في فيلم «صرخات وهمسات»، يُظهر المخرج السويدي إنغمار برغمان الديكور بطريقة حلمية، فتبدو الصورة كما لو أنها مرئية في المنام. وهو لا يصوّر المكان بحركة بانورامية، لكنه كان يحرص دائمًا على أن يصوّر كل عنصر منفردًا، لكي يتحول كل عنصر مصوَّر إلى استعارة مفتوحة على تعدد الدلالات. كما وظّف لحظات الصمت، واستثمر صوت عقارب الساعة بطريقة ساحرة في اللحظات الأولى من الفيلم.
لم يكن المونتاج هنا وسيلة عادية أو تقنية لجمع أجزاء الفيلم، ولكن الأهم أنه البنية التي تقوم عليها أسس العمل. وإلى جانب ذلك، يؤلف برغمان الصورة بوصفه شاعرًا ومونتيرًا مبدعًا، ويمكن القول إنه يفعل ذلك بالطريقة نفسها التي يتعامل بها الرسام المبدع مع لوحته. فالسينما، إذن، بالنسبة إليه أداة للتنفيس والمشاركة في الحياة اليومية.
يذكر جاك أومون في كتاب «نظريات السينمائيين»، ويقول: «يرى برغمان الفن انبثاقًا من الفنان، ونوعًا من الحاجة شبه الجسدية؛ فقد كان الإبداع الفني يتجلى له دائمًا كرغبة في الأكل، بحسب قوله. إذن، فالفن وسيلة تجعل المرء مثيرًا لاهتمام الآخرين، وكذلك هو وسيلة يتحدث بها الفنان إلى نفسه وعنها».

كما أنه من المهم أن نشير إلى أن غياب الإيمان هو المعاناة التي دفعت برغمان إلى تجاوز نفسه سينمائيًا، في محاولة لحل هذه المعضلة الدينية. .
وذكر في كتابه «صور»، الصادر عن دار غاليمار في باريس: «لا أمتلك إيمانًا، ولا أنتمي إلى أي جماعة دينية. ولم أشعر قط بالحاجة إلى الله أو الخلاص أو الحياة الأبدية. أنا إله نفسي، وأنا ملائكتي وشياطيني؛ أصنعها بنفسي».
لكنه، كما نرى في فيلم «الختم السابع»، لم يبلور وجهة نظر نهائية مغلقة، وترك للمشاهد حرية اختيار ما يريد الإيمان به.
وأكد ذلك في الكتاب الذي أشرنا إليه بقوله: «لأنني لم أكن قد تحررت بعد، في ذلك الوقت، من سطوة الإشكالية الدينية، فقد تجاور في الفيلم رأيان، ونال كل منهما الحق في التعبير عن نفسه بلغته الخاصة. لذلك تسود الفيلم هدنة نسبية بين تقوى طفولية وعقلانية صارمة».
ويقدّم برغمان في هذا الفيلم، على وجه الخصوص، فارسًا يعيش في الشك؛ فهو لا يبحث عن الإيمان، لكنه كان يسعى إلى التحقق من وجود الله.
في المقابل، يقدّم يوف وميا والطفل ممثلين للمقدّس: «ثمة فكرة تقول إن الإنسان مقدّس. يمثّل يوف وميا بالنسبة إليّ شيئًا مهمًا: انزعوا اللاهوت، وسيبقى المقدّس. كما تنطوي صورة الأسرة على طيبة مرحة؛ فالطفل هو الذي سيحقق المعجزة. وبفضله يجب أن تظل الكرة الثامنة التي يقذفها لاعب الخفة معلقة في الهواء، خلال لحظة خاطفة مذهلة، لا تتجاوز جزءًا بالغ الصغر من الثانية. لا شيء في “الختم السابع” يشعر بالضيق». [كتاب «صور»، ص 226]
وإلى جانب برغمان، عالج مخرجون آخرون، مثل بازوليني وكوكتو وبونويل وتاركوفسكي، أعمالهم كما يعالج الرسامون لوحاتهم، ولكن باستخدام التقنيات السينمائية. فقد عملوا كمخرجين تشكيليين، وحوّلوا عناصر الواقع، حتى البسيطة منها، إلى تعبير عن اللامرئي.
لم تكن هذه المعالجات مجرد تصوير أو توضيح، والشيء الذي يجب أن ننتبه إليه هو أنها كانت أعمالًا مفعمة بالحياة والأمل؛ إذ تجاوزت التمثيل لتصبح تشكلًا بصريًا. وهنا نصل إلى أحد الإستنتاجات المهمة جدًا وهو أن السينما الشعرية لا تأتي لكي تنسخ الرسم أو تترجمه كما هو،ولكن تكمن قوتها وسحرها الشعري في كونها تؤسس طريقة للوجود. فالسينما قد تتجاوز الفن التشكيلي وتعيد ابتكار السريالية.







التعليقات