انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

مأزق التشريع بين حماية الإنسان وتأطير الحصار الوجودي

د.أحمد فاتح محمد
د.أحمد فاتح محمد

باحث وأديب عراقي

3 دقائق للقراءة
22 مشاهدة
مأزق التشريع بين حماية الإنسان وتأطير الحصار الوجودي
مشاركة:

في أواخر القرن الثامن عشر كان الفيلسوف الإنجليزي جيريمي بنثام يجلس في غرفته الباردة، غارقاً في رسم مخطط هندسي غريب أطلق عليه اسم "البانوبتيكون". كان بنثام يحلم بسجن مثالي، يتيح لحارس واحد يختبئ في برج مركزي أن يراقب جميع السجناء في زنازينهم الدائرية دون أن يروه هم. اعتقد بنثام بجرعة زائدة من التفاؤل التنويري، أن هذا التصميم هو قمة العقلانية التشريعية التي ستحقق الانضباط والعدالة بأقل جهد ممكن. لم يكن يدرك أنه ومن حيث لا يحتسب، لم يصمم مجرد سجن جدرانه من حجر، بل وضع الحجر الأساس الفلسفي لأخطر معضلة ستواجه البشرية في عصرنا الحالي. حيث تحول العالم كله إلى برج مراقبة لامرئي، وغدت التكنولوجيا هي الحارس والمشرع في آن واحد. هذه الحكاية تضعنا مباشرة أمام المعضلة الجوهرية حول ماهية القانون ووظيفته الوجودية في عصرنا الرقمي. إن القانون في جوهره الأصيل ليس مجرد حزمة من القواعد الإلزامية والتشريعات الجافة التي تفرضها السلطة لتنظيم السلوك الخارجي للأفراد، بل هو في المقام الأول تعبير عن الكينونة الإنسانية، وأداة وُجدت أساساً لحماية الحرية وتنظيم شروط التعايش السلمي.

مأزق التشريع بين حماية الإنسان وتأطير الحصار الوجودي

فالقانون الحقيقي، في عمقه الفلسفي، هو تجسيد لقيم العدالة والحرية. وعندما ينفصل عن هذه الأصول الوجودية، فإنه يفقد شرعيته المعنوية ويتحول إلى مجرد آلة شكلية للإكراه والضبط التقني. اليوم نواجه أزمة كبرى تتمثل في اغتراب القانون عن جوهره الإنساني. فمع تدفق البيانات الضخمة وهيمنة خوارزميات المراقبة، تراجع دور القانون كدرع يحمي الفرد وحرمته الشخصية، ليتحول بدلاً من ذلك إلى إطار تنظيمي يشرعن المراقبة ويوفر لها الغطاء القانوني. لم تعد القوانين المعاصرة تسعى لتوسيع مساحات الحرية أو صون كرامة الفرد الوجودية، بل باتت تنشغل بـ "هندسة الحصار" وتأطير القيود تحت مسميات "الأمن الرقمي" و"النظام العام المحدث"، مما جعل الإنسان محاصراً بنصوص تدعي حمايته لكنها في الواقع تنظم آليات تطويقه. عندما يصاغ التشريع لخدمة آليات الرقابة التقنية، فإنه يتخلى عن طابعه القيمي ليصبح مجرد أداة إجرائية مفرغة من المعنى الإنساني. فالقانون هنا لا يدافع عن كينونة الإنسان وتفرده، بل يعيد تعريفه بوصفه "مجموعة بيانات" قابلة للتحليل والتنبؤ والتوجيه. هذا النزوع نحو ترويض السلوك الفردي وجعله متوقعاً بالكامل عبر الوسائل الرقمية، يمثل ضرباً للحرية الإنسانية في مقتل لأن الحرية في أصلها هي القدرة على الاختيار والمغامرة والخطأ، وليس الخضوع لسيناريوهات خوارزمية مسبقة الصنع برعاية تشريعية. إننا نعيش في زمن يعاني فيه التشريع من "فقر دم فلسفي"، حيث طغت الإجراءات التقنية على المبادئ الوجودية للعدالة. وإذا استمر القانون في كونه شريكاً في هندسة هذا الحصار الرقمي بدلاً من كونه حصناً يذود عن تفرد الإنسان، فإننا سننتهي إلى عالم تحكمه "شكلية قانونية جوفاء" عالم تتوفر فيه القوانين بكثرة، لكن يغيب عنه القانون في معناه السامي والنبيل بوصفه حارساً للروح البشرية.

مشاركة:

آخر تحديث: ٥ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٧:٣١ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

حين تعجز السنوات عن محو الغياب: 

رثاء يستعيد محمد خضير عثمان
آراء

حين تعجز السنوات عن محو الغياب: رثاء يستعيد محمد خضير عثمان

ليس الموت وحده ما يوجعنا حين نفقد الذين أحببناهم؛ فالموت، على قسوته، لحظةٌ فاصلة، أما ما يأتي بعده فهو الامتحان الأكثر قسوة: أن تستمر الحياة وكأن شيئاً لم يحدث، وأن تبقى الطرق كما هي، والأمكنة في مواضعها، والوجوه تعبر أمامك، بينما يغيب وجه واحد كان جزءاً من تفاصيل أيامك. هنا تبدأ الحكاية الحقيقية…

· 6 د
المثقف العراقي والواقع السياسي..

 لماذا بقي التأثير محدوداً؟؟
آراء

المثقف العراقي والواقع السياسي.. لماذا بقي التأثير محدوداً؟؟

منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ظل المثقف العراقي يحلم بأن يكون ضمير المجتمع وأن يقود عملية التغيير عبر الكلمة والفكر والنقد إلا أن هذا الحلم اصطدم بواقع سياسي شديد التعقيد جعل الثقافة في أغلب الأحيان تقف على هامش القرار بينما احتلت السلطة والقوة والمال مركز الفعل السياسي وهكذا بقي المثقف يكتب…

· 4 د
سُلطة القهر وأطياف البدء:

حفريات فلسفية في ديمومة العنف والسلطة بالشرق الأوسط
آراء

سُلطة القهر وأطياف البدء: حفريات فلسفية في ديمومة العنف والسلطة بالشرق الأوسط

بنية الوجود وأشكال الوعي الجمعي البدئية تتطلب مقاربة ظاهرة العنف والسلطة في مجتمعات الشرق الأوسط تجاوز التفسيرات الوقائعية العابرة، والنفاذ إلى الطبقات التكوينية العميقة للوعي الجمعي؛ حيث تتشكل الرؤى الغيبية الكلية وتستقر الأنماط البدئية الموجهة للسلوك البشري والمؤسسة للأنظمة السياسية. ينهض مفهوم…

· 7 د