راو: «ليس لدي ما أخفيه... أريد أن أعيش بينكم كتابا مفتوحا». ومن فمه تتفرع حكاية الجد محروس، الفتى الذي كان يقنص الجنود الإنجليز، فهرب ليلا من محلة نصر بالبحيرة، فالتقطه حازم باشا البدوي وجعله أمين أرضه. ومن داخل هذه الحكاية تنبثق حكايات أصغر: الجد الأكبر الذي شارك في ثورة عرابي، وعائلة صقر بوشمها وتماثيلها، والزفاف بالهودج. ثم يأتي القسم الرابع بالحفيد خالد زياد البدوي في شرفته المطلة على ميدان الكونكورد، ليروي من الطرف الآخر ما رواه رشوان. هكذا تروى الحكاية الواحدة من جهتين: من الخادم الوفي ومن الوارث العائد.

عيد ميلاد ميت: فسيفساء الحكايات

قراءة في البناء السردي لرواية أحمد طايل

المرايا: حكاية واحدة تتكرر عبر الأجيال

ما يجمع قطع الفسيفساء هنا ليس التتابع الزمني، بل التشابه. فالحكايات المضمنة تعيد نمطا واحدا بوجوه مختلفة: غريب يصل ليلا، ومضيف يستقبله، وامتحان يثبت فيه أمانته، ثم تبن ينتهي بوصية. ويتضح ذلك حين نضع الوصولات الثلاثة جنبا إلى جنب.

أول الغرباء زمنا محروس الصعيدي، يهرب من محلة نصر لأن البوليس يتعقبه بسبب قنصه الجنود الإنجليز. يركض ليلا على طريق مظلم، فيلتقطه حازم باشا البدوي، ليصير أمين أرضه ثم أخاه ورفيق عمره.

وثانيهم محمد «البرنس»، يهرب من ذكريات زوجته الراحلة بعد منتصف الليل. يقف على الطريق فتتوقف له سيارة الحاج محفوظ العربي، فيصير تاجرا ويرث وصية مضيفه.

وثالثهم رشوان جابر، يغادر قرية الباشا حين يضيق بصلف ورثته. يصل في ليلة عاصفة إلى محطة القطار، فيسلمه مكي إلى الحاج عيسوي مفتاح، ليصير مشرف زراعته وسادن ذكرى الباشا.

نلاحظ أن الليل في الحكايات الثلاث ليس تفصيلا عابرا، بل هو زمن الانقطاع عن الماضي وبداية الولادة الثانية. والمضيف فيها جميعا رجل يؤمن بالقدر: يقول محفوظ «أجزم دائما بأن اللقاء بيننا قدر»، ويرى الباشا في محروس من أرسله الله إليه.

ويتكرر النمط نفسه في مشاهد الموت. تموت أم البرنس وهي تنادي زوجها الراحل، ويجمع محفوظ أبناءه عند فراش الموت ليوصيهم باسم «العربي» على المحلات. ويوصي محروس الباشا بأن يدفن في قريته، ثم يستدعي الباشا حفيده خالدا ليسلمه السرايا. الوصية هي المفصل الذي تسلم به كل حكاية ما بعدها.

والألطف أن النص يسمي هذا التكرار بنفسه. يقول الباشا لحفيده وهو يسلمه الأمانة: «نفس الجملة قيلت لي من أبي وربما بذات الجلسة... وكأن نفس المشهد لابد أن يمر به كل جيل من العائلة». هذه الجملة مرآة تعكس المعمار كله: الرواية لا تتقدم في الزمن بقدر ما تدور فيه، كل جيل يعيد مشهد الجيل الذي سبقه.

ولهذا التكرار وظيفة تتجاوز الإيقاع، فالقارئ يألف منذ الحكاية الثانية أن كل غريب صادق سيجد من يحتضنه، فيغدو التكرار وعدا أخلاقيا تقطعه الرواية على قارئها، وسنعود إلى ذلك في الخاتمة.

الراوي والصوت: سلسلة الرواة

الفسيفساء في هذه الرواية ليست فسيفساء حكايات فحسب، بل فسيفساء أصوات أيضا. حيث يبدأ السرد براو عليم يرى مكيا والقادم الغريب من الخارج، ثم يسلم الكلام إلى رشوان ليروي بضمير المتكلم، ثم إلى الباشا في وصيته الطويلة لخالد، ثم إلى خالد نفسه.

أجمل ما في هذا التعدد أن حكاية محروس لا تصلنا مباشرة. فهي تمر عبر سلسلة تشبه الإسناد، فمحروس يحكي لابنه جابر، وجابر يحكي لرشوان، ورشوان يحكي للحاج عيسوي، والراوي ينقل ذلك كله إلى القارئ. ولذلك تتردد في النص عبارات مثل «كم حكى لي أبي» و«حكى أبي لي أن هذا المشهد راسخ بتفاصيله داخله». الماضي هنا لا يستعاد من الوثائق، بل من الذاكرة الشفوية المتوارثة.

