لم يعد التشابه في المجتمع العراقي يقتصر على الملامح أو طريقة الحديث، بل امتد إلى الأفكار والمواقف وحتى طريقة العيش. فمن يتجول في الشارع، أو يتابع منصات التواصل الاجتماعي، أو يجلس في أحد المقاهي، يلاحظ أن كثيرًا من الناس لم يعودوا يقدمون أنفسهم كما هم، بل كما يريد الآخرون أن يروهم. وكأننا نعيش زمنًا أصبحت فيه الشخصية المستقلة عملة نادرة، بينما أصبح التقليد هو الطريق الأقصر إلى القبول الاجتماعي. لم يكن العراقي يومًا يخشى الاختلاف. فهذه الأرض أنجبت الشعراء والمفكرين والعلماء والفنانين الذين صنعوا أسماءهم لأنهم كانوا مختلفين، لا لأنهم كانوا نسخًا متشابهة. أما اليوم، فقد أخذت موجة التقليد تتسلل إلى تفاصيل الحياة، حتى أصبح النجاح عند البعض يعني أن يشبه شخصًا آخر، لا أن يبحث عن طريقه الخاص. ففي منصات التواصل الاجتماعي تتكرر المشاهد بصورة يومية. عشرات الحسابات تقدم الفكرة نفسها، والعبارات نفسها، وطريقة التصوير نفسها، وحتى الضحكة أصبحت تُستنسخ. فإذا نجح أحدهم في صناعة محتوى معين، ظهر بعد أيام عشرات يقلدونه بالحركة والصوت والملابس والكلمات، حتى تضيع هوية الأصل وسط زحام النسخ. ولم تتوقف الظاهرة عند العالم الرقمي، بل وصلت إلى الحياة اليومية. ففي بعض المؤسسات، يخشى الموظف أن يطرح فكرة جديدة حتى لا يخرج عن المألوف، وفي الجامعات يتردد بعض الطلبة في التعبير عن آرائهم خشية مخالفة المجموعة، وفي الحياة الاجتماعية أصبح كثيرون يسايرون الآخرين حتى وإن كانوا غير مقتنعين بما يقولون.
هذه الثقافة لا تصنع مجتمعًا مبدعًا، بل مجتمعًا يكرر نفسه. فالأمم تتقدم بأصحاب المبادرات، لا بالمقلدين، وبمن يمتلكون الشجاعة لطرح الأفكار الجديدة، لا بمن ينتظرون من يفكر عنهم. وكل اختراع، وكل كتاب، وكل مشروع ناجح بدأ بفكرة اختلفت عن السائد، ولم يولد من رحم التقليد. والإعلام يتحمل جزءًا من المسؤولية أيضًا. فحين يمنح المساحة نفسها للأفكار المكررة، ويحتفي بمن يحقق المشاهدات فقط، فإنه يسهم في صناعة نماذج متشابهة، ويهمش الشخصيات التي تمتلك رؤية مختلفة. وهكذا يصبح الانتشار أسرع من الإبداع، وتتحول الشهرة إلى هدف، لا إلى نتيجة. وفي العراق، حيث يواجه الشباب تحديات اقتصادية واجتماعية كبيرة، تزداد الحاجة إلى بناء شخصية مستقلة قادرة على التفكير واتخاذ القرار. فالبلد لا يحتاج إلى أجيال تحفظ ما يقوله الآخرون، بل إلى عقول تنتج حلولًا، وتبتكر أفكارًا، وتؤمن بأن الاختلاف ليس خروجًا عن المجتمع، بل مساهمة في تطويره. ولقد أثبتت تجارب كثير من العراقيين الناجحين، في الطب والهندسة والإعلام والأدب وريادة الأعمال، أن التميز لم يولد من التقليد، وإنما من الإصرار على تقديم شيء مختلف. هؤلاء لم يبحثوا عن وجوه مستعارة، بل صنعوا وجوههم بأفكارهم واجتهادهم.
المشكلة ليست في أن نتعلم من الآخرين، فالتعلم أساس التطور، وإنما في أن نفقد أنفسنا ونحن نقلدهم. فهناك فرق كبير بين الاستفادة من التجارب، وبين إلغاء الشخصية من أجل التشبه بالآخرين. والمجتمع الذي يحترم الاختلاف، هو المجتمع الذي يصنع المستقبل. أما المجتمع الذي يخشى كل فكرة جديدة، فإنه يبقى يدور في المكان نفسه مهما تغيرت الوجوه. قد ينجح التقليد في تحقيق شهرة مؤقتة، لكنه لا يصنع تاريخًا، لأن التاريخ لا يكتب أسماء النسخ، بل يحفظ أسماء الذين امتلكوا الشجاعة ليكونوا أنفسهم. والعراق، الذي أنجب عبر تاريخه آلاف المبدعين، يستحق اليوم جيلًا يؤمن بأن قيمة الإنسان لا تكمن في عدد من يقلدهم، بل في عدد الذين يستلهمون منه، لأنه امتلك الجرأة ليكون مختلفًا.







التعليقات