انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

حين يبحثُ الإنسانُ عن ذاتِه في مرآةِ الآخرِ قراءة في رواية (المتشابهون)  للكاتبِ أحمد  طايل.

ليلى صليبي
ليلى صليبي

ناقدة وكاتبة لبنانية

10 دقائق للقراءة
10 مشاهدة
حين يبحثُ الإنسانُ عن ذاتِه في مرآةِ الآخرِ قراءة في رواية (المتشابهون) للكاتبِ أحمد طايل.
مشاركة:

روايةُ المتشابهون  لا تسألُ «من يشبهُ من؟» فقط

ثمةَ رواياتٌ تُقرأُ بحثًا عن الحكايةِ، وأخرى تُقرأُ بحثًا عمّا وراءَ الحكايةِ. وروايةُ «المتشابهون» للروائي "أحمد طايل" تنتمي، في تقديري، إلى النوعِ الثاني؛ إذ لا يكتفي السّردُ فيها بتتبعِ مصائرِ شخصياتٍ تتقاطعُ حياتُها عبرَ الزمنِ، وإنّما يجعلُ من هذه المصائرِ مادةً للتأمّلِ في الإنسانِ، وفي ذاكرتِه، وعلاقتِه بالآخرِ، وفي القيمِ التي تنتقلُ من جيلٍ إلى جيلٍ، ثمَّ تتعرّضُ للاختبارِ حين يصطدمُ الموروثُ بتحولاتِ الحياةِ.

ومنذُ عتبتِها الأولى، تبدو الروايةُ وكأنّها تضعُ القارئَ أمامَ سؤالٍ لا يُجابُ عنه دفعةً واحدةً: من هم المتشابهون؟

فالجوابُ لا يستقرُّ على التشابهِ الخارجيّ، ولا على القرابةِ، ولا حتى على وحدةِ التجربةِ؛ بل يتّسعُ تدريجيًّا ليصبحَ التشابهُ حالةً روحيةً وفكريةً وأخلاقيةً. وقد كشفتْ دراساتٌ سابقةٌ أنَّ الروايةَ تجعلُ التشابهَ ممتدًا إلى الأفكارِ والأرواحِ والرؤى، وإلى العلاقةِ بين الأجيالِ والأصدقاءِ والمصائرِ.

لكن ما يهمُّني في هذه القراءةِ أن أتجاوزَ تحديدَ أشكالِ التشابهِ إلى البحثِ في وظيفتِه داخلَ الروايةِ: لماذا يحتاجُ الإنسانُ إلى شبيهٍ؟ ولماذا يبدو العثورُ على هذا الشبيهِ نوعًا من المصالحةِ مع الذات؟ِ

العنوانُ… عتبةٌ تُخفي أكثرَ ممّا تُعلنُ.

اختارَ الروائي" أحمد طايل" عنوانًا جمعيًّا: «المتشابهون»، لا «المتشابه»، ولا «شبيه»، وكأنَّ الجمعَ هنا مقصودٌ لذاتِه.

إنّه لا يشيرُ إلى شخصٍ واحدٍ يشبهُ شخصًا آخرَ، بل إلى شبكةٍ من العلاقاتِ الإنسانيةِ التي تتجاورُ فيها صورُ التشابهِ.

ويأتي المثلُ الشعبيُّ «يخلق من الشبه أربعين» بوصفِه عتبةً تمهّدُ للموضوعِ، غير أنَّ الروايةَ لا تلبثُ أن تنقلَ المثلَ من دلالتِه المظهريةِ إلى دلالةٍ أعمقَ. فالتشابهُ، كما تكشفُه حركةُ الشخصياتِ، ليس في الملامحِ وحدِها، وإنّما في طرائقِ التفكيرِ، وفي المواقفِ، وفي القيمِ، وفي القدرةِ على قراءةِ الحياةِ من زاويةٍ متقاربةٍ.

وهنا تظهرُ المفارقةُ:

قد لا يتشابهُ شخصان في شيءٍ ممّا تراه العينُ، بينما يكونُ بينهما من التشابهِ ما تعجزُ العينُ عن رؤيتِه.

وهذا هو التشابهُ الذي تراهنُ عليه الروايةُ.

