انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

من يفكر بدلا عنك؟

أعراب خالد
أعراب خالد

شاعر وكاتب جزائري

5 دقائق للقراءة
8 مشاهدة
من يفكر بدلا عنك؟
مشاركة:

في جلسة مقهى مع صديقي المحامي الذي أنهكته العدالة في الجزائر، أخذنا نتبادل أطراف الحديث. هو صديقي الوحيد الذي يتقن الفرنسية وسط مجموعة من المحامين، مثقف إلى درجة كبيرة، وابن الحي الذي أعرفه منذ سنوات. في ذلك اليوم بدأ حديثنا من قضايا الأسرة، من المشاكل التي أصبحت تصل إلى المحاكم، من الزواج والطلاق وتغير العلاقات بين الناس. كان يحدثني عن ملفات مرت أمامه وأشخاص دخلوا المحكمة بسبب خلاف بدأ بكلمة وانتهى بقطيعة. كنت أستمع إليه، ثم أخذ الحديث يبتعد شيئا فشيئا عن قاعات المحاكم. قال لي أحيانا أشعر أن المشكلة في الناس ليست دائما في ما يحدث لهم، بل في الطريقة التي يفهمون بها ما يحدث. قلت له كيف ذلك؟ قال لأنني كلما قرأت أكثر اكتشفت أن الإنسان قد يعيش داخل حدث كبير، ولا يرى منه إلا الجزء الذي سمح له موقعه أن يراه. ثم قال أبهرني كاتب في قراءته للسياسة وطريقته في النظر إلى العالم. قلت له من هو؟ قال زبغنيو برجنيسكي. كنت أعرف برنارد لويس، أما برجنيسكي فلم أكن قد تعمقت في أفكاره. سألته عن الكتاب الذي يمكن أن أبدأ به. قال اقرأ له رقعة الشطرنج الكبرى. فتح الحديث عن الكتاب، وبدأ يشرح لي كيف كان برجنيسكي ينظر إلى العالم. لم يكن يرى السياسة مجرد تصريحات لرؤساء الدول، ولا مجموعة من المؤتمرات والبيانات. كان يرى خلف ذلك كله خريطة تتحرك فوقها القوى. المكان عنده ليس مجرد مكان. الدولة التي تقع في موقع استراتيجي لا تشبه دولة تقع بعيدا عن طرق التجارة ومراكز النفوذ. البحر له معنى، والحدود لها معنى، والممرات لها معنى، والموارد لها معنى، وحتى المسافة بين دولة وأخرى يمكن أن تتحول إلى عنصر في ميزان القوة. قال لي برجنيسكي لا يبدأ بالسؤال من قال ماذا، بل يسأل أين توجد القوة، ومن يستطيع الوصول إليها، ومن يخشى أن يفقدها. قلت إذن هو يقرأ السياسة من الخريطة. قال بالضبط. بدأت أفكر في الأمر. كم من حدث نراه في الأخبار وكأنه وقع فجأة، بينما قد يكون وراءه تاريخ طويل من الحسابات والمصالح والتحالفات. في هذه القراءة لا تصبح الدول أصدقاء وأعداء بالمعنى الذي نستعمله في حياتنا اليومية. الصداقة في السياسة قد تكون تحالفا مؤقتا، والخصومة قد تنتهي عندما تتغير المصالح. وهنا أدركت أن برجنيسكي لا يطلب منك أن تحب هذا الطرف أو تكره ذاك. هو يدفعك إلى النظر إلى العالم بعين باردة، عين تسأل عن القوة وموقعها وحركتها. ثم قلت لصديقي لكن هناك من يقرأ السياسة من مكان آخر، من التاريخ. قال تقصد برنارد لويس. قلت نعم. كنت قد قرأت له من قبل، ولهذا كان اسمه مألوفا لدي. برنارد لويس لا يبدأ من الخريطة وحدها. يعود إلى الماضي. يفتح صفحات التاريخ بحثا عن الجذور التي صنعت الحاضر. كيف تشكلت العلاقة بين العالم الإسلامي والغرب؟ كيف تغيرت المجتمعات؟ لماذا تقدمت مجتمعات وتعثرت أخرى؟ كيف أثرت السلطة والدين والحروب والتحولات الفكرية في مسار الشعوب؟ أسئلة من هذا النوع كانت حاضرة بقوة في طريقته في القراءة. قلت لصديقي قرأت له أين الخطأ. قال وهنا يجب أن نكون حذرين. قراءة الكاتب لا تعني التسليم له. أعجبتني الجملة. فالاختلاف مع الكاتب لا يعني أن نتجاهله، كما أن الإعجاب به لا يعني أن نضع عقولنا بين يديه. برنارد لويس قدم تفسيرات أثارت جدلا واسعا، وبعض أفكاره حول العالم الإسلامي والحداثة والعلاقة مع الغرب لا يمكن التعامل معها وكأنها حقائق نهائية. لكن قيمة القراءة أحيانا لا تكون في أن تجد من يوافقك، وإنما في أن تعرف كيف يفكر الطرف الآخر وكيف يبني تفسيره للتاريخ. ثم سألته وبرجنيسكي ينظر إلى القوة، وبرنارد لويس ينظر إلى التاريخ. ماذا عن تشومسكي؟ ابتسم وقال تشومسكي ينظر إلى الطريق الذي تصل منه الرواية إلى الناس. تذكرت كتاب صناعة الموافقة. قال هنا تصبح المسألة أكثر حساسية. نحن لا نعيش الأحداث مباشرة دائما. معظم ما نعرفه عن العالم يصل إلينا من خلال وسائل الإعلام، والصور، والمحللين، والعناوين، والمصادر التي تختارها المؤسسات الإعلامية. تشومسكي لا يسأل فقط ماذا حدث. يسأل أيضا من اختار أن يخبرنا بهذا الحدث؟ كيف صيغ الخبر؟ أي صورة ظهرت أمامنا؟ وأي صورة لم تصل إلينا؟ ومن يملك القدرة على تحديد ما يصبح خبرا وما يبقى خارج الاهتمام؟ هذه الأسئلة تجعل الإنسان يعيد النظر في علاقته بالإعلام. فالخبر قد يكون صحيحا، ومع ذلك لا يكون الصورة الكاملة. وقد تكون الصورة حقيقية، لكن اختيارها دون غيرها يمكن أن يمنح الحدث معنى مختلفا. وهنا بدأت أشعر أن الحديث لم يعد عن ثلاثة كتب. كان الحديث عن ثلاث طرق لرؤية العالم. برجنيسكي يأخذك إلى الخريطة ويسألك أين توجد القوة. برنارد لويس يأخذك إلى التاريخ ويسألك كيف وصلنا إلى هذه اللحظة. وتشومسكي يأخذك إلى الإعلام ويسألك كيف وصلت إلينا الرواية التي نعتقد أنها الحقيقة. ثلاثة أسئلة تبدو بسيطة، لكنها عندما تجتمع تصبح مزعجة للعقل. لأنك إذا سألت عن القوة وحدها، فقد تنسى الإنسان. وإذا سألت عن التاريخ وحده، فقد لا ترى المصالح التي تتحرك في الحاضر. وإذا اكتفيت بتحليل الإعلام، فقد تنسى أن وراء الإعلام دولا ومؤسسات وجغرافيا وتاريخا. قلت لصديقي ربما لهذا السبب لا ينبغي أن نقرأ مفكرا واحدا. قال بل ينبغي أن نقرأ المختلفين. ثم أضاف الكاتب الذي يجعلك مرتاحا طوال الوقت قد لا يضيف إلى عقلك شيئا. أحيانا تحتاج إلى كاتب يزعج أفكارك. خرجت من تلك الجلسة وأنا أفكر في الجملة. كم مرة نحكم على حدث قبل أن نعرف تاريخه؟ كم مرة نصدق خبرا لأن عنوانه أعجبنا؟ كم مرة نرى دولة قوية وننسى أن وراء قوتها موقعا وتحالفات ومصالح؟ وكم مرة نقرأ التاريخ من زاوية واحدة ثم نعتقد أننا امتلكنا الحقيقة كاملة؟ ربما لا توجد نافذة واحدة تكشف العالم كله. هناك نافذة تطل على الخريطة، وأخرى تطل على التاريخ، وثالثة تراقب الإعلام وما يمر من خلاله إلى عقول الناس. لكن المشكلة لا تنتهي عند فتح النوافذ. هناك سؤال أصعب من يقف خلف النافذة؟ وهل ما أراه هو العالم كما هو، أم العالم كما اختير لي أن أراه؟

