انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

هوية المخيال مخيال الهوية

د.حيدر عبد الأمير
د.حيدر عبد الأمير

باحث وأكاديمي عراقي

4 دقائق للقراءة
8 مشاهدة
هوية المخيال مخيال الهوية
مشاركة:

‏يعد فعّل التخيل من أسرار العمليات العقلية إذا إن تكوّن الصورة المُتخيَلة وفعلها في الواقع الخارجي يوجب إيجاد مفاتيح للتشكّلات الصورية أبتداءً من القوة إلى الفعل ، وما الفعلُ إلا صورة رمزية لمصداق التخيل الذي شكّله الصانع بغية إيراد مجسات صورية للمتلقي تنفتح لآفاقٍ متعددة ، لكن مشيئة الفعل الصوري تضعنا أمام ملامح موحدة تشير إلى أسلوبٍ قائمٍ ومتشكلٍ بطرقٍ أدائية قد تختلف بإختلاف الموضوع ولكن ذاتها التي تجسد أسلوب الفاعل للصورة ، هكذا تمكن ( ضياء حسن ) من أضفاء صورته المُتخيلة كأسلوب في ذهن المُتلقي ، ولكن في الواقع أن طبيعة التعامل مع الفضاء التشكيلي بآلية أسلوبية منفتحة فيها من الصعوبة بشيء ... كون المرونة في تعدد الفكرة وبأسلوب وشخصية محدده سابقاً تحتاج إلى سعة من المعرفة والدقة في تناول المفردات وتشكلاتها بطرقٍ جديدة الأمر الذي يشير إلى أن المخيال الفني للفنان لديه القدرة على إطالة وإستمرارية تناول السلوك الفني الخاص به ، وهذا مايفشل عنه آخرون قد يتجاوز بهم الزمن وليس في الأفق شيءٌ يذكر سوىٰ ماقد جرىٰ عليه الزمان نفسه إلا إن التجربة التي يخوضها (ضياء حسن) تضع المتلقي والمتتبع لفروضه الفنية في دهشة إتجاه بناء الصورة وإملاء العدم بما يُشكل صيرورة صورية مُستمرة سواء أكانت مُعالِجة لنظامٍ معين أم إنها محض جمال ... وكلاهُما واردٌ لديه ، وفي كلا الحالتين النتيجة واحدة ، صورةٌ رمزية تحتاج إلى وقفة وتأمل وسياحة في عالم تكوّن الصورة وبناءها وعلاقاتها التي تُفضي بإستمرار زمن وجود المادة إذ إن الفنان يحاول تجسيد الفكرة بما يشبه المادة وهي تلك الأشكال الهندسية وعلاقاتها المختلفة في وقتٍ توحي به إلى روحية عالية من التجرد عن المادة ، فالمادة لديه صورة لتشكل الرمز المجرد من أشكال وتكوينات خاصة قد لاتوجد في الواقع الخارجي وهذا هو أحد مصاديق تلك المخيلة التي قد تختلف في مسار بناء الصورة والتكوين الفني

