في أواخر القرن الثامن عشر كان الفيلسوف الإنجليزي جيريمي بنثام يجلس في غرفته الباردة، غارقاً في رسم مخطط هندسي غريب أطلق عليه اسم "البانوبتيكون". كان بنثام يحلم بسجن مثالي، يتيح لحارس واحد يختبئ في برج مركزي أن يراقب جميع السجناء في زنازينهم الدائرية دون أن يروه هم. اعتقد بنثام بجرعة زائدة من التفاؤل التنويري، أن هذا التصميم هو قمة العقلانية التشريعية التي ستحقق الانضباط والعدالة بأقل جهد ممكن. لم يكن يدرك أنه ومن حيث لا يحتسب، لم يصمم مجرد سجن جدرانه من حجر، بل وضع الحجر الأساس الفلسفي لأخطر معضلة ستواجه البشرية في عصرنا الحالي. حيث تحول العالم كله إلى برج مراقبة لامرئي، وغدت التكنولوجيا هي الحارس والمشرع في آن واحد. هذه الحكاية تضعنا مباشرة أمام المعضلة الجوهرية حول ماهية القانون ووظيفته الوجودية في عصرنا الرقمي. إن القانون في جوهره الأصيل ليس مجرد حزمة من القواعد الإلزامية والتشريعات الجافة التي تفرضها السلطة لتنظيم السلوك الخارجي للأفراد، بل هو في المقام الأول تعبير عن الكينونة الإنسانية، وأداة وُجدت أساساً لحماية الحرية وتنظيم شروط التعايش السلمي.

فالقانون الحقيقي، في عمقه الفلسفي، هو تجسيد لقيم العدالة والحرية. وعندما ينفصل عن هذه الأصول الوجودية، فإنه يفقد شرعيته المعنوية ويتحول إلى مجرد آلة شكلية للإكراه والضبط التقني. اليوم نواجه أزمة كبرى تتمثل في اغتراب القانون عن جوهره الإنساني. فمع تدفق البيانات الضخمة وهيمنة خوارزميات المراقبة، تراجع دور القانون كدرع يحمي الفرد وحرمته الشخصية، ليتحول بدلاً من ذلك إلى إطار تنظيمي يشرعن المراقبة ويوفر لها الغطاء القانوني. لم تعد القوانين المعاصرة تسعى لتوسيع مساحات الحرية أو صون كرامة الفرد الوجودية، بل باتت تنشغل بـ "هندسة الحصار" وتأطير القيود تحت مسميات "الأمن الرقمي" و"النظام العام المحدث"، مما جعل الإنسان محاصراً بنصوص تدعي حمايته لكنها في الواقع تنظم آليات تطويقه. عندما يصاغ التشريع لخدمة آليات الرقابة التقنية، فإنه يتخلى عن طابعه القيمي ليصبح مجرد أداة إجرائية مفرغة من المعنى الإنساني. فالقانون هنا لا يدافع عن كينونة الإنسان وتفرده، بل يعيد تعريفه بوصفه "مجموعة بيانات" قابلة للتحليل والتنبؤ والتوجيه. هذا النزوع نحو ترويض السلوك الفردي وجعله متوقعاً بالكامل عبر الوسائل الرقمية، يمثل ضرباً للحرية الإنسانية في مقتل لأن الحرية في أصلها هي القدرة على الاختيار والمغامرة والخطأ، وليس الخضوع لسيناريوهات خوارزمية مسبقة الصنع برعاية تشريعية. إننا نعيش في زمن يعاني فيه التشريع من "فقر دم فلسفي"، حيث طغت الإجراءات التقنية على المبادئ الوجودية للعدالة. وإذا استمر القانون في كونه شريكاً في هندسة هذا الحصار الرقمي بدلاً من كونه حصناً يذود عن تفرد الإنسان، فإننا سننتهي إلى عالم تحكمه "شكلية قانونية جوفاء" عالم تتوفر فيه القوانين بكثرة، لكن يغيب عنه القانون في معناه السامي والنبيل بوصفه حارساً للروح البشرية.







التعليقات