انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

فاعلية المراكز الفكرية في صناعة القرار العراقي

د. منتصر صباح الحسناوي
د. منتصر صباح الحسناوي

كاتب وباحث عراقي

15 دقائق للقراءة
17 مشاهدة
فاعلية المراكز الفكرية في صناعة القرار العراقي
مشاركة:

كنتُ يوماً مع عدد من مسؤولي المراكز الفكرية والثقافية في أمسية رمضانية بضيافة أحد رؤساء الوزراء السابقين، وخلال الحديث عن أهمية النخب ودورها في الدولة والمجتمع، قال: "أين هم النخب؟".

أثارت العبارة استغراب الحاضرين، لأن عدداً ممن كانوا يجلسون أمامه يديرون مراكز تعمل في قضايا فكرية وثقافية ومجتمعية، وتنتج دراسات وتعقد ندوات وورشاً تتناول مشكلات حقيقية في العراق.

كان رد أحد الحاضرين واضحاً في لفت نظره إلى أن جانباً من هذه النخب موجود أمامه، فاستدرك رئيس الوزراء ما قاله، وانتهى الموقف عند ذلك الحد.

إلا أن السؤال بقي حاضراً في ذهني، لأنه يكشف جانباً من العلاقة غير الواضحة بين أصحاب القرار والمراكز الفكرية والثقافية في العراق، فإذا كان المسؤول يلتقي رؤساء هذه المراكز ويحضر بعض ندواتها ومؤتمراتها، ويستمع إلى ما يعرض فيها من أفكار وتوصيات، فلماذا تبقى تلك المراكز غائبة عندما تبدأ المؤسسة بصياغة قراراتها وبرامجها؟

وهل عدم حضورها في صناعة القرار ناتج عن أن المسؤول لا يعرف حجم ما تنتجه، أم أن المؤسسة لا تملك أصلاً قناة تستفيد من هