ليست كل المواريث أموالًا أو بيوتًا أو حليًّا محفوظة في الصناديق. هناك ميراث قد لا يُرى، لكنه أشد التصاقًا بالروح؛ فأغنية ترددها أم في المطبخ، أو تهويدة تحفظها ابنة من صوت جدتها، وربما حكاية عن بغداد تُروى في المساء، وكلمات عربية بقيت حيّة داخل بيت ابتعد أصحابه عن العراق منذ عقود. وقد لا ينتبه أحد إلى قيمة هذه التفاصيل ما دامت حاضرة، لكن غياب الأب أو الأم يكشف فجأة أن جزءًا كاملًا من العالم يمكن أن يرحل بصمت.
من هذا الشعور وُلد مشروع «سهرات»، وهو مشروع موسيقي نسائي عراقي عبري يستعيد ذاكرة يهود العراق من داخل البيت ثم بدأ ينقلها إلى خشبة المسرح.
تقدم هذه الفرقة نفسها بصورة شديدة الدفء؛ فهي تشبه مشروعها بهدية أو جهاز عائلي تنتقل به الأم إلى ابنتها عبر الأجيال. ولا يحتوي هذا الجهاز على الأقمشة والحلي، لكنه يضم كنزًا من الأغاني والحكايات والألحان، وعلى نكهات بغداد وروائحها ولهجتها وموسيقاها التي بقيت تعيش في الذاكرة بعد الهجرة.
تكشف هذه الصورة طبيعة المشروع أكثر مما تكشفه أي عبارة دعائية. فـ«سهرات» لا تتعامل مع التراث العراقي باعتباره مادة جامدة ينبغي حفظها في أرشيف، ولا تقدمه كأثرٍ غريب من زمن انتهى. الأغنية لديها شيء يُورث ويُستخدم ويُعاد اكتشافه، مثل قطعة عائلية قديمة تكتسب معنى جديدًا كلما انتقلت إلى يد أخرى. ولهذا لا يبدو المشروع كعودة عاطفية إلى الماضي، هو محاولة لتجديد الصلة به من خلال أصوات نسائية معاصرة.
ولم يُختر اسم «سهرات» اعتباطًا. فالكلمة العربية تستحضر الليالي التي تمتد فيها الأحاديث والأغاني والضحكات حتى وقت متأخر، عندما يجتمع الأقارب والجيران حول الطعام والشاي والموسيقى. وفي الثقافة العراقية لم تكن السهرة مجرد وقت للترفيه، هي فضاءً تنتقل داخله اللهجة والحكاية واللحن والإيقاع من جيل إلى آخر. وتحمل الكلمة أيضًا ظل القمر، ذلك الحاضر الدائم في الأغاني العراقية بوصفه شاهدًا على الحب والانتظار والفراق. أما في العبرية، فيتيح الاسم قراءة لغوية أخرى تنسجم مع الطابع النسائي للمجموعة. وهكذا يصبح الاسم نفسه مساحة صغيرة للقاء بين العربية والعبرية، مثلما تصبح الموسيقى جسرًا بين العراق وإسرائيل.
تقف وراء هذا المشروع الفنانة التشكيلية اليهودية ذات الجذور العراقية إيتي ناعور. لم تبدأ حكايتها من خطة لإقامة فرقة موسيقية، ولكن من خسارة شخصية. بعد رحيل والديها، شعرت أن البيت لم يفقد شخصين فقط، لكنه فقد أصواتًا وعادات وكلمات كانت تمنحه هويته. الأغنيات التي بدت جزءًا عاديًا من طفولتها أصبحت فجأة مهددة بالاختفاء، لأن الذين كانوا يغنونها لم يعودوا موجودين.