بل إن الرواية تضع الحكاية الشفوية في مشهد أدائها. في سهرات آخر الأسبوع يطلب الباشا من محروس أن يحكي كيف كان يقنص الإنجليز، فيحكي «وكأنه يحكي حكايات عنترة العبسي وأبو زيد الهلالي»، والسامعون يهللون ويصفقون. هكذا يتحول الفعل الوطني إلى سيرة شعبية في حياة صاحبه، وهذا بالضبط ما يعنيه التصدير بالميت الحي.

لكن الانتقال بين الأصوات لا يجري دائما بهذا الوضوح والبساطة. ففي قسم البرنس يبدأ السرد بضمير الغائب، ثم ينقلب دون إشارة إلى المتكلم في الفقرة نفسها: «سار وسرت وراءه»، «وهو يعرفني عليهم». وفي قسم الحفيد يروي الغائب لحظاته في باريس، ثم تنتهي وصية الباشا بـ«أمسكت بيده ووعدته، وارتميت على صدره أبكي».

هذه الانتقالات تقرأ بوصفها اندفاع الذاكرة حين يسبق صاحبها الراوي، فتفاجئ القارئ وتوقظ انتباهه، وتجعله يشعر أن الحكاية تروي نفسها بأفواه أصحابها.

الأمكنة: مفاصل الفسيفساء

إذا كانت الوصية هي المفصل الزمني بين الحكايات، فإن للفسيفساء مفاصل مكانية أيضا. فالرواية تنتقل عبر أربعة أماكن تتكرر بدلالات ثابتة هي الطريق الليلي، وبيت المضيف، والأرض، ثم المقبرة أو الضريح.

فالطريق هو مكان الانقطاع. عليه يقف محمد بعد منتصف الليل في انتظار «ما يرسله الله من وسيلة مواصلات تذهب به إلى أي مكان بعيد»، وعليه يركض محروس في الظلام هاربا من مطارديه. ومحطة القطار في الإطار هي الصورة المكثفة لهذا الطريق: مكان لا يسكن بل يعبر، والقطارات فيه «تأكل» من يقف في طريقها.

بيت المضيف هو مكان الولادة الثانية. واللافت أن الوصف يتكرر تقريبا بالمفردات نفسها في الحكايات الثلاث: سكن مستقل من حجرتين، وثلاجة ممتلئة، ونوم عميق طويل كأنه موت صغير تعقبه قيامة. كل غريب يدخل بيتا وينام ثم يصحو إنسانا آخر. ولا شك في أن التكرار هنا مقصود فنيا، لأنه يربط القطع بلون واحد.

 والأرض هي مكان الامتحان. محروس يجلس القرفصاء ويشم التربة ويقربها من أذنيه «كأنه يحدثها ويسمع حديثها»، ويقول للباشا: «لكل أرض طبيعتها ولغتها». ورشوان يثبت جدارته في كفر منصور بالطريقة نفسها. الأرض في الرواية ليست ملكا، بل لغة يرثها الأحفاد عن الأجداد، ومن يبيعها من الورثة يفقد لسانه قبل أن يفقد الأرض.

أما المقبرة فمكان العودة الدائم. البرنس يزور قبر بثينة حين يعود إلى قريته، ومحفوظ يقف أمام قبري أبيه وأمه قبل أن يدخل قريته، ومحروس يوصي بأن يدفن في مسقط رأسه «حتى لو كنت ميتا». وحين يبني الحفيد ضريحا لجده وينقل رفاته إليه، يتحول القبر من نهاية إلى مركز تتجمع حوله الحكايات. هكذا تبدأ الفسيفساء من محطة عبور وتنتهي عند مكان إقامة أبدية.

انغلاق الدائرة: عيد ميلاد عند الضريح

في القسم الأخير، وهو الأقصر في الرواية، تلتقي القطع كلها في مشهد واحد. في الخامس عشر من يناير يقف خالد البدوي على باب ضريح جده، وإلى جانبه رشوان، وأهل القرية صفوف يحملون صور الباشا. وحتى «محمد البرنس» يأتي بعائلته كاملة. الغريب الذي وصل ليلا إلى محطة القطار، والمضيف الذي استقبله، والوارث العائد من باريس، يقفون جميعا أمام الميت الذي جمع حكاياتهم.

التاريخان اللذان طلب رشوان أن يزور فيهما قرية الباشا منذ أول حديثه مع عيسوي، الخامس عشر من يناير والثامن والعشرون من سبتمبر، يعودان في الخاتمة طقسا سنويا. هكذا يتحول طلب صغير ألقي في المنتصف إلى الحدث الذي يسمي الرواية. وهذا تدبير بنائي محسوب، يدل على أن الكاتب كان يرى نهاية روايته وهو يكتب وسطها.