التشابهُ بوصفِه قيمةً لا صفةً:

من أهمِّ ما يمكنُ التقاطُه في الروايةِ أنَّ التشابهَ يتحوّلُ من صفةٍ بشريةٍ إلى قيمةٍ أخلاقيّةٍ.

فالروايةُ تستعيدُ نموذجًا اجتماعيًّا يرى في الأسرةِ امتدادًا للإنسانِ، وفي الصداقةِ رابطةً تتجاوزُ الزمنَ، وفي مساعدةِ الآخرِ مسؤوليةً لا مِنّةً، وفي الوفاءِ قيمةً لا تُسقطُ بتغيّرِ الظروفِ.

ومن هنا يصبحُ" رضوان" أكثرَ من شخصيّةٍ رئيسةٍ؛ إنّه يمثّلُ في كثيرٍ من المواقفِ نموذجًا لما ينبغي أن يكونَ عليه الإنسانُ حين يُختبرُ أخلاقيًّا.

ففي أزمةِ "ثريا"، لا يقفُ أمامَ المشكلةِ باعتبارِها شأنًا عائليًّا يخصُّ غيرَه، بل يدخلُ إلى قلبِها، ويسعى إلى إثباتِ الحقيقةِ، ويستعينُ بالطبِّ والقانونِ، ثمَّ يتجاوزُ الحلَّ الآنيَ إلى التفكيرِ في مستقبلِها وقد تناولتِ الدراساتُ السابقةُ هذا المسارَ كونُه من أبرزِ تجلياتِ النموذجِ الأخلاقي الذي تقترحُه الروايةُ.

وهنا تكمنُ دلالةٌ مهمةٌ:

التشابهُ الذي تريدُه الروايةُ ليس أن يشبهَ الناسُ بعضُهم بعضًا في الكلامِ، بل أن يتشابهوا في المواقفِ حينَ يحتاجُهم الآخرون.

رضوان… من بطلِ الحكايةِ إلى معيارها الأخلاقي:

تُكتسبُ شخصيةُ "رضوان "أهميتَها من كونِها لا تُبنى عبرَ حدثٍ واحدٍ، وإنّما عبرَ تراكمِ المواقفِ.

إنَّ الشخصيةَ الروائيةَ لا تُختبرُ بما تقولُه عن نفسِها، بل بما تفعلُه حينَ توضعُ أمامَ امتحانٍ.

وفي هذا المعنى يصبحُ "رضوان" أشبهَ بمرآةٍ تكشفُ الشخصياتِ الأخرى: فمَنْ يقتربُ من قيمِه يقتربُ من النموذجِ الإنسانيّ الذي تقترحُه الروايةُ، ومَنْ يبتعدُ عنها يكشفُ مقدارَ التحوّلِ الذي أصابَ المجتمعَ.

لكنَّ قراءةَ" رضوان" بهذه الطريقةِ لا تعني اختزالَه في شخصيّةٍ «مثاليةٍ» بلا ظلالٍ؛ فالأهمُّ هو أنَّ الكاتبَ يستخدمُه لطرحِ سؤالٍ أوسعَ:

هل يمكنُ للقيمِ القديمةِ أن تظلَّ فاعلةً في مجتمعٍ تغيّرتْ شروطُه؟

والروايةُ تجيبُ بالفعلِ قبلَ القولِ: نعم، إذا تحولتِ القيمُ من موروثٍ محفوظٍ إلى سلوكٍ حيٍّ .

ثريا… حينَ  يصبحُ المجتمعُ محكمةً:

تُفتحُ حكايةُ "ثريا"واحدةً من أكثرِ المناطقِ حساسيةً في الروايةِ ؛ لأنّها تنقلُنا من فضاءِ الأسرةِ إلى فضاءِ المجتمعِ، ومن الخاصِّ إلى العامِّ.

إنَّ أزمةَ ليلةِ الزواجِ لا تكشفُ مشكلةً شخصيّةً فحسبُ، بل تكشفُ سلطةَ النظرةِ الاجتماعيةِ، وخطورةَ  الحكمِ قبلَ التحقّقِ، وكيفَ يمكنُ للشائعةِ أنْ تهدّدَ كرامةَ إنسانٍ كاملٍ.

