أن يكون الفكر، بصورة مطلقة، تمثلًا لإدراكنا الشعوري، هو نقطة انطلاق لتمثلات أخرى قبلية، وهذا يجعل من التجربة، التي يضعها كانط في إطار الشروط القبلية للمعرفة، أمرًا يتجاوز مجرد المعطى الحسي المباشر، ويمنحها تعددًا في مستويات التكوين والإدراك.
لكن السؤال هنا، الذي يطرحه النقد الهيجلي للنظرية المعرفية الكانطية، هو: هل يمكن للفكر أن يتحدد قبل التجربة؟ وهل يمكن للتمثل أن يمتلك معنى مستقلًا عن الحركة الفعلية للوعي في علاقته بالعالم؟
هذا السؤال طرحته على نفسي عندما بدأت قراءة النظرية المعرفية مستعينًا بالنقد الهيجلي، ولكن من منطلق الحاجة إلى بيان نوع التجربة التي تقوم عليها هذه النظرية، لا من أجل نفيها، بل من أجل فهم حدودها العقلية وشروطها.
فإذا كانت الأشياء تتمثل في الذهن حتى قبل التحقق التجريبي المباشر لها، وهو ما يشكل أحد وجوه الإشكال الذي أثاره هيجل، فهل تتمثل فعلًا في الذهن قبل وجودها في الفكر؟ أم أن وجودها الذهني لا يتحقق إلا بوصفها جزءًا من فعل التفكير نفسه؟
وهل يمكن للتجربة البرهنة على وجود هذه التمثلات بمعزل عن الأنا المفكرة (الأنا الترنسندنتالية) في مفهوم كانط؟
لا يمكن ذلك، لأن هذه الأنا ليست موضوعًا للتجربة الحسية، ولا يمكن إدراجها ضمن موضوعاتها. ومع ذلك فهي الشرط الذي يمنح التمثلات وحدتها، ويجعل الأفكار تظهر في صور وأحاسيس ضمن وعي واحد.
كذلك يكشف النقد الهيجلي، في بعض جوانبه، عن صعوبة فهم النظرية المعرفية بمعزل عن حركتها العقلية الداخلية. وليس المقصود بذلك إبطال النظرية، بل بيان أن الوقوف عند حدود التمثل وحده قد يحجب الحركة التي يتطور بها الفكر نحو معرفة ذاته وموضوعه.
ما نريده من النظرية المعرفية هو فهم كيفية تحقق المعرفة في الأنا المتعالية، لا مجرد البحث في كيفية تكوينها داخل العقل، خاصةً وأن اللغة تمثل الوسيط الذي ينتقل عبره المفهوم إلى مجال التعبير والتجربة اللغوية.
ومن الصعب كذلك تحديد هذا المسار المعرفي خارج حدود التجربة؛ لأن التجربة ليست مجرد معطى حسي، بل المجال الذي يختبر فيه الفكر إمكاناته. ولعل هذا ما يجعل التجربة، في أحد معانيها، تدفعنا إلى الخروج من يقين العقل المجرد نحو اختبار العالم ومواجهته







التعليقات