لم أكن أبحث عن كتاب في ذلك اليوم. كانت جلسة عمل عادية في المؤسسة مع المدير، وهو في الأصل زميل عمل سابق قبل أن يتولى منصبه. وبينما كنا نتحدث، لفت انتباهي كتاب موضوع فوق مكتبه. لم أكن أعرف عنه شيئًا، لكن عنوانه شدني. كان مكتوبًا عليه أيقظ قواك الخفية، لأنتوني روبنز.
استأذنته في أن آخذه وأتصفحه، فأعطاني إياه. ومنذ ذلك اليوم بقي الكتاب عندي. أعود إلى بعض صفحاته من وقت إلى آخر، وأحيانًا أقرأ الفكرة نفسها فأشعر أنها تقول لي شيئًا مختلفًا عما قالته لي في القراءة السابقة. ربما لأن الإنسان نفسه لا يبقى كما هو.
حتى العنوان يستحق أن نتوقف عنده. أيقظ قواك الخفية. هو يخاطبنا نحن مباشرة. لا يقول انتظر من يكتشفك، ولا ابحث عمن يأتي ليغيرك، بل يضع أمامك فعلًا واضحًا، أيقظ. كأن روبنز يقول للقارئ إن هناك أشياء في داخله لم يمنحها حقها من الاهتمام، وإن البداية يجب أن تكون منه.
وهنا تبدأ قيمة الكتاب في رأيي.
أنتوني روبنز لم يصل إلى هذا المجال من فراغ. بنى خلال سنوات طويلة مسيرة في التدريب والتأليف وريادة الأعمال، وأصبح معروفًا على نطاق واسع في مجال تطوير الأداء الشخصي. وكتاب أيقظ قواك الخفية، الصادر سنة 1991، كان من أبرز أعماله وأكثرها انتشارًا. وهذا النجاح يجعل تجربة روبنز نفسها جديرة بالتوقف عندها، لكن شهرة المؤلف لا تعني أن القارئ مطالب بالموافقة على كل ما يقرأه. الأفضل أن يقرأ ويتأمل، ثم يرى أين تلتقي الأفكار مع تجربته وأين تختلف عنها.
ما يطرحه روبنز قريب من أمور نعيشها كل يوم. عادات تتكرر حتى تصبح جزءًا من حياتنا، قرارات نؤجلها، أفكار نصدقها عن أنفسنا، أهداف نضعها ثم نتركها، وطرق في التعامل مع المشكلات نكررها رغم أنها لا تقودنا دائمًا إلى النتيجة التي نريدها.
ومن هنا تأتي الأمثلة التي يستعين بها.
مع إيفان بافلوف تظهر فكرة أثر التكرار والتعويد في السلوك. وعندما ننقل هذه الفكرة من التجربة العلمية إلى حياتنا، نجد أن بعض العادات التي تحكم يومنا لم نخترها في لحظة واضحة، وإنما تكررت حتى أصبحت مألوفة.
ومع سويشيرو هوندا تظهر فكرة أخرى لفتتني، وهي أن فشل الطريقة لا يعني بالضرورة فشل الهدف. قد يحتاج الإنسان إلى تغيير الوسيلة، لا إلى التخلي عن الغاية.
وهذه الفكرة أعادتني إلى تجربة عشتها في عملي.
عندما كنت رئيسًا لمصلحة تقنية في إقامة جامعية، كنت أعرف ظروف العمال، وأعرف محدودية أجورهم وحاجة بعضهم إلى عمل إضافي. وكنت أرى كذلك أن بعض القواعد المتعلقة بساعات العمل كانت، في حالات كثيرة، مجحفة وغير منطقية، لأنها لا تأخذ بعين الاعتبار ظروف العامل ولا طبيعة الخدمة.
اتخذت وقتها قرارًا جريئًا. عندما تسمح ظروف الخدمة، كنت أسمح للعامل بالمغادرة قبل نهاية الوقت الرسمي، لكن مقابل مهمة واضحة ومحددة، على أن تكون منجزة كما ينبغي.

