قلما يستطيع كتاب في التاريخ السياسي القريب أن يحافظ على حرارة الحدث بعد انقضاء عقود عليه، لأن الزمن عادة ما يحول الوقائع إلى تواريخ، والأشخاص إلى أسماء، والصراعات إلى نتائج نهائية تبدو للقارئ أكثر وضوحاً مما كانت عليه لمن عاشها. غير أن كتاب الأستاذ المحامي المستشار محي الدين محمد يونس الصراع العلني والخفي بين السلطة في العراق والحركة الكردية 1968–1975 ينتمي إلى نوع مختلف من الكتابة، لأنه يعيد تلك السنوات إلى حالة الحركة وعدم اليقين التي كانت عليها، فلا نعرف ونحن نقرأ بيان الحادي عشر من آذار ما ستؤول إليه المصالحة، ولا تبدو الحرب سنة 1974 نتيجة حتمية لما سبقها، ولا تظهر اتفاقية الجزائر باعتبارها خاتمة كانت مكتوبة منذ البداية. وهذه إحدى فضائل الكتاب الأساسية، فهو يعيد للتاريخ احتمالاته الضائعة، ويجعلنا نرى القرارات قبل أن نعرف نتائجها، ثم يكشف بالتدريج كيف أغلقت الخيارات واحداً بعد آخر حتى صار الصدام ممكناً ثم راجحاً ثم واقعاً. ومنذ المقدمة يعلن المؤلف تصوره لوظيفة الكتابة التاريخية، فهو لا يريد العودة إلى الماضي لإثارة الأحقاد، بل ينطلق من قناعة بأن الماضي يصنع الحاضر وأن الحاضر يصنع المستقبل، وأن المجتمعات لا تستطيع تأسيس تاريخها على طمس الحقائق أو إعادة تركيب الذاكرة وفق حاجات السلطة أو الجماعة. ويذهب أبعد من ذلك حين يجعل الاعتراف بأخطاء الماضي سمة من سمات الدولة الراشدة القادرة على تحويل التاريخ من عنصر خوف وانقسام إلى مصدر قوة وانسجام. هذه الفكرة ليست استهلالاً إنشائياً، وإنما هي المفتاح الفكري للكتاب كله، لأنها تفسر لماذا يصر يونس على فتح الملفات المؤلمة، ولماذا لا يرى في الاعتراف بالمأساة إدانة للعراق بل شرطاً لإنقاذ ذاكرته. حتى الإهداء يكشف مبكراً هذا الحس المزدوج، إذ يتجه إلى شهداء الحركة الكردية، ثم يتجه في الوقت نفسه إلى أرواح الجنود العراقيين الذين فقدوا حياتهم بفعل السياسات التي قادت إلى الحروب. وبذلك ينقل المؤلف المأساة من منطق المنتصر والمهزوم إلى معنى أكثر إنسانية، حيث يصبح الموت الكردي والموت العراقي وجهين لخسارة وطن واحد. ولعل أجمل ما في عنوان الكتاب أنه لا يتحدث عن الصراع وحده، بل يصفه بأنه علني وخفي. فالعلني هو البيانات والمفاوضات والوزراء والجبهات والحرب، أما الخفي فهو الخوف وسوء الظن والاستعداد لما بعد الاتفاق والحسابات الإقليمية والبحث المتبادل عن الضمانات. ومن هذه المسافة بين الظاهر والمضمر صنع محي الدين محمد يونس واحداً من أكثر جوانب كتابه إثارة للتفكير.