أدركت ناعور أن الذاكرة الشفوية لا تضيع دفعة واحدة. إنها تتراجع ببطء؛ تسقط أغنية من التداول، ثم تُنسى كلمة، ثم يفقد الجيل الجديد طريقة النطق والإيقاع، إلى أن يتحول ما كان حيًّا إلى ذكرى مبهمة. ومن هنا بدأت تبحث عن وسيلة تمنح تلك الأصوات حياة جديدة خارج حدود العائلة. لم تكن تريد تسجيل حنين شخصي فقط، بل تحويله إلى عمل فني يمكن أن يلتقي به أبناء العائلات العراقية وغيرهم.
قادها البحث إلى تقليد الفرق النسائية العراقية المعروفة باسم «الدقّاقات». وكانت هذه المجموعات تحيي الأعراس وليالي الحناء والمناسبات الاجتماعية بالغناء والتصفيق والطبول والإيقاعات. لم تكن الدقّاقات يحتلن موقعًا بارزًا في التاريخ الرسمي للموسيقى، ولم تُحفظ أسماء كثيرات منهن، لكنهن لعبن دورًا أساسيًا في استمرار الأغنية الشعبية. كن يحفظن النصوص والألحان ويعدن صياغتها بحسب المناسبة، ثم تنقل الفتيات ما يسمعنه إلى بيوتهن وأطفالهن.
تكمن أهمية استلهام هذا التقليد في أن «سهرات» لا تنظر إلى المرأة العراقية باعتبارها مستمعة أو حارسة صامتة للتراث،ولكن باعتبارها واحدة من صانعاته وناقلاته. فجانب واسع من الذاكرة الموسيقية لم ينتقل عبر الإذاعات والمعاهد، وإنما عبر النساء في البيوت والأفراح.
ومن هنا يحمل هذا المشروع بعدًا نسائيًا واضحًا، لكنه لا يرفعه كشعار مباشر؛ هو يجسده في بنية الفرقة وفي طريقة توزيع الأصوات والأدوار.
جمعت إيتي ناعور حولها تسع موسيقيات، ولم تجعل المشروع قائمًا على مطربة واحدة تتصدر المشهد بينما تتحول الأخريات إلى خلفية. تشارك ابنتها أورتال حايك فينكل كواحدة من الأصوات الرئيسية، إلى جانب ياسمين غاليت ساهر. وتمنح ميتال براخا كارني التكوين الموسيقي مساحات متنوعة من خلال البيانو والكيبورد والسنطور، بينما تحمل يردين كوهين صوت العود بما فيه من صلة عميقة بالموسيقى العراقية والمشرقية. وتضيف أفيفا ألييف بالكمان طبقات من الشجن واللين، في حين تتولى موران تسادوك ونوعا فاكس وموريا معطوف جانبًا مهمًا من الإيقاعات الشرقية التي تعيد إلى الأغنية حركتها الاجتماعية الأولى.
وأسهم يانكله سيغال وروني عفرين في التوزيعات الموسيقية، بينما شارك المغني والمنشد زيف يحزقيل في الإشراف والتدريب الصوتي. وهذه الأسماء ليست تفاصيل ثانوية، لأن هوية «سهرات» تقوم على العمل الجماعي. فالفرقة لا تستعيد أغنيات النساء ثم تخفي النساء اللواتي يقدمنها، هي تحاول جعل حضور كل عضوة جزءًا من بنية المشروع ومن قيمته التوثيقية.
على المسرح لا يشعر المتلقي بأنه أمام نجمة منفردة وفرقة ترافقها، وإنما أمام مجموعة تتبادل القيادة. يبدأ الصوت من إحداهن ثم تلحق به بقية الأصوات، ويظهر العود ثم ينسحب ليترك للكمان أو السنطور مساحة، بينما تظل الإيقاعات حاضرة مثل نبض السهرة. هذا البناء الجماعي يعيد شيئًا من روح الغناء العائلي، حيث لم تكن البطولة لشخص واحد، بل للحظة المشتركة وللأغنية التي يعرفها الجميع.