وهنا يتّخذُ موقفُ رضوانَ بعدًا يتجاوزُ مساعدةَ فردٍ من العائلةِ؛ فهو مواجهةٌ لمنطقٍ اجتماعيٍّ يستطيعُ أن يحوّلَ الضحيةَ إلى متهمةٍ.

وما يلفتُ النظرُ أنَّ الروايةَ لا تنهي مسارَ" ثريا" عندَ إنقاذِها من الأزمةِ، بل تواصلُ منحَها إمكانيةَ بناءِ مستقبلِها. وهكذا تنتقلُ الشخصيةُ من الانكسارِ إلى استعادةِ القدرةِ على اختيارِ الحياةِ.

وهذا مهمٌّ فنيًّا؛ لأنَّ الروايةَ لا تجعلُ المرأةَ مجرّدَ موضوع ٍللحمايةِ، بل تجعلُ خلاصَها بدايةً لمسارٍ جديدٍ.

الذاكرةُ… الشخصيةُ الخفيّةُ في الروايةِ:

إذا كانَ علينا أن نبحثَ عن شخصيّةٍ غيرِ مرئيةٍ في «المتشابهون»، فقد تكونُ الذاكرةُ.

فالاسترجاعُ الزمني ليس مجرّدَ تقنيةٍ لإخبارِ القارئِ بما حدثَ سابقًا؛ إنّه وسيلةٌ تجعلُ الماضيَ حاضرًا في تكوينِ الشخصياتِ. وقد توقفتِ الدراساتُ عند حضورِ الفلاش باك والمفارقاتِ الزمنيةِ بوصفهِما عنصريْن أساسييْنِ في بناءِ الروايةِ.

لكنَّ  الأهمَ أنَّ الماضيَ لا يعودُ هنا لأنّه انتهى، بل لأنّه لم ينتهِ داخلَ الشخصياتِ.

فالسنواتُ قد تفصلُ الأصدقاءَ، والعملُ قد يغيّرُ المساراتِ، والهجرةُ قد تنقلُ الإنسانَ إلى مكانٍ آخرَ، لكنَّ  الذاكرةَ تحتفظُ بخيطٍ لا ينقطعُ.

وهذا يفسّرُ لماذا تبدو العودةُ إلى الماضي في الروايةِ أشبهَ باستعادةِ جزءٍ من الذاتِ.

الزمنُ… لا يمضي، بل يعيدُ ترتيبَ وجوهِه:

الزمنُ في «المتشابهون» ليسَ مجرّدَ خلفيةٍ تتحرّكُ فوقَها الأحداثُ.

إنّه عنصرٌ بنائيٌّ ودلاليٌّ في آنٍ معًا.

فالماضي يتكرّرُ في الحاضرِ، وبعضُ العلاقاتِ تستعيدُ أشكالًا قديمةً، وبعضُ القيمِ تنتقلُ من الآباءِ إلى الأبناءِ، بينما تظهرُ شخصياتٌ جديدةٌ وكأنّها تحملُ أصداءَ شخصياتٍ سبقتْها.

ومن هنا يمكنُ الحديثُ عن زمنٍ دائريٍّ أو ارتداديٍّ؛ لا بمعنى أنَّ الأحداثَ تتكرّرُ حرفيًّا، بل بمعنى أنَّ الإنسانَ يجدُ نفسَه أمامَ أسئلةٍ قديمةٍ في أثوابٍ جديدةٍ.

وهذه واحدةٌ من أكثرِ دلالاتِ العنوانِ عمقًا:

المتشابهون ليسوا الأشخاصَ وحدَهم؛ قد تكونُ الأزمنةُ نفسُها متشابهةً في أسئلتِها.

حين يبحثُ الإنسانُ عن ذاتِه في مرآةِ الآخرِ

قراءة في رواية (المتشابهون)  للكاتبِ أحمد  طايل.

الأصدقاءُ الأربعةُ… اختلافُ الطرقِ ووحدةُ الروحِ:

من أبرزِ صورِ التشابهِ في الروايةِ مجموعةُ الأصدقاءِ: رضوان، وحسين، ولوكا، وعبد الله.