الشاهد الذي لم يكتف بشهادته
الميزة التي تمنح الكتاب بصمته الخاصة هي أن مؤلفه قريب من زمن الوقائع، يحمل ذاكرة حية عن المرحلة، ولكنه لا يكتفي بتلك الذاكرة مصدراً للحقيقة، بل يضعها إلى جانب الوثيقة والصحيفة والمذكرات والشهادة السياسية والمصدر التاريخي. ولهذا يمكن وصف طريقته بأنها كتابة عند الحد الفاصل بين الشهادة والتأريخ. ففي موضع بالغ الدلالة يستعيد مساء الحادي عشر من آذار سنة 1970 حين كان يسير مع زميله الملازم حسين علي العبوسي في شارع السعدون، ثم سمعا تنبيه وسائل الإعلام إلى بيان مهم سيعلن، فجلسا في مقهى بساحة النصر وانتظرا حتى ظهر أحمد حسن البكر وأعلن بيان الحادي عشر من آذار. ما الذي تضيفه هذه الذكرى إلى معرفة القارئ بالبيان وهو يستطيع قراءة نصه في عشرات المصادر؟ إنها تضيف ما لا تستطيع الوثيقة الرسمية أن تحتفظ به، أي مزاج اللحظة التاريخية. فالوثيقة تخبرنا بما قررته السلطة والحركة، أما ذاكرة الشاهد فتخبرنا كيف دخل القرار إلى حياة الناس، وكيف بدا السلام في ساعاته الأولى ممكناً وحقيقياً ومثيراً للأمل. هنا تصبح ساحة النصر والمقهى وشارع السعدون والانتظار قبل نشرة الأخبار عناصر من التاريخ، لا لأنها تغير مضمون الاتفاق، بل لأنها تعيد بناء المجال النفسي والاجتماعي الذي استقبل الاتفاق. ومع ذلك فإن المؤلف لا يجعل تجربته الشخصية سلطة فوق المصادر، فإحالاته منذ الصفحات الأولى تمتد إلى سعيد ناجي جواد وشلومو نكديمون وعبد الخالق ناصر العامري ومسعود البارزاني وكامران قرداغي، بما يكشف رغبة واضحة في وضع الذاكرة الفردية ضمن شبكة من الشهادات والروايات. وتزداد قيمة هذا المنهج حين ينشر المؤلف نصوصاً متبادلة بين الخصمين بدلاً من تلخيصها وفق موقفه، ويصرح بأنه يريد أن يترك للقارئ فرصة الاطلاع على وجهات النظر المختلفة وتكوين حكمه بعيداً عن العاطفة والانحياز. وهذه خصلة مهمة في الكتاب، لأن الكاتب الذي عاش زمناً صراعياً يكون أكثر عرضة من غيره لأن تتحول ذاكرته إلى محكمة، بينما يحاول يونس في مواضع كثيرة أن يحول ذاكرته إلى شاهد يجلس إلى جانب شهود آخرين. لذلك تتجاور في الكتاب الصحافة والصور والوثائق والمذكرات والخبرة الشخصية، ويصبح النص أقرب إلى مستودع لذاكرة مرحلة كاملة منه إلى سرد سياسي أحادي الاتجاه.