تستخدم الفرقة العود والكمان والسنطور والبيانو والكيبورد وآلات الإيقاع الشرقية. وقد يبدو اجتماع هذه الآلات مألوفًا في المشاريع الموسيقية المعاصرة، لكن المهم هو الطريقة التي تُستخدم بها. فلا تحاول «سهرات» تحويل الأغنية العراقية إلى قطعة غربية مزخرفة، ولا تكتفي بنسخ التسجيلات القديمة وتقليدها. إنها تبحث عن توازن بين احترام اللحن الأصلي ومنحه مساحة للتنفس داخل توزيع حديث.
في بعض الأعمال يبقى الإيقاع قريبًا من السهرة والفرح الشعبي، وفي أعمال أخرى يفتح السنطور والكمان فضاءً أكثر تأملًا. أما الأصوات الجماعية فهي تمنح النصوص طابعًا حيًا، وكأن الأغنية لا تُؤدى أمام الجمهور، يبدو وكأنها تُشارك معه. وهذه نقطة قوة أساسية في المشروع؛ فالموسيقى لا تبدو عرضًا فولكلوريًا مغلقًا، وإنما دعوة للدخول إلى ذاكرة جماعية.
تعيد «سهرات» تقديم عدد من الأغاني العراقية المعروفة، ومنها «فوق النخل»، وهي من أكثر الأغنيات العراقية انتشارًا وقدرة على عبور البيئات والأجيال. واختيارها مفهوم، لأنها تحمل لحنًا يسهل التعرف إليه، لكنها تتيح أيضًا للفرقة أن تكشف طريقتها في التعامل مع مادة شديدة الشهرة دون الوقوع في التقليد. كما تقدم «طالعة من بيت أبوها»، وهي أغنية ترتبط بالحركة والفرح والمشهد الاجتماعي، وتنسجم مع روح المشروع الذي يعيد الأغنية من نطاق الذاكرة الخاصة إلى فضاء جماعي جديد.
وتحضر كذلك «نبعة الريحان» بما فيها من رقة وصور شعبية، إلى جانب أعمال أخرى مثل «شمس طلعت» و «على أنهار بابل». ولا تتساوى هذه الأعمال في طبيعتها أو مرجعياتها، لكنها تلتقي في علاقتها بالذاكرة العراقية وبخبرة الانتقال والابتعاد. وعندما تغني الفرقة «على أنهار بابل»، لا يصبح النص مجرد استدعاء تاريخي، بل يكتسب معنى جديدًا في تجربة جماعة حملت العراق معها ثم عاشت خارجه.
ولا تكتفي إيتي ناعور بإعادة الأغاني المعروفة، هي أيضًا تكتب أعمالًا جديدة تستلهم ذاكرة العائلة والثقافة العراقية. وهذه الخطوة ضرورية كي لا يتحول المشروع إلى متحف صوتي. فالتجربة الحية لا تكتفي بسؤال: ماذا كان يغني الأجداد؟ بل تسأل أيضًا: ماذا يمكن للأبناء والأحفاد أن يكتبوا اليوم انطلاقًا من ذلك الإرث؟ بهذا المعنى، لا تعيد «سهرات» الماضي كما هو، هي تعمل على جعله يواصل إنتاج أصوات وصور جديدة.
قدمت الفرقة ظهورها البارز في مهرجان العود بالقدس في نوفمبر 2024، وهو إطار مناسب لتجربة تقوم على الحوار بين التقاليد الشرقية والصياغات الجديدة. ثم أطلقت ألبومها الأول في ديسمبر 2025، لتنتقل من مرحلة العرض الحي إلى تثبيت جزء من تجربتها في تسجيل يمكن الرجوع إليه. وما تزال الرحلة في بدايتها، لكن وضوح الفكرة منحها حضورًا يسبق أحيانًا حجم إنتاجها.
من المهم هنا ألا نبالغ في وصف «سهرات» بكونها مشروعًا يعيد الموسيقى العراقية كلها. فهي لا تقدم بحثًا شاملًا في المقام العراقي، ولا تدعي تمثيل جميع أشكال الغناء في العراق، ولا تعيد بناء الفرق التاريخية كما كانت. ما تفعله أكثر تحديدًا وصدقًا: إنها تستعيد جزءًا من ذاكرة اليهود العراقيين، وخصوصًا الذاكرة التي انتقلت عبر النساء والبيت والمناسبات العائلية، ثم تعيد صياغتها على المسرح.