والمفارقةُ أنَّ الحياةَ لا تسيرُ بهم في الطريقِ نفسِه؛ تتباعدُ أعمالُهم، وتجاربُهم، وأمكنتُهم، وتختلفُ أصولُهم وخلفياتُهم، ومع ذلك يبقى بينهم ما يعيدُ وصلَهم.

وهنا تتحوّلُ الصداقةُ إلى اختبارٍ حقيقيٍّ لفكرةِ التشابهِ.

فالصديقُ الحقيقيُّ ليس من يطابقُكَ، بل من يفهمُكَ رغمَ اختلافِه عنكَ.

ولهذا يصبحُ وجودُ لوكا، المختلفُ في خلفيتِه ولغتِه، ذا دلالةٍ خاصةٍ؛ فالروايةُ لا تجعلُ الاختلافَ الثقافيَّ حاجزًا أمامَ التشابهِ الإنساني. وقد أشارتِ القراءةُ الحديثةُ إلى حضورِ التعدّدِ اللّغوي والثقافي في شخصيِةِ لوكا، وما يحملُه ذلك من أبعادٍ مرتبطةٍ بالهويةِ والانتماءِ.

وهنا تبلغُ الروايةُ إحدى رسائلِها الأكثرِ إنسانيةً:

يمكنُ للإنسانِ أن يختلفَ عنكَ في اللغةِ، والوطنِ، والتاريخِ، لكنّه يشبهُكَ في حاجتِه إلى المحبةِ والوفاءِ والانتماءِ.

لوكا… الآخرُ الذي لا يبقى آخرًا

لوكا من الشخصياتِ التي توسّعُ أفقَ الروايةِ من المحلي إلى الإنساني.

وجودُه لا يؤدي وظيفةً تزيينيّةً، بل يختبرُ مفهومَ التشابهِ نفسِه.

فإذا كانَ التشابهُ قائمًا على وحدةِ الأصلِ فقط، فلن يستطيعَ لوكا أن يدخلَ في هذا النسيجِ. أمّا إذا كانَ قائمًا على الروحِ والفكرِ والذاكرةِ والقيمِ، فإنَّ  الحدودَ تضيقُ أمامَه.

وهنا يصبحُ «الآخرُ» مرآةً للذاتِ.

فالذاتُ لا تعرفُ نفسَها في العزلةِ؛ إنّها تحتاجُ إلى اختلافِ الآخرِ لكي تكتشفَ ما يجمعُها به.

المكانُ… حينَ يصبحُ البيتُ ذاكرةً:

المكانُ في الروايةِ ليس إطارًا محايدًا.

البيتُ، والقريةُ، والإسكندريةُ، والأمكنةُ التي غادرَها أصحابُها، كلُّها تتحوّلُ إلى أوعيةٍ للذاكرةِ.

وهذا ما يجعلُ العودةَ إلى المكانِ عودةً إلى زمنٍ كاملٍ.

فحين يعودُ الإنسانُ إلى بيتٍ قديمٍ، لا يرى الجدرانَ وحدَها؛ يرى من كانَه ذاتَ يومٍ.

ومن هنا يمكنُ قراءةُ المكانِ في الروايةِ بوصفِه مرآةً ثانيةً بعدَ الإنسانِ.

المرآةُ الأولى هي الآخرُ، والمرآةُ الثانيةُ هي المكانُ.

كلاهما يقولُ للإنسانِ:

تذكّرْ مَنْ كنتَ.

بين القريةِ والمدينةِ… تحولاتُ القيمِ:

تستثمرُ الروايةُ المقارنةَ بين أنماطٍ اجتماعيةٍ مختلفةٍ لرصدِ التحوّلِ الذي أصابَ منظومةَ القيمِ.

ولا يبدو موقفَ الكاتبِ مجرّدَ حنينٍ رومانسيٍّ إلى الماضي؛ فالمسألةُ أكثرُ تعقيدًا.

إنَّه يستعيدُ من الماضي قيمًا يرى أنّها تستحقُّ الإنقاذَ: التكافلَ، والنجدةَ ، وصلةَ الرحم، والوفاءَ، والشعورَ بالمسؤوليةِ تجاهَ الآخرِ.