اتفاق الحادي عشر من آذار وعبقرية اللحظة الضائعة
يعامل الكتاب بيان الحادي عشر من آذار سنة 1970 بوصفه لحظة مفصلية لا يجوز اختزالها في النتيجة التي انتهت إليها بعد أربع سنوات. وهذه نقطة منهجية شديدة الأهمية، لأن معرفة المؤرخ اللاحقة بفشل الاتفاق قد تدفعه إلى افتراض أن الفشل كان كامناً فيه منذ اللحظة الأولى وأن جميع الأطراف كانت تخدع بعضها منذ البداية. المؤلف لا يسقط في هذه السهولة، بل يسجل ما مثله البيان فعلاً من تحول كبير، ويعرض المكاسب التي رأتها الحركة الكردية فيه، من الاعتراف السياسي بالحزب الديمقراطي الكردستاني، إلى مشاركة خمسة وزراء أكراد في الحكومة، وعودة صحيفة التآخي، وإعادة المفصولين السياسيين، وإدخال كوادر كردية في مواقع إدارية مهمة، فضلاً عن ترتيبات تتعلق بقوات البيشمركة والحضور التنظيمي والسياسي للحركة. والكتاب بذلك يعيد للاتفاق وزنه في زمنه، فلا يحاكمه فقط بما حدث سنة 1974 أو 1975. لقد كان ثمة سلام حقيقي يأمله الناس، وكانت هناك إمكانية تاريخية تستحق أن تؤخذ بجدية. لكن قوة المؤلف تظهر عندما ينتقل من الاعتراف بقيمة اللحظة إلى تحليل أسباب هشاشتها، فهو لا يقول ببساطة إن الاتفاق فشل لأن أحد الطرفين خانه، وإنما يبدأ في تفكيك هندسته الداخلية. لم يحسم شكل الحكم الذاتي بدقة، ولم تحدد المنطقة التي سيطبق فيها بصورة نهائية، وربط ذلك بإحصاء لم ينجز، وظلت قضايا أساسية معلقة إلى المستقبل. وهنا تظهر خبرة المحامي خلف كتابة المؤرخ، إذ ينظر يونس إلى الاتفاق لا باعتباره وعداً سياسياً فقط، بل باعتباره بناء قانونياً ينبغي اختبار آليات تنفيذه وضماناته وحدود سلطاته. ولهذا يلفت إلى أن السلطة التشريعية والتنفيذية العليا ظلت متمركزة في مجلس قيادة الثورة، بينما كان الحضور الكردي في مؤسسات الدولة عرضة في جانب منه لقرارات السلطة المركزية. محي الدين محمد يونس إن هذه القراءة تجعل بيان آذار في الكتاب مأساة فرصة تاريخية أكثر منه مجرد مقدمة للحرب، فقد امتلك الطرفان لحظة نادرة لإعادة تعريف الدولة العراقية، لكنهما لم يستطيعا تحويلها إلى نظام مؤسسي قادر على البقاء بعد تراجع الحماس الأول.

المحامي حين يقرأ التاريخ بعين القانون
من الأفكار اللامعة التي تستحق التوقف عندها طويلاً ، ذلك الحضور الهادئ للعقل القانوني في تفسير الحدث السياسي. فالكاتب لا يحول الكتاب إلى دراسة قانونية، لكنه يسأل أسئلة المحامي في الأماكن التي يكتفي فيها المؤرخ أحياناً بتسجيل الوقائع. من يضمن التنفيذ؟ من يحدد أن خرقاً قد وقع؟ من يفسر النص المختلف عليه؟ ماذا يحدث إذا قدم الطرفان تفسيرين متعارضين للالتزام نفسه؟ وهل يستطيع اتفاق بالغ الحساسية أن يبقى معلقاً على الثقة الشخصية بين قيادات سياسية وعسكرية تعيش أصلاً تاريخاً طويلاً من الصراع؟ يبلغ هذا المنهج ذروته عندما ينتقد غياب طرف ثالث أو هيئة قانونية عراقية محايدة يمكن الاحتكام إليها عند الاختلاف على تنفيذ الاتفاق، ويرى في ذلك نقصاً كبيراً في تسوية يتوقف عليها مصير قضية وطنية بالغة الحساسية. وهذه الملاحظة تتجاوز حادثة سنة 1970 لتلامس نظرية كاملة في بناء السلام، لأن التسوية لا تنجح بالنصوص الجميلة وحدها، بل بالمؤسسات التي تجعل الالتزام بها أقل اعتماداً على مزاج القوى المتصارعة. وهنا يمكن استخلاص إحدى أعمق أفكار الكتاب من دون أن يصرح المؤلف بها في صيغة نظرية مجردة، وهي أن السلام الذي لا يمتلك مؤسسة تحميه يبقى هدنة معرضة لأن تلتهمها الشكوك. لقد كانت السلطة تشك في نيات الحركة، وكانت الحركة تشك في نيات السلطة، وكل حادث أمني جديد كان يدخل إلى ذاكرة الطرفين بوصفه دليلاً إضافياً على صحة الشك السابق، فتتكون دائرة مغلقة يصبح فيها انعدام الثقة منتجاً للمزيد من الأسباب التي تبرره. ومن هذه الزاوية لا تعود السنوات الواقعة بين 1970 و1974 زمناً لتطبيق الاتفاق فحسب، بل زمناً لتراكم الخوف. وهذه واحدة من نقاط الإجادة الكبرى في الكتاب، لأنه يتيح للقارئ أن يرى كيف يمكن لاتفاق ناجح على الورق أن يتآكل ببطء حين تظل بنيته المؤسسية أضعف من ذاكرة الخصومة.