وتختم الرواية برشوان جالسا القرفصاء عند الضريح يقول: «والله يا باشا أنت الحي وكلهم ميتون»، ثم بالبيت المأثور:

كم مات قوم وما ماتت مكارمهم … وعاش قوم وهم في الناس أموات

بهذا تلتقي الصفحة الأخيرة بالتصدير الأول التقاء حرفيا تقريبا، وتنغلق الدائرة التي فتحها العنوان. لكن النهاية لا تكتفي بالانغلاق، بل تضيف إليه معنى أن الميت لا يبقى حيا بما فعله فحسب، بل بمن يروي حكايته ويحفظ موعده. رشوان هنا راوي الذاكرة وحارسها، وهو الوجه الآخر لمكي سكة الذي حرس باب الرواية في أولها.

خاتمة: الفسيفساء ذاكرة ووفاء

ولعل ما قد يبدو للوهلة الأولى تكرارا في الرواية هو في حقيقته اختيار جمالي واع. فتشابه المضيفين في الكرم والحكمة، وتشابه الأبناء المغتربين في الجفاء، يقربان النص من روح الحكاية الشعبية والمثل السائر، حيث تتمايز الشخصيات بقيمها أكثر مما تتمايز بملامحها. وكما تعيد السير الشعبية بطلها في صور متعددة، تعيد الرواية مشهد الغريب والمضيف والوصية جيلا بعد جيل، لتقول إن الخير سلالة تتوارث كما تتوارث الأرض.

وفي هذا الأفق نفسه تقرأ الحكايات الصغيرة المبثوثة في ثنايا السرد، مثل نوادر الانتخابات في ماضي أبي البرنس، فهي أشبه بما يتخلل سهرات القرية من استطرادات تمنح المجلس دفأه وحياته. أما الزمن الروائي فيمتد في انسيابية من ليالي لمبات الجاز إلى زمن الهواتف وشرفات باريس، كأنه زمن الذاكرة لا زمن التقويم، تتجاور فيه الأجيال وتتحاور دون أن تفصل بينها حدود صارمة.

إن «عيد ميلاد ميت» رواية وفاء قبل كل شيء: وفاء للقرية المصرية وحكاياتها، وللوجوه التي رحلت وبقيت سيرتها. وأحمد طايل يكتب هنا كما يفعل «الشيخ وحيد» في روايته: يجمع حكايات القرية من أفواه رواتها، ويلملمها ليصنع منها «كل الحكاية»، وهو يعرف أنها لن تكتمل. وفي هذا الوعي بأن الذاكرة قطع متجاورة لا كتلة واحدة، تكمن أصدق لحظات الرواية وأجدرها بالقراءة، وبه يستحق كاتبها أن يقرأ ويحتفى به.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٢:٥٩ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

البنية الفنية وجماليات الاحتجاج في قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل 

دراسة نقدية في الصورة والرؤية والتناص والمفارقة والإيقاع
قراءات

البنية الفنية وجماليات الاحتجاج في قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل دراسة نقدية في الصورة والرؤية والتناص والمفارقة والإيقاع

البنية الفنية وجماليات الاحتجاج في قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل دراسة نقدية في الصورة والرؤية والتناص والمفارقة والإيقاع بقلم: حسن غريب أحمد ناقد وباحث وشاعر مصري مدخل: من غضب الموقف إلى شعرية التعبير لا تُقرأ قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل بوصفها هجاءً اجتماعيًّا وسياسيًّا…

· 13 د
سؤال التراث والحداثة:

رؤية المفكر محمد عابد الجابري
قراءات

سؤال التراث والحداثة: رؤية المفكر محمد عابد الجابري

باحثة وأكاديمية | مغربية يعتبر التراث معطى حضاريا، ومقوما من مقومات الهوية العربية – الاسلامية، لهذا دعا المفكر المغربي: "محمد عابد الجابري"، إلى ضرورة التوجه نحو استيعاب تراثنا العربي – الإسلامي، إلى جانب التراث الثقافي الإنساني،بمثل" سعة الأفق وعمق النظر"، الذي تعامل به فلاسفة دار الاسلام مع…

· 3 د
جمال الهنداوي وجماليات التلقي في قصة على باب ردهة الطوارئ

قراءة نقدية في تشكّل المعنى، وأفق الانتظار، والفراغات السردية، وتحولات الوعي الأخلاقي
قراءات

جمال الهنداوي وجماليات التلقي في قصة على باب ردهة الطوارئ قراءة نقدية في تشكّل المعنى، وأفق الانتظار، والفراغات السردية، وتحولات الوعي الأخلاقي

جمال الهنداوي وجماليات التلقي في قصة على باب ردهة الطوارئ قراءة نقدية في تشكّل المعنى، وأفق الانتظار، والفراغات السردية، وتحولات الوعي الأخلاقي إسماعيل نوري الربيعي ليس كل باب في الأدب مدخلًا إلى مكان، فبعض الأبواب عتبات خفية يعبر منها الإنسان إلى المناطق التي لم يكن يعرف أنها موجودة في داخله، وبعض…

· 11 د