أهداني قبل ثلاث سنوات صديقي الكاتب المبدع اللامع علي جبار عطية كتابه الموسوم ( بالحبر الابيض ـ سيرة صحفية ) .
واختفى بين الكتب وبحثت عنه كثيرًا ، فلم يظهر امامي ما جعلني أنساه .
وقبل أيام عثرت عليه في إحدى زوايا البيت مع بضعة كتب اخرى. .
وهو كتابه الأول ، تحدث فيه عن مسيرته الصحفية التي بدأت من الثمانينيات كهاوٍ يمتللك أسلوبًا خاصًا ورؤيةً وأفكارًا تجعل منه مقتدرًا بكتابة الموضوع الصحفي والمقال ، وركز بكتاباته الأولى على الجانب الساخر ، وتميز به ، حتى أصبح له جمهور يتابعه حين كان ينشر مقالاته وعموده الساخر بجريدة (العراق) التي عملنا بها سويةً في عقد التسعينيات .
وأتيح لي خلال مزاملته بهذه الجريدة وغيرها أن اكتشف عنده قدرات وإبداعًا بالكتابة .
وكان يتعامل بذكاء مع المرحلة التي كانت البلاد تمر بها ، فلم يلجأ الى الكتابات الواسعة رغم إمكانياته وقدراته فيها .
بل اكتفى بالعمود الساخر ، ومع خطورة هذا اللون الكتابي في ظل الدكتاتورية لأنَّه أحيانًا يفسر بأنَّه سخرية مبطنة من السلطة ، فهو يعتمد الرمزية ، والانتقاد الخفي من خلال تصوير حالة معينة . ويتستر بالغموض أحيانًا .
غير أنَّ الكاتب الذكي علي جبار عطية اتخذه وسيلة للحماية من السلطة السابقة .
فهو لم يذهب بعيدًا جدًا ، وجعل من عموده شبه منسي ، إذ اتبع تكتيكًا محنكًا وجعله لا يظهر تتابعًا وعلى التوالي .
وكذلك لم يتناول ظواهر وحالات من المجتمع في تلك الحقبة ، بل اعتمد الخيال أكثر فيه .
ولم تخدعه أو تستهويه الشهرة كما خدعت آخرين وتعرضوا إلى الأذى بعدها .
" وبعضهم أسماء معروفة ومشهورة " .

لكنَّه أظهر تلك القدرات والإمكانات بعد تغيير السلطة وسقوطها عام ٢٠٠٣ .
حيث ألغيت جريدة العراق وصحف ذلك العهد القاسي جميعها .وحلت جريدة (التآخي) محلها ، كجريدة تعد صوتًا للكرد في العراق . ونقل ملاك جريدة العراق فيها ومن بينهم الكاتب علي جبار عطية إليها .
وعندها أطلق لقدراته العنان فيها ، وأفصح عن امكاناته الحقيقية بالكتابة المتنوعة ، وتولى مسؤولية صفحات عدة .
ثمَّ ولكونه أصبح موظفًا بوزارة الثقافة بعد التغيير ، صار عضوًا بهيئة تحرير جريدتها " الاتجاه الثقافي " ، وتولى رئاسة تحريرها بعد تغيير اسمها إلى " أوروك" ومازال . مما أتيح له أن يكتب فيها بتوسع وإبداع وتألق .ولم يكتف بها ، بل أخذ يكتب موضوعات صحفية ومقالات ولقاءات بصحف عربية ، فضلًا عن أبحاث أدبية في مجلة (المأمون) .
وفي كتابه هذا الذي ربت صفحاته على ثلاث مئة صفحة ، أسهب بالحديث عن تجربته في الصحافة العراقية بكتابات نشرها بالإنترنت، وجمعها مع بعض التعليقات المختارة عنها وتصديرها بهذا الكتاب الثري ، الذي احتوى عنصر التشويق ، وامتاز بسعة وشمولية تناولاته .
علاوة عن كونها حكايات مستمدة من التجربة والمزاولة الواعية التي غدت بمستوى احترافي عال .
وقد منح بعض تعليقاتي على مواضيعه بكتابه هذا ، الاهتمام والتقدير وأنزل أغلبها .
ويقول الكاتب في مقدمة كتابه : (شجعني شقيقي في الدم ، ورحلة الألم الشاعر والأديب عبد الرزاق الربيعي على نشر هذا الكتاب على حلقات على مواقع التواصل الاجتماعي قبل طبعه ورقيًا بعد أن طال الوقت لظهوره بوجوده الفيزيائي ، أما زهدًا بالنشر وأما لقلة الحيلة على الأرجح؛ لأنَّ الكاتب في العراق مهما بلغ مستواه وبراعته لا يمكن له أن يأخذ حظه من الانتشار من غير أن يكون منتميًا بشكل ، أو بآخر إلى جهة ما ، أو تكون له علاقات من نوع خاص مع شخصيات معينة في دور نشر تكفيه مؤونة النشر ، والتوزيع ، وبخلاف ذلك يكون حاله كحال من يحرث في البحر إذا كان يعيش قرب بحر لا قرب ساقية !! .
وأقنعني " أي شقيقه " بأنَّ جمهور التواصل أوسع من جمهور الكتاب الورقي فضلًا عن تلقي الكاتب ردود فعل إيجابية وسلبية تتعذر عليه معرفتها لو طرح كتابه ورقيًا فيعرف رأسه من رجليه !) .
وذكر في المقدمة أيضًا : (إنَّ القارئ قد تأخذه الدهشة لذكر بعض التفاصيل في هذه الذكريات ، ويستبعد حصول بعضها ، لكن هذا ما حصل بالفعل .
فأنا منذ أكثر من أربعين سنة شغفت بتدوين يومياتي آملًا أن تظهر في يومٍ ما للناس ، وحصلت بعض الحوادث الساخنة في الوضع العام والوضع الخاص ، كالحروب والحصارات ، والجو الأمني المرعب ، ولقائي ببعض الشخصيات الثقافية والمعرفية والاجتماعية التي أثرت في تكوين شخصيتي تأثيرًا بالغًا ، ولكن ماذا نفعل والأمر كما قال الشاعر :
يفارقني من لا أطيق فراقه
ويصحبني في الناس من لا أريده !)
ويقول في مكان آخر :
(أما لمن أوجه هذه الذكريات ؟ . فالجواب هو للقارئ المحب لمعرفة هذا العالم العجيب عالم الصحافة، وكذلك للقارئ المتخصص في الإعلام لعله يطلع على بعض واقع الصحافة الورقية قبل استسلامها ، علاوةً عن توجه الكتاب إلى مَنْ عاش هذه الحقبة المظلمة التي لا تخلو من بعض الضوء في بعض الأحيان ، ومنهم من عايش كاتب السطور ويحب أن يرى أين مكانه من الإعراب !!) .
إنَّ ما تميزت به هذه الذكريات للزميل علي ، هو انتقاؤه لحالات مرت به غدت حكايات مشوقة من جانب، وإشارات مهمة عكست الواقع الصحفي بكل علله وسلبياته وإيجابياته من جانب آخر ، وما مر به في حياته من حوادث ومفارقات وصور مزعجة شكلت له مثابات انطلاق جديدة واثقة .
إنَّ الصديق العزيز علي مؤلف هذا الكتاب قبل أن يصبح زميلًا بالمهنة ، بنى شخصيته بمهارة ومثابرة وداب ، وغدا قلمًا محترفًا ، وكاتبًا مبدعًا ذا منزلة طيبة عند القراء والمتابعين .







التعليقات