لكنَّ  الروايةَ، في المقابلِ، لا تدعو إلى إلغاءِ الحاضرِ أو رفضِ التغيّرِ.

وهنا تكمنُ قراءتي الخاصةُ للنصِّ:

المطلوبُ ليس العودةَ إلى الماضي، بل إنقاذَ ما كانَ جميلًا فيه من الموتِ.

البنيةُ السرديةُ… حينَ تتكاملُ الحكاياتُ:

الروايةُ، وفقَ ما تكشفُه الدراساتُ، تتوزّعُ على أربعةَ عشرَ فصلًا، وتستخدمُ الحوارَ والوصفَ والمونولوج والاسترجاعَ، مع عنايةٍ بالتفاصيلِ الاجتماعيةِ والعائليةِ.

وهذا التنوّعُ يمنحُ النصَّ تعدّدًا في منافذِ الدخولِ إلى الشخصياتِ.

غير أنَّ هذا البناءَ قد يؤدّي أحيانًا إلى إبطاءِ الحركةِ السرديةِ حين يطولّ الوصفُ أو تتّسعُ مساحةُ التفسيرِ المباشرِ.

وهذه ملاحظةٌ لا تنتقصُ من قيمةِ التجربةِ؛ بل تكشفُ طبيعتَها:  فالأديبُ والروائي  "أحمد طايل"يكتبُ روايةً تريدُ أن تحكيَ وتفكرَ في الوقتِ نفسِه.

وفي بعضِ المواضعِ، يبدو الفكرُ حاضرًا بوضوحٍ أكبرَ من الحدثِ، وكأنَّ  الكاتبَ يريدُ أن يضمنَ وصولَ رسالتِه إلى القارئِ.

وهذا قد يثري الروايةَ من جهةٍ، لكنّه كانَ يمكنُ في مواضعَ محدودةٍ أن يُتركَ للقارئِ ليستنتِجَه من الفعلِ الروائي بدلَ التصريحِ به.

اللّغةُ… واقعيةٌ تحملُ ذاكرةَ المكانِ:

تقومُ لغةُ الروايةِ على واقعيةٍ سرديّةٍ واضحةٍ، وقد لاحظتِ الدراساتُ فيها اعتمادًا على لغةٍ مرآويّةٍ للواقعِ، قادرةٍ على نقلِ الكينونةِ الاجتماعيةِ وتصويرِ تفاصيلِها.

غيرَ أنَّ قيمةَ هذه اللغةِ لا تكمنُ في واقعيتِها فقط، بل في قدرتِها على إعادةِ تشكيلِ الواقعِ سرديًّا.

فالعادةُ الاجتماعيةُ لا تأتي باعتبارِها معلومةً، بل تدخلُ في بناءِ الشخصيةِ.

والحوارُ لا ينقلُ الكلامَ فقط، بل يكشفُ موقعَ المتكلّمِ من القيمِ ومن الآخرين.

وهكذا يصبحُ الأسلوبُ جزءًا من الرؤيةِ لا مجرّدَ وعاءٍ لها.

الأنساقُ الثقافيةُ المضمرةُ:

تحتَ سطحِ الحكايةِ، تتحرّكُ مجموعةٌ من الأنساقِ الثقافيةِ:

نسقُ الأسرةِ، ونسقُ الصداقةِ، ونسقُ الفروسيةِ الأخلاقيّةِ، ونسقُ الوفاءِ، ونسقُ الذاكرةِ، ونسقُ الهويةِ.

وتتجاورُ هذه الأنساقُ مع سؤالِ الحداثةِ.

فالمشكلةُ في الروايةِ ليستْ أنَّ الماضيَ جميلٌ والحاضرَ قبيحٌ؛ هذه قراءةٌ تبسيطيّةٌ.

المشكلةُ الأعمقُ هي:

ماذا يحدثُ للإنسانِ حين يتغيّرُ العالمُ أسرعَ من قدرتِه على حمايةِ منظومتِه الداخليةِ؟

وهنا تصبحُ الروايةُ دفاعًا عن الجوهرِ، لا عن الشكلِ.