هوية المخيال مخيال الهوية

... وليس هذا من مقتضيات البديهة لبناء الصورة ، وإنما هي معالجة قد يكون فيها نوعُ تلقائية ولكنها مدروسة طبقاً لآليات تجعل الصورة الفنية في مسار التجانسي والإنسجام ، إضافةً إلى الدراسة المُسبقّة بالفكرة وتنوعها والقدرة علىٰ إبقائها أثناء الأداء الفني الذي قد يجر الفنان إلىٰ مالم يفكر فيه قبل الأداء ، وهذا مايحدث كثيراً إلا إن القدرة على الإبقاء ولو علىٰ جزئيات الفكرة الأصل من الفوارق بين الفنانين وهوياتهم الفنية وهذا مايحدد إسلوب الفنان وهويته الأمر الذي يجعل ( ضياء حسن ) قادراً على حصر مخيلته الفنية بإتجاه إيضاح هويته ، فهو جاد في جعل الخطوط المنفردة العنصر اللاعب في تكوين فضاءات ضمنية فوق البناء المعماري للأشكال ، فمرة تكون أشكالاً تراكبية وأخرىٰ تحدد الأشكال الأصل ، هذا التلاعب أضفىٰ مرونة وطواعية عالية للمساحات اللونية الهندسية للتنافذ بين السطوح المركبة ... هذه الرؤية جعلت من ذلك الرُكام المجرد من الأشكال ذا روحية حية وكأنها تنمو وتتفاعل وتترقىٰ نحو فضائات متعالية ، ولعل مايؤكد هذه الفكرة هو وجود الخطوط المعترضة والقوسية وكأن ( قوس الصعود ) في أعماله يتشكل بصيغٍ مُختلفة هدفه الوصول  الى فكرة العوالم قبل عالم الدُنيا ، هذا الإلحاح في نمو الثيمة الصورية رُبما يكون ذا منشأ فطري بإعتبارات كثيرة أيسرها تلك المعرفة الحضورية للمفاهيم ، فإن قيل أن ذلك متيسرٌ لأي من الفنانين ، أقول : نعم .. كما أن العقل وأفعاله متيسرٌ لكل البشر إلا أن لكل فردٍ توجهاته وفهمه ، الأمر الذي أمكن تسخيره لإعطاء الطابع المجرد للصورة ، كما إن فهم ذلك والتمكن من قراءة الفكرة المتخيلة كرموز مع مجردات الشكل في اللغة ومصاديقها في الكلمة المرسومة جعلت من هذا الفنان صانعاً لتعالق وظيفي وجمالي بين الأشكال والخطوط والألوان مع مفهوم الكلمة ورسمها ومعناها ، لذلك كان مسار الخط العربي للكلمة حضوره الواضح في تكوين مساحة صورية مقروءة لفظاً ورمزاً هذا التناغم صنع تنافذاً يين المبنىٰ والمعنىٰ إذ المتلقي في تخيلٍ وارد لما تحمله اللوحة من قراءات متعددة تثير اللحظات الجمالية الحرة لديه وبالتالي فإن قراءة مثل هذه الصورة تجعل هوية الصانع أسبق من إسمه فهويتة عين لوحته وإن المخيلة رحم تلك الهوية ...                                        

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٦ أيلول ٢٠٢٦ في ٠١:٢٦ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

مسرحية (الانتظار)

 تعدّد الأصوات وتبدّلات الضحايا وتصاعد الصراع
فنون

قدّمت في مالمو السويدية مسرحية (الانتظار)  تعدّد الأصوات وتبدّلات الضحايا وتصاعد الصراع

1- في غربته، يحمل العراقي حنينه إلى الوطن، ويستعيد ذاكرة الحروب التي أثقلت حياته، فيما يظلّ السلام حلما يراوده، وضوءا يتطلّع إليه بعد سنوات من الخوف والانتظار. هذا ما تفتحه مسرحية "الانتظار"، التي قدّمتها فرقة مؤسّسة النور على أحد مسارح مدينة مالمو السويدية، وهي تناقش حياة إنسانٍ عراقيّ ابتُلي…

· 8 د
فايزة أحمد في الذكرى 43 لرحيلها
فنون

فايزة أحمد في الذكرى 43 لرحيلها

بقلم/ - كاتب ومؤرخ مصري بعد صدور كتابي عن بليغ حمدي في صيف 2018 هممت بتكرار التجربة مع كروان الشرق فايزة أحمد فذهبت إلى رفيق دربها الموسيقار الكبير محمد سلطان في دوحته الأثيرة التي يقطن فيها منذ أن جاء إلى القاهرة من الإسكندرية في مطلع الستينات، وظل يسكن فيها حتى رحيله في نوفمبر 2022، ورحب الرجل…

· 12 د
فن الكاريكاتير: 

حين تخاف السلطة من رسمة على الورق
فنون

فن الكاريكاتير: حين تخاف السلطة من رسمة على الورق

بقلم عبد المجيد عبوبي هناك أشياء كثيرة تستطيع السلطة أن تمنعها: مقالًا، أو كتابًا، أو خطابًا. لكن الصورة الساخرة قد تجد طريقها إلى الناس حتى بعد المنع. الكاريكاتير ليس مجرد فن يضحكنا. إنه فن يضع المجتمع أمام مرآته، ويجعل السياسي يرى نفسه بعيدًا عن لغة الخطب والمجاملات. ولهذا كان الكاريكاتير، منذ…

· 5 د