هذا التحديد لا يقلل من المشروع، بل يمنحه وضوحًا. فالمشاريع التي تحاول تمثيل تراث كامل تنتهي غالبًا إلى عناوين واسعة ونتائج سطحية. أما «سهرات» فيبدو لنا أنها تدخل من باب ضيق لكنه عميق. ومن خلال هذا الباب تظهر بغداد ليس كصورة سياحية أو شعار، لو تأملنا بجدية سنجد العراق كله يظهر كصوت ولهجة ورائحة وحنين يتردد بين الفرح والفقد.
إذن يمكننا وضع هذه الفرقة ضمن موجة أوسع من المشاريع لليهود العرب الذين يعودون إلى التراث الشرقي، مثل «يَمّة» في تعاملها مع التقاليد المتنوعة، أو «بنات اليمن» في استعادتها للأغاني النسائية اليمنية. لكن «سهرات» ما تزال أقل نضجًا وانتشارًا من هذه التجارب، وهو أمر طبيعي بسبب حداثة تأسيسها. فهي تحتاج إلى توسيع رصيدها المسجل، وإنتاج مزيد من الأعمال الأصلية، وتقديم حفلات بالمهرجانات الدولية، وبناء أرشيف واضح يشرح مصادر الأغاني وتاريخها وتحولاتها.
كما سيكون من المفيد منح عضواتها حضورًا فرديًا أوضح. فالعمل الجماعي قوة، لكنه قد يخفي أحيانًا اختلاف التجارب والخلفيات. والتعريف بكل موسيقية، وبعلاقتها الشخصية بالعراق أو بالموسيقى الشرقية، سيمنح الجمهور فهمًا أعمق للطريقة التي تلتقي بها تسع تجارب داخل مشروع واحد. كذلك يمكن للفرقة أن تفتح حوارًا أوسع مع موسيقيين عراقيين وعرب.
ورغم هذه الملاحظات، تمتلك «سهرات» عنصرًا يصعب صنعه بالتقنيات وحدها: الصدق. فهي لم تبدأ بحثًا عن صيغة تجارية أو عن موجة موسيقية رائجة، فلقد كانت بدايتها من سؤال شخصي مؤلم حول ما يبقى بعد رحيل الوالدين. ومن هذا السؤال خرج مشروع يحاول أن يمنح الخسارة معنى، وأن يحول الصمت الذي أعقب الغياب إلى أصوات متعددة.
قيمة هذا المشروع إذن ليست في عدد الحفلات أو شهرة الأغاني التي يعيدها، وإنما في الطريقة التي ينقل بها الذاكرة من مجال خاص إلى مجال عام. فالأغنية التي كانت تعيش في مطبخ أو سهرة عائلية أصبحت تُغنى على المسرح، لكنها لم تفقد دفئها المنزلي. وبغداد التي ابتعدت جغرافيًا بقيت حاضرة في النطق والإيقاع وصورة القمر ورائحة القهوة التي يستدعيها الغناء.
هكذا تبدو «سهرات» أكثر من فرقة تؤدي التراث العراقي. إنها محاولة لمنح ذاكرة النساء مكانًا في الحاضر، وللتذكير بأن تاريخ الموسيقى لا تصنعه الأسماء الكبيرة وحدها، ولكن يمكن تصنعه أيضًا أم مجهولة تردد أغنية أمام ابنتها. ومن الأم إلى الابنة، ومن البيت إلى المسرح، تواصل الأغنية التراثية رحلتها، ليس باعتبارها أثرًا من عالم مفقود، ولكنا تصبح بيتًا صغيرًا يستطيع الإنسان أن يحمله معه أينما ذهب.








التعليقات