المجموعة القصصية «حبال الليف» للقاصة السعودية صباح فارسي، والتي صدرت عن دار تأثير للنشر والتوزيع في المملكة العربية السعودية عام 2025م.
احتوت هذه المجموعة على ستة وأربعين نصًا تنوعت ما بين القصة القصيرة والقصة القصيرة جدًا. وتُعد هذه المجموعة من المجاميع الناضجة والجريئة؛ باعتبارها انشغلت بالهم الاجتماعي والإنساني، وتناولت العلاقات المختلفة داخل المجتمع، فنقلت كثيرًا من القضايا الاجتماعية والعاطفية وغيرها، وشغلت المرأة وقضاياها حيزًا واسعًا من تلك القضايا. والذي يلفت القارئ في هذه المجموعة الجرأة؛ حيث جاءت أغلب النصوص ناقدة وجريئة، مما يجعل المتلقي متشابكًا في حالة من التشويق مع نصوص المجموعة ومضامينها.
وقبل الدخول إلى عالم القصة، لا بد من التعريج على دلالة العنوان «حبال الليف». فإذا كانت حبال الليف عبارة عن خيوط أو حبال قوية مكونة من ليفين أو أكثر، تُفتل وتُجمع بعضها إلى بعض لتستخدم في أمور حياتية كثيرة بحرية ورياضية ومنزلية وغيرها، فإننا نلحظ من التعريف أنها مجدولة ومجموعة من عدة ألياف، وبذلك تكون قوية تتحمل الثقل المربوط فيها، خاصة أنها غالبًا غير قابلة للتفتيت إلا مع مرور الزمن، فتؤدي وظيفة الربط والتقييد بصورة قوية، وما زالت تؤدي ذلك حتى مع الوسائل الحديثة.
وبذلك تحولت «حبال الليف» من الدلالة السطحية إلى الدلالة العميقة الرمزية؛ فالحبال رمز لكل القيود المختلفة داخل المجتمع التي يعاني منها الإنسان، سواء كانت قيودًا اجتماعية كالعادات والتقاليد والتصورات والأفكار، كما أنها رمز للجبر والقهر والعوائق التي تحول دون حرية الإنسان. لذلك جاء العنوان محترفًا وعميقًا، عكس مضامين النصوص وأحال إلى تلك الدلالات إذا ما تأملنا رهانات النصوص المختلفة ورسائلها.
فإذا تأملنا نص «حبال الليف» الذي عنونت به المجموعة، يلحظ القارئ حجم القهر الاجتماعي الذي عانت منه المرأة، سواء كانت طفلة أو زوجة أو أرملة.
ففي صورة المرأة الطفلة يسمح للبنت بأن تنظر إلى الخارج من خلال فتحة الدرج: «في زمن ولى كانت شبابيك بيتنا تفتح، فيدخل منها النور والهواء والكثير من الفرح… وما أن بلغت العاشرة باتت النوافذ تغلق ويحكم صك الباب جيدًا» (ص9).
مما يعكس عدم الثقة بالمرأة، بل ومنعها الثقة والحرية معًا، فتظل المرأة باحثة عن الحرية، فتقول: «لو أن لي جناحين».
وفي مرحلة الصبا تُجبر الصبية الصغيرة على الزواج جبرًا بلا اختيار أو رضا، فهي عبارة عن جسد بلا روح، يُجبر ذلك الجسد لما يراد له لا لما يريد هو: «أدندن وأتذكر… تزوجني في الثالثة عشرة لأكون الثالثة في عداد زوجاته».
ومن ذلك يُلحظ أن المرأة حُرمت حق اتخاذ القرار في اختيار شريك حياتها، وحُرمت التعليم. فالنص يعكس صورة الاستلاب لكل أنواع الحقوق الممنوحة للمرأة، وليس هذا فحسب، بل تُسلب حتى هويتها: «واسمك لا يعجبني، فسوف أسميك حياة؛ حتى تسري الحياة في عروقك الباردة» (ص9).
ويوضح النص ذلك الاستلاب للهوية والروح والجسد: «سلخني من ذاتي، وتلك كانت موتتي الأولى» (ص10).
فالخطاب في النص يرسم أطوار معاناة المرأة وصراعها مع الرجل ومع العادات والتقاليد، من الطفولة إلى الزواج إلى الطلاق، ليوضح حجم القهر والظلم الاجتماعي، وتلك هي حبال الليف: «عدت في السابعة عشرة من عمري إلى بيت أهلي مطلقة» (ص10).
وقد ركز النص على العادات التي تحولت إلى ظواهر خاصة فيما يتعلق بالمرأة، وحتى صورة الأب جاءت قاسية، تمثل العادات والتقاليد والقيود الاجتماعية.
أما إذا تأملنا العنونة الداخلية، فقد جاءت محترفة جدًا، ومناسبة لمضامين النصوص، وغير مكشوفة. وليس هذا فحسب، بل إنها تفتح آفاقًا للتأويل والتفسير، ونادرًا ما نجد عنوانًا مفضوحًا، وإن جاء العنوان مفضوحًا فإنه يفتح آفاقًا للتأويل والتفسير.
وأغلب تلك العنونة جاءت من كلمة واحدة، مثل: «خرقة، حنجرة، إراقة، جلود، خرير، وسوسة…» والكلمة الواحدة مكثفة ومشحونة بالدلالات والتأويل المتعدد، سواء على مستوى المعجم أم على مستوى مضمون النصوص.
وجاء بعضها مضافًا أو تركيبًا إضافيًا، مثل: «حبال الليف» و«حراس الظلام»، وهذان العنوانان الوحيدان اللذان جاءا بالتركيب الإضافي.
وجاء نص واحد بعنوان معرف بـ«أل»، هو: «الخروف الثلاثون».

والنظر إلى العناوين التي عنونت بها النصوص يعكس قاصة تمتلك أدواتها في العنونة، خاصة أن أغلب النصوص جاءت بعنوان من كلمة واحدة، ونادرًا ما نجد عنوانًا معرفًا بـ«أل»، وإن جاء معرفًا تحوّل العنوان من الدلالة المعجمية إلى الدلالة الرمزية، كما في «الخروف الثلاثون».
ولأن العنونة مهمة باعتبارها نصًا موازيًا يتفاعل مع المضامين العميقة، فقد جاءت مقصودة لتتفاعل مع مضامين النص وتزيد الدلالة عمقًا.
وإذا ما نظرنا، على سبيل المثال، إلى عنوان «إراقة»، فإن الإراقة تعني في المعجم اللغوي: السكب والصب والإسالة.
فنقول: «أراق الماء» أي أساله، ويستخدم أيضًا في سفك الدم، فنقول: «أراق الدماء» أي سفكها، ويقال: «أراق ماء وجهه» أي أهان نفسه ولم يحفظ كرامته.
ومن خلال ما سبق يمكن القول:
إن العنوان دل على الصب والسكب والإسالة، مما يدل على التبذير والخسارة وعدم المحافظة على أصل الحياة، وهو الماء.
تحول العنوان من المعنى الحقيقي والمعجمي إلى الدلالة المجازية والرمزية؛ فالإراقة تدل على إراقة دماء الجنود بلا مبالاة، وإراقة وجوه أبنائهم باليتم، والفاقة والحزن والفقد.
وبذلك اختزل العنوان مضمون النص الذي يقول:
«الريشة التي سودت الورق بدمع ذرفه قاص عن عيون أطفال يتامى الحرب… تهاب العودة للمحبرة» (ص12).
ومن خلال ما سبق يمكن القول:
إن شخصية البطل، الرسام أو الكاتب الذي سود الورق، تأثرت بمعاناة الأطفال الذين فقدوا آباءهم في الحرب، وقد بدت الحرب عبثية بلا هدف أو غاية.
استطاع العنوان أن يصف إراقة الحبر واللون الأسود الذي يرمز إلى تحول حياة الأسرة والأبناء.
واستطاع الرسام أو الكاتب من خلال ذرف الدموع والإراقة أن يعبر عن سواد الحياة على البطل والأسرة، والسواد يعني التحول وحجم الفقد.
إراقة الدموع تدل على يتم الأطفال.
النهاية الصادمة في «تهاب العودة للمحبرة»، فعلى الرغم من أن الحبر أسود، فإن السارد اكتفى بحجم المأساة بعدم العودة للمحبرة؛ لأنه لا يرغب في فضح حياة الأطفال، أو لأنه اكتفى بإدراك المتلقي وفهمه للمشهد.
النص سريع ومكثف جدًا، ويختزل المأساة في سطرين؛ فلون الحياة الكريمة الأبيض قد تحول إلى السواد، ويهاب العودة للمحبرة اكتفاء بما رسم.
وإذا ما انتقلت القراءة إلى عنوان جاء مركبًا تركيبًا إضافيًا، فهو «حراس الظلام».
والحراسة تعني في المعجم: الحماية، والحفظ، والمراقبة، والمواكبة.
والحماية والحفظ هنا للظلام وحراسته من النور والفجر والنهار.
والحراسة للظلام تعني السير في خط التخلف والتسلط والتضليل، بل سجن الأفكار والتصورات في زنزانة الجهل والتخلف والرؤية الواحدة والخيار الواحد والقناعة بالتأخر، لا سيما أن الظلام رمز لكل تخلف وتسلط وتصور طاغٍ؛ فهو حاجز يمنع النور والتنوير.
فالعنوان أشار إلى ذلك من خلال التركيب الإضافي التجريدي الساخر والعميق، ومتن النص يقول:
«كشطت بأظافري جدارًا لمكتبة عفا عليها الزمن، ثقبت ثقوبًا تسرب منها النور، شيئًا فشيئًا ملأ المكان، تبددت العتمة، حينها أبصرنا عقارب الكتب تزحف زحفًا، ترفع شعلة من ضياء وراية بيضاء، وصوت من الظلمة: ليت لنا جيشًا من التتار» (ص26).
ومن خلال ما سبق يمكن القول:
المجموعة جريئة جدًا إلى حد بعيد، فقد تناولت قضايا وأفكارًا عميقة بكل جرأة، وانتقدتها على المستوى الاجتماعي والتربوي والاقتصادي والأسري وحتى الديني، وتناولت ظواهر على مستوى منظومة المؤسسات المتعددة، وخاصة تلك التصورات الحتمية التي تحولت إلى مسلمات.
كانت المجموعة موضوعية إلى حد بعيد، فقد تناولت المرأة وقضاياها، كما تناولت مكر المرأة ولسانها الذرب في أختها المرأة.
في بعض نصوص المجموعة شيء من الغموض، ولكن بإعمال الفكر يمكن التغلب عليه وفك شفرات الدلالة الغائبة.
جاءت العنونة في المجموعة محترفة إلى حد بعيد، والمتلقي من خلال المجموعة يدرك وعي القاصة وامتلاكها لأدواتها، خاصة أن العنوان يأتي ملفتًا ومثيرًا ويفتح آفاقًا للتأويل، وليس هذا فحسب، بل إن العنونة شكلت نصوصًا موازية تتفاعل مع مضامين النص، ولا تبتعد عن رسالته العميقة.
قد يقول المتلقي إن بعض العناوين جاءت كاشفة ومباشرة، ولكن حين يقرأ النص تتغير تلك القراءة؛ فالعنوان وإن جاء مكشوفًا أو جاء رقمًا، فإنه يفتح آفاقًا للتأويل ويتحول إلى رمز، مثل «الخروف الثلاثون».







التعليقات