كنت أعرف أنني أتجاوز الإطار القانوني، وتحملت مسؤولية قراري. والنتيجة التي رأيتها أمامي أن العمال أصبحوا أكثر حرصًا على مهامهم، وتحسن أداؤهم بشكل واضح، وأصبحت الخدمات أكثر دقة وتنظيمًا، وقلت المشكلات. حتى المدير لاحظ هذا التحسن.
لا أذكر هذه الواقعة لأقول إن مخالفة القانون هي الحل، ولا يمكن تحويل تجربة شخصية إلى قاعدة عامة. أذكرها لأنها جعلتني أفهم بصورة عملية فكرة قريبة مما يناقشه روبنز، وهي أن الإنسان قد يحتاج أحيانًا إلى مراجعة الطريقة التي يعمل بها للوصول إلى النتيجة التي يريدها.
وفي الرياضة، يستفيد روبنز من تجربة بات رايلي، المدرب المعروف في تاريخ كرة السلة الأمريكية، للحديث عن أهمية الأدوار والعمل الجماعي. فالنتيجة لا تعتمد على شخص واحد يريد أن يقوم بكل شيء، وإنما على مجموعة يعرف أفرادها ما عليهم القيام به.
أما إيدي روبرتس، فتقوده قصته إلى الحديث عن الظروف الصعبة وعدم السماح للعائق بأن يصبح هو الصورة الكاملة للإنسان.
هذه الأمثلة مختلفة، وهذا ما أعجبني فيها. ليست قصة واحدة يعاد تقديمها بأشكال مختلفة، بل تجارب من مجالات متعددة، وكل تجربة تفتح أمام القارئ فكرة ثم تعيده إلى حياته.
وهنا أعتقد أن أهمية كتاب أيقظ قواك الخفية تظهر بوضوح. روبنز لا يريد من القارئ أن ينظر إلى حياة الآخرين بإعجاب ثم يغلق الكتاب. هو يدفعه إلى أن يسأل عن نفسه، عن عاداته، وعن قراراته، وعن الأهداف التي تركها في الطريق، وعن بعض الأفكار التي أصبح يؤمن بها عن نفسه دون أن يتوقف ليعرف من أين جاءت.
حتى الكاتب يمكن أن يجد نفسه في هذه الأسئلة. فالكتابة تحتاج إلى الاستمرار والمراجعة، وأحيانًا إلى الاعتراف بأن النص الذي كتبته اليوم يمكن أن تراه غدًا بعين مختلفة. وقد يمر الكاتب بفترة لا يجد فيها تشجيعًا، لكنه يواصل لأنه يعرف أن الحكم على تجربته لا يمكن أن يكون من موقف واحد.
لهذا لا أرى كتاب أيقظ قواك الخفية كتابًا يُقرأ مرة واحدة ثم يوضع على الرف. بعض الكتب تنتهي عندما تنتهي صفحاتها، أما هذا الكتاب فيمكن أن تعود إليه بعد فترة، فتجد أن تجربة مررت بها جعلت فقرة قديمة تبدو لك مختلفة.
ولهذا أنصح بقراءته لمن لم يقرأه. ليس بحثًا عن وصفة سريعة للنجاح، ولا انتظارًا لأن يقوم الكتاب بما يجب أن يقوم به الإنسان بنفسه، وإنما بحثًا عن أفكار تساعده على مراجعة بعض ما اعتاد عليه، وربما اكتشاف جانب في نفسه لم يمنحه فرصة كافية.
وأنا ما زلت أحتفظ بالكتاب الذي أخذته من فوق مكتب المدير في ذلك اليوم.
لم أكن أبحث عنه، ولم أذهب إليه بقصد القراءة. رأيته أمامي، استأذنت صاحبه، وأخذته.
ومنذ ذلك الوقت، كلما عدت إلى بعض صفحاته، أتذكر أن عنوانه كان يخاطبني منذ البداية.
أيقظ قواك الخفية.
وربما لهذا السبب بقي كتاب أنتوني روبنز معي كل هذه السنوات. ومن لم يقرأه بعد، أراه كتابًا يستحق أن يمنحه وقتًا حقيقيًا، لا ليبحث فيه عن إجابة جاهزة، بل ليرى ماذا يمكن أن يكتشف عن نفسه بين صفحاته.







التعليقات