جذور الفن
يعود فن الشارع أو الفن الجرافيتي إلى عشرات الآلاف من السنين، عندما كان الإنسان البدائي يلجأ للرسم على جدران الكهوف للتعبير البدائي وتسجيل حياته اليومية، وتوثيق هويته ومعتقداته الدينية والحياتية. وما كهوف تاسيلي جنوب شرق الجزائر، ولا سكو في فرنسا، وألتاميرا في إسبانيا، ووادي صُور في مصر، ومواقع بيمبيتكا في الهند وغيرها الكثير؛ إلا دليل واضح وملموس على أصالة وقدم فن الشارع أو الجرافيتي، الذي تطور اليوم ليصبح أحد أبرز الفنون الإنسانية التي لها خصوصيتها التاريخية والجماهيرية ودارسها وأساليبها الفنية الخاصة. لقد استطاع فنانو الشارع أو الجرافيتي تحرير هذا الفن من قاعات المتاحف وصرامة القائمين عليها، إلى الشوارع العامة والجدران والأحياء السكنية والأسواق، وجعله متاحاً للجميع.
عبر الحضارات
منذ القدم حافظ فن الجرافيتي على مساره الفني لينتقل بذلك من جدران الكهوف إلى القاعات والمسلات التاريخية؛ سجل من خلاله الملوك إنجازاتهم وانتصاراتهم العسكرية ومعتقداتهم بالآلهة، أو لتوثيق هموم الإنسان العادي وتمرده. وما حضارات وادي الرافدين ووادي النيل وغيرها من الحضارات الإنسانية خير مثال على ذلك؛ فقد حافظ هذا الفن على وجوده لينتقل من مرحلة إلى أخرى ومن مملكة إلى أخرى، فكل ملك يأتي يعكف فنانو عصره على تسجيل حياته وإنجازاته ومعتقداته ورحلته الأخيرة نحو الحياة الأخرى عبر الرسوم والنقوش التي تزين جدران وواجهات المعابد والتماثيل والمسلات التاريخية.
والزائر لإحدى تلك الصروح التاريخية، سواء في مصر أو العراق أو غيرها من البلدان ذات الحضارات القديمة، يلاحظ كمية الرسوم والخطوط الفنية التي تعبر عن فلسفة فناني تلك العصور؛ حيث كان فن الجدران وقته بمثابة شاشة كبرى أو الوسيط الأصْدَق الذي يخاطب الجمهور مباشرة دون وساطة أو شروط متحفية.
الانطلاقة الحديثة
مع نهاية الحرب العالمية الثانية واتساع رقعة إعادة إعمار المدن التي دمرتها الحرب، شهدت تلك المجتمعات تحولات نوعية اجتماعية وسياسية وثقافية جديدة، انعكست مباشرة على فن الجدران (الجرافيتي) لتتعدد الأفكار وتتنوع الأساليب.
فقد فرض الواقع المادي عبر عمليات إعادة الإعمار مساحات جديدة وجدران إسمنتية بيضاء شكلت لوحات جاهزة للفضاء العام وأمام الجمهور، إضافة إلى الواقع النفسي والاجتماعي بعد الحرب الذي جعل من الشارع المنبر الحي والأكثر حيوية ومباشرة يعبر به الفرد عن هويته وأفكاره بعيداً عن ضوابط السلطوية والمؤسساتية.
ولعل البدايات الحديثة والفعلية لفن الشارع جاءت في عقود الستينيات والسبعينيات، حيث انطلق الجرافيتي الحديث في مدن عالمية مختلفة ابتداءً من فِلادلفيا ثم نيويورك في الولايات المتحدة، حيث استخدم الشباب والتجمعات المهمشة طلاء الرذاذ لكتابة التواقيع الشخصية والشعارات على عربات المترو والأنفاق والجدران العامة. وفي عقد الثمانينات شهد فن الشارع ولادة مدارس وحركات فنية لينتقل بذلك من العشوائية إلى التعبير البصري المتقن، ويحصل بعدها على الاعتراف المؤسساتي بعد أن كان فن "تخريب الممتلكات" في نظر القانون إلى حركة فنية معترف بها عالمياً.

جدران ثائرة
كثيراً ما كان فن الشارع سمة عامة تشترك فيها جميع الحركات الاحتجاجية في العالم؛ ابتداءً من الحركة الجدارية في الولايات المتحدة، مروراً بثورة مايو 1968 الطلابية والعمالية في فرنسا، وصولاً إلى حراك الجداريات المناهضة للديكتاتورية في تشيلي عام 1970–1973.