التاريخي والإبداعي… أين تنتهي الذاكرةُ ويبدأُ التخييلُ؟:

من الملاحظاتِ المهمةِ التي أثارتْها الدراساتُ حولَ الروايةِ تداخلُ الواقعي والمتخيّلِ، والحقيقي والمصوغِ فنيًّا، بحيثُ يبدو النصُّ مستندًا إلى ذاكرةٍ وتجربةٍ وموروثٍ اجتماعيٍّ، لكنَّه يعيدُ تشكيلَها داخلَ عالمٍ روائيٍّ.

وهذه المنطقةُ هي التي تمنحُ الروايةَ مشروعيتَها الفنيةَ.

فالروائي لا ينسخُ الواقعَ؛ إنّه يعيدُ اختراعَه كي يكشفَ حقيقتَه.

وقد يكونُ بعضُ ما يبدو تفصيلًا واقعيًّا في الروايةِ هو في الحقيقةِ أداةُ لبناءِ معنى أوسعَ.

وهنا تتجلّى قدرةُ السردِ على تحويلِ الخاصِّ إلى عامٍ.

ملاحظةٌ نقديّةٌ لا بدَّ منها:

قوّةُ «المتشابهون» الأساسيةُ أنّها روايةُ فكرةٍ دون أن تتخلّى عن الحكايةِ.

لكن هذه القوةُ نفسُها قد تصبحُ في بعضِ المواضعِ مصدرًا لشيءٍ من المباشرةِ؛ إذ يتقدّمُ صوتُ الكاتبِ أحيانًا لشرحِ القيّمةِ أو تثبيتِ الدلالةِ بدلَ تركِ الحدثِ والشخصيةِ يتكفّلانِ بذلك.

كما أنَّ كثرةَ الاستطرادِ في بعضِ المقاطعِ الوصفيةِ والحواريةِ يمكنُ أن تخفّفَ من سرعةِ الإيقاعِ السردي.

غير أنَّ ذلك لا يلغي تماسكَ المشروعِ؛ بل يوضّحُ طبيعةَ الروايةِ التي اختارَ الأديبُ"أحمد طايل" أن يكتبَها: روايةٌ اجتماعيةٌ تأمليّةٌ، تنظرُ إلى الحكايةِ بوصفِها وسيلةً للتفكيرِ في الإنسانِ والمجتمعِ.

وهنا أرى أنَّ النقدَ الحقيقيَّ للروايةِ لا ينبغي أن يقيسَها فقط بمقاييسِ الروايةِ المشدودةِ إلى الحدثِ والتشويقِ، بل أن يضعَ في اعتبارِه مشروعَها القيمي والفكري.

الخاتمةُ: حين لا تكونُ المرآةُ من زجاجٍ:

في نهايةِ «المتشابهون» نكتشفُ أنَّ العنوانَ كانَ أوسعَ من أن يدلَّ  على مجموعةٍ من الأشخاصِ.

لقد كانَ سؤالًا عن الإنسانِ نفسِه.

فالإنسانُ لا يبحثُ عن شبيهٍ له لأنَّ  التشابهَ يمنحُه الأمانَ فقط، بل لأنَّه يمنحُه إمكانيةَ أن يرى ذاتَه من الخارجِ.

قد يكونُ رضوانُ شبيهًا بمَنْ سبقَه في القيمِ، وقد يكونُ الأصدقاءُ الأربعةُ متشابهين في الأرواحِ رغمَ اختلافِ مساراتِهم، وقد تكونُ ثريا امتدادًا لإنسانيةٍ أرادَ الآخرون أن يسلبوها منها، وقد يكونُ لوكا المختلفُ في الأصلِ واللغةِ أقربَ إلى الآخرين في جوهرِه ممّا يوحي به اختلافُه.

وهنا تنقلبُ دلالةُ العنوانِ:

المتشابهون ليسوا الذين ألغوا اختلافاتِهم، بل الذين اكتشفوا تحتَ اختلافاتِهم ما يستحقُّ أن يجمعَهم.

ولعلَّ أجملَ ما تقولُه الروايةُ، من وراءِ حكاياتِها وشخصياتِها، أنَّ الإنسانَ لا يستطيعُ أن يكتملَ منفردًا؛ فهو يحتاجُ إلى صديقٍ يردُّ إليه ذاكرتَه، وإلى مكانٍ يوقظُ ماضيَه، وإلى موقفٍ أخلاقيٍّ يكشفُ معدنَه، وإلى «آخرٍ» يريه وجهًا من وجوهِ ذاتِه.