مشاركة:

آخر تحديث: ٨ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٨:١٢ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

من يحتكر الوصاية على الثقافة العراقية؟
آراء

من يحتكر الوصاية على الثقافة العراقية؟

تتشكّل خريطة الثقافة العراقية المعاصرة من طبقات متعددة، لا يحدّد اختلافها أسلوبها الفني أو أجيالها فحسب، بل تحدّده أيضًا علاقتها بالمجتمع والجمهور والمؤسسات الثقافية الحكومية والحزبية . فبعض هذه الطبقات يستند إلى رصيد ماضٍ ويعيد إنتاجه، وبعضها ينمو من صلة مباشرة بالناس، فيما يعيش بعضها الآخر خارج…

· 3 د
طلب نشر مقال ثقافي / فكري - (حين احتاج المطلق إلى مفسِّر)
آراء

حين احتاج المطلق إلى مفسِّر

إلى هيئة التحرير الموقرة، تحية طيبة وبعد، يُسعدني ويُشرفني أن أتواصل معكم ككاتب متابع وشغوف بمسيرتكم الإعلامية والثقافية المتميزة. نظراً لما تتمتع به صحيفتكم الغراء من رصانة في الطرح، واحتضان للأقلام الجادة والأفكار التنويرية، فإنني أتطلع إلى أن تكون هذه الرسالة بداية لتعاون دائم ومثمر معكم. أود أن…

· 59 د
الأفول اللطيف: 

التفكيك الجغرافي والسياسي في مسرح الشرق الأوسط
آراء

الأفول اللطيف: التفكيك الجغرافي والسياسي في مسرح الشرق الأوسط

في حقبة تاريخية حالكة تتسم بانهيارات قيمية عميقة وتحولات حادة في بنية الجغرافية السياسية، يبرز أمامنا مشهد استعاري شديد التكثيف والدقة؛ لوصف الحالة السياسية والثقافية المأزومة في منطقة الشرق الأوسط. يمكننا تسمية هذه الحالة بـ "الأفول اللطيف"، وهو ذلك الانحدار البطيء والناعم الذي يصمت فيه المثقف…

· 8 د