وقد استخدمت حركة الحقوق المدنية والمناهضة لحرب فيتنام في الولايات المتحدة فن الشارع والجرافيتي عبر رسم الجداريات المجتمعية وصور لرموز النضال مثل مالكوم إكس ومارتن لوثر كينغ؛ حيث تحولت الجدران في الأحياء المناهضة للحرب والأحياء الأفرو-أمريكية واللاتينية إلى منصات للمطالبة بالعدالة وإنهاء الحرب سريعاً. ومن أبرز شعاراتها التي خلّدها فن الشارع آنذاك عبر تقنيات الرش والطباعة السريعة: "اصنعوا الحب لا الحرب". وتُعد "جدارية الاحترام" في شيكاغو عام 1967 هي التي أطلقت الجداريات السياسية في الولايات المتحدة.
وتُعتبر ثورة مايو 1968 في فرنسا المولد الحقيقي للجرافيتي السياسي الحديث؛ حيث أنتج الشباب هناك أبرز الشعارات والجداريات، منها: "تحت حجارة الرصف يوجد شاطئ" (في إشارة إلى الحجارة التي كان يقتلعها الطلاب لمواجهة الشرطة)، وعبارة: "اكتب على الجدران.. الجدران لها آذان، وأنت لك صوت". ولم يلبث هذا المد الفني أن انتقل إلى أمريكا اللاتينية؛ حيث تجلى في حراك الجداريات المناهضة للديكتاتورية في تشيلي 1970–1973، لتصبح الجدران هناك الوسيلة الأبرز للمقاومة البصرية والتعبير الشعبي.
ثورة اللون والشارع
لم تكن المدن والعواصم العربية سجينة جدرانها الصامتة حين اندلعت رياح التغيير؛ فقد وجد الجرافيتي وفن الشارع في المحطات الاحتجاجية الكبرى — بدءاً من الحجارة الأولى للانتفاضات الفلسطينية وصولاً إلى صخب ووعي ثورة تشرين العراقية 2019 — مساحتهما الحيوية لفض اشتباك الخوف مع الشارع,
ولم تكن الجدران مجرد واجهات إسمنتية فقط، بل تحولت في القاهرة وتونس، وفي دمشق وصنعاء، وصولاً إلى بيروت وبغداد، إلى منصات نابضة بالهتافات الملونة، ودفاتر عزاء مفتوحة تخلد الضحايا، ومحاكم شعبية ساخرة تضع السلطة تحت طائلة الملاءمة البصرية الجريئة.
وفي غمرة هذا المخاض، بزغت أصوات بصرية لشبان استطاعوا بعبوات الطلاء أن يختزلوا الوجع الجمعي ويصوغوا أمل الغد، ليؤكدوا مجدداً أن الجرافيتي هو مرآة الحركات الاجتماعية الحية، وصوت من لا صوت له الملتصق تماماً بنبض الأرض.
أبرز الفنانين
ولعل أبرز من اختصوا بفن الشارع والجرافيتي وأولوه اهتماماً استثنائياً الفنان البريطاني بانكسي، الذي يُعدّ أكثرهم شهرة وغموضاً؛ حيث طبعت أعماله بنبرة سياسية وإنسانية ساخرة نفذت إلى وجدان الجمهور العالمي . وإلى جانبه، يبرز الأمريكي شيبرد فيري، والفرنسي جيه آر (JR)، والرائد الفرنسي بليك لو تير (Blek le Rat)، إضافة إلى كيث هارينغ الذي اختزل تعبيراته بالخطوط السميكة والأشكال المبسطة على جدران قطارات الأنفاق خلال الثمانينيات، والأمريكي سين (Seen) الذي يُلقّب بعرّاب الجرافيتي الحديث.
ومنذ الاعتراف الدولي والمؤسساتي لفن الشارع، صار هذا الفن محط اهتمام المتاحف والغاليرات الشهيرة حول العالم؛ حيث دأبت بعض المؤسسات على تنظيم معارض فنية خاصة لفن الجرافيتي، وأحياناً عروض في الهواء الطلق لعرض مدارس وخصائص هذا الفن، الذي صار بفضل إرث فناني الحضارات القديمة، وشباب الستينيات والسبعينيات المتمرد، والحركات الاحتجاجية العالمية، واحداً من أشهر الفنون التي تجذب الملايين حتى الآن.







التعليقات