لذلك لم تعدِ المرآةُ في هذه القراءةِ قطعةَ زجاجٍ تعكسُ الملامحَ.

المرآةُ إنسانٌ.

وقد يكونُ ذلك الإنسانُ مختلفًا عنّا في كلِّ شيءٍ تقريبًا، ثمَّ نفاجأُ، في لحظةِ صدقٍ، بأنَّ  في أعماقِه شيئًا يشبهُنا.

وهنا يتوهّجُ العنوانُ بمعناه الأخيرِ:

«المتشابهون» هم أولئك الذين لم يتشابهوا في الوجوهِ، بل التقتْ أرواحُهم عندَ المعنى.

ومن هذه الزاويةِ، لا تنتهي الروايةُ بانتهاءِ حكاياتِها، بل تتركُ القارئَ أمامَ سؤالٍ يخصُّه هو:

من هو شبيهُكَ الذي رأيتَ في عينيْهِ ذاتَ يومٍ وجهًا لم تستطعْ أن تراه في مرآتِكَ؟

ربّما هنا تحديدًا ينجحُ الروائيُّ" أحمد طايل" في أن يجعلَ من «المتشابهون» أكثرَ من روايةٍ عن شخصياتِه؛ يجعلُها روايةً عنّا نحن، عن ذاك الجزءِ الخفيّ في كلِّ إنسانٍ الذي لا يكتشفُه إلاَّ حينَ يلتقي بآخرَ يشبهُه في مكانٍ لا تراهُ العينُ، بل تدركُه الروحُ.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٠:١٩ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

البنية الفنية وجماليات الاحتجاج في قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل 

دراسة نقدية في الصورة والرؤية والتناص والمفارقة والإيقاع
قراءات

البنية الفنية وجماليات الاحتجاج في قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل دراسة نقدية في الصورة والرؤية والتناص والمفارقة والإيقاع

البنية الفنية وجماليات الاحتجاج في قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل دراسة نقدية في الصورة والرؤية والتناص والمفارقة والإيقاع بقلم: حسن غريب أحمد ناقد وباحث وشاعر مصري مدخل: من غضب الموقف إلى شعرية التعبير لا تُقرأ قصيدة «في بلاد العرب» للشاعر أحمد الزامل بوصفها هجاءً اجتماعيًّا وسياسيًّا…

· 13 د
سؤال التراث والحداثة:

رؤية المفكر محمد عابد الجابري
قراءات

سؤال التراث والحداثة: رؤية المفكر محمد عابد الجابري

باحثة وأكاديمية | مغربية يعتبر التراث معطى حضاريا، ومقوما من مقومات الهوية العربية – الاسلامية، لهذا دعا المفكر المغربي: "محمد عابد الجابري"، إلى ضرورة التوجه نحو استيعاب تراثنا العربي – الإسلامي، إلى جانب التراث الثقافي الإنساني،بمثل" سعة الأفق وعمق النظر"، الذي تعامل به فلاسفة دار الاسلام مع…

· 3 د
جمال الهنداوي وجماليات التلقي في قصة على باب ردهة الطوارئ

قراءة نقدية في تشكّل المعنى، وأفق الانتظار، والفراغات السردية، وتحولات الوعي الأخلاقي
قراءات

جمال الهنداوي وجماليات التلقي في قصة على باب ردهة الطوارئ قراءة نقدية في تشكّل المعنى، وأفق الانتظار، والفراغات السردية، وتحولات الوعي الأخلاقي

جمال الهنداوي وجماليات التلقي في قصة على باب ردهة الطوارئ قراءة نقدية في تشكّل المعنى، وأفق الانتظار، والفراغات السردية، وتحولات الوعي الأخلاقي إسماعيل نوري الربيعي ليس كل باب في الأدب مدخلًا إلى مكان، فبعض الأبواب عتبات خفية يعبر منها الإنسان إلى المناطق التي لم يكن يعرف أنها موجودة في داخله، وبعض…

· 11 د