حين أصبح الشك قوة سياسية
من أمتع مستويات الكتاب تحليلاً تتبعه للتحول التدريجي من لغة المصالحة إلى مناخ الريبة. فالتاريخ هنا لا يتحرك بقفزة واحدة من السلام إلى الحرب، وإنما عبر سلسلة من الوقائع والاتهامات وردود الأفعال التي أخذت تضيق المسافة بين الطرفين. ويلاحظ المؤلف أن حالة الانسجام لم تدم طويلاً، وأن الاحتكاكات بدأت تظهر بعد أشهر قليلة، ثم جاءت أحداث زادت شك القيادة الكردية في مصداقية السلطة، وصولاً إلى استهداف سيارة إدريس البارزاني وما تبعه من اتهامات وردود رسمية. محي الدين محمد يونس وفي هذا المستوى من السرد ينجح يونس في تقديم شيء أعمق من التسلسل الزمني، لأنه يكشف سيكولوجية الصراع السياسي. فالطرفان لم يعودا يقرآن الحدث في ذاته، وإنما يقرآن كل حادث جديد عبر تاريخ سابق من المخاوف. وهكذا يصبح حتى الفعل المحدود قابلاً لأن يفسر باعتباره جزءاً من خطة كبرى، ثم يدفع إلى رد احترازي يقرأه الخصم بدوره بوصفه دليلاً على العدوان، فتتولد من الشكوك حقائق جديدة. وحين يضع المؤلف أمام القارئ المذكرات المتبادلة بين حزب البعث والحزب الديمقراطي الكردستاني، فإنه يقدم مادة نادرة لفهم كيفية بناء كل طرف لصورة خصمه، وكيف تحولت اللغة السياسية نفسها إلى ساحة للصراع. فالرسائل التي كان يفترض أن تعالج الأزمة أصبحت سجلاً للاتهامات المتراكمة، وتراجعت مساحة الثقة التي يحتاج إليها أي تفاوض. إن عنوان الكتاب يجد هنا أفضل تفسير له، لأن الصراع الخفي لم يكن مؤامرة سرية بالضرورة، بل كان ذلك المخزون المتزايد من التصورات والمخاوف والنوايا المنسوبة إلى الآخر. وما حدث بعد ذلك هو أن الخفي أخذ يبتلع العلني حتى لم تعد المصافحة قادرة على إخفاء الاستعداد للحرب.
من بغداد وكردستان إلى لعبة الإقليم
كلما اقترب الكتاب من سنتي 1974 و1975 تتسع عدسته، فلا تعود العلاقة بين السلطة والحركة الكردية شأناً عراقياً داخلياً خالصاً، وإنما تدخل في شبكة المصالح الإقليمية والدولية. وهذه النقلة من أهم عناصر النضج في العمل، لأنها تمنع تفسير الصراع باعتباره مواجهة بين قوميتين فقط. فعندما يصل المؤلف إلى تجدد القتال يوضح أن الجولة الجديدة تختلف عن المواجهات السابقة من حيث حجم التحضيرات والإمكانات البشرية والمادية والعسكرية، فضلاً عن العوامل الخارجية التي أصبحت أكثر تأثيراً في الطرفين. محي الدين محمد يونس ثم يصل هذا المسار إلى ذروته مع اتفاقية الجزائر في السادس من آذار سنة 1975، حيث تصبح القضية الكردية مرتبطة مباشرة بإعادة ترتيب العلاقة بين العراق وإيران. واللافت أن يونس لا يبدأ اتفاقية الجزائر من قاعة التوقيع، وإنما يمهد لها بتحولات الميدان العسكري بعد معارك سنة 1974، بما في ذلك عبور الجيش العراقي جبل كورك والسيطرة على راوندوز وما تركه ذلك من آثار في الوضع العسكري لقوات البيشمركة. محي الدين محمد يونس هذه الطريقة في بناء الفصل الثالث بالغة الذكاء، لأنها تقول للقارئ إن الاتفاق الدبلوماسي لا يفهم منفصلاً عن الخريطة العسكرية التي سبقته. كما تكشف عن مفارقة تاريخية قاسية، وهي أن حركة تسعى إلى تثبيت حق داخلي قد تصبح شديدة الارتهان لتوازن خارجي لا تتحكم في تغيراته. وهنا يتحول الكتاب من تاريخ للعلاقة بين بغداد والحركة الكردية إلى درس أوسع في هشاشة الحركات السياسية حين تصبح موارد استمرارها مرتبطة بإرادة دولة أخرى تستطيع تغيير حساباتها. وبذلك لا تظهر إيران في الكتاب مجرد حليف أو خصم، وإنما قوة قادرة على تغيير شروط اللعبة نفسها.
شجاعة النقد حين تتجه إلى الذات
كان من السهل على المؤلف، بالنظر إلى موقفه الإنساني الواضح من القضية الكردية، أن يجعل الكتاب لائحة اتهام للسلطة العراقية، لكن واحدة من أجمل خصائص العمل أنه لا يمنح القيادة الكردية إعفاءً من المساءلة. وهو ما يمنح نقده للسلطة قيمة أكبر، لأن المعيار النقدي لا يتوقف عند حدود التعاطف. ففي تحليله لبيان آذار يرى أن القيادة الكردية أخطأت حين قبلت فترة طويلة لتنفيذ الحكم الذاتي، لأنها منحت السلطة زمناً لإعادة ترتيب قدراتها السياسية والعسكرية والاقتصادية. ثم ينتقد استمرار التعويل على المسار نفسه بعد ظهور مؤشرات متزايدة على تعثر التنفيذ وتغير موازين القوى. ويبلغ النقد أشد درجاته في تقييم قرار آذار سنة 1975، إذ يعد الانصياع لإرادة الشاه والأوساط الغربية والتوقف عن القتال خطأً سياسياً وعسكرياً كبيراً، ويلفت إلى أن بعض القيادات أدركت لاحقاً حجم ذلك الخطأ. محي الدين محمد يونس وسواء اتفق القارئ مع هذا الحكم أم ناقشه، فإن قيمته العلمية تكمن في أن المؤلف لا يكتب تاريخاً تقديسياً. فالبارزاني في الكتاب قائد تاريخي كبير، لكنه يظل فاعلاً سياسياً يمكن تحليل قراراته ونقدها، والحركة الكردية صاحبة قضية، لكنها ليست خارج التاريخ ولا خارج المسؤولية. بل إن المؤلف يتتبع ما جرى بعد انهيار آذار ليبين أن نهاية الحركة في صورتها القائمة آنذاك لم تكن نهاية الفعل الكردي، إذ ظهرت تنظيمات جديدة واستؤنف النشاط السياسي والعسكري بأشكال أخرى. محي الدين محمد يونس ومن هنا يكتسب التعبير الذي اختاره المؤلف لاحقاً، النهاية والبدايات، معنى عميقاً، لأن ما بدا نهاية نهائية سنة 1975 كان في الحقيقة إعادة تشكيل للمشهد.
كتاب عن العراق قبل أن يكون كتاباً عن صراع
حين ننظر إلى الكتاب من نهايته تتكشف هندسته بوضوح أكبر. يبدأ من بيان الحادي عشر من آذار، ثم يتابع الانتقادات والمذكرات المتبادلة والجبهة الوطنية، وينتقل إلى قانون الحكم الذاتي والخطوات التمهيدية للحرب والمجلسين التشريعي والتنفيذي وتجدد القتال، ثم يخصص فصله الثالث لاتفاقية الجزائر وتقييم الأداء السياسي والعسكري للحركة الكردية وتداعيات الاتفاق، قبل الوصول إلى النهاية والبدايات وخلاصة المشاهد. محي الدين محمد يونس لكن هذا التسلسل الزمني يخفي تحته بنية فكرية أكثر أهمية، إذ يرسم دورة كاملة تبدأ بالأمل ثم الاتفاق، وتنتقل إلى الاختلاف على تفسير الاتفاق، ثم إلى تآكل الثقة، فإعادة بناء القوة، فالحرب، فالتدخل الخارجي، فالانهيار، ثم ولادة قوى جديدة. ولذلك فإن الكتاب، في جوهره الأبعد، ليس كتاباً عن الكرد وحدهم ولا عن حزب البعث وحده، وإنما عن مشكلة بناء الدولة العراقية وإدارة التعدد داخلها. وهذا المعنى موجود منذ المقدمة حين يتحدث المؤلف عن التعددية الثقافية والمواطنة المتساوية ويقارن بتجارب دول استطاعت إدارة تعددها بصورة مختلفة. محي الدين محمد يونس والسؤال الكبير الذي يخرج به القارئ بعد أكثر من أربعمئة صفحة ليس من انتصر ومن انهزم، لأن الانتصارات العسكرية نفسها بدت قصيرة العمر أمام استمرار القضية، وإنما لماذا لم تستطع السياسة أن تنتج مؤسسة قادرة على جعل الحرب غير ضرورية. هنا تكمن القيمة الفكرية الأعمق للكتاب. محي الدين محمد يونس لا يقدم فرضية أكاديمية مجردة في الدولة، لكنه يمنحنا مادتها التاريخية الحية. إنه يرينا ماذا يحدث حين تكون قوة الاتفاق أقل من قوة الشك، وحين تكون ضمانات التسوية أضعف من أدوات الحرب، وحين تتحول القضية الداخلية إلى ورقة إقليمية، وحين يصبح الماضي غير المحسوم قوة فاعلة في صناعة الحاضر. لذلك يستحق الصراع العلني والخفي بين السلطة في العراق والحركة الكردية 1968–1975 أن يقرأ بوصفه شهادة تاريخية ووثيقة سياسية وتمريناً نقدياً في فهم الدولة والذاكرة معاً. ولعل أجمل ما يختصر روح العمل قول المؤلف في مقدمته إن سلب الناس تاريخهم الحقيقي يشبه سلبهم جزءاً من ذواتهم، لأن التاريخ هو أحد مستودعات الذاكرة الجماعية، وإذا أعيدت صياغة هذه الذاكرة وفق الأهواء والمصالح فقد المجتمع قدرته على معرفة ذاته. وفي ضوء هذه الفكرة يصبح الكتاب نفسه فعلاً في مقاومة النسيان، لا لكي يبقى العراقيون أسرى سنوات الصراع، بل لكي يفهموا لماذا حدث ما حدث. وتلك، في نهاية الأمر، فضيلة الكتاب الكبرى: أن محي الدين محمد يونس لا يفتح جرح التاريخ لكي يعيد نزفه، وإنما يفتحه لكي يجعل رؤيته ممكنة، لأن الجرح الذي لا يرى لا يشفى، والتاريخ الذي لا يقرأ بجرأة يظل قادراً على العودة بأسماء جديدة.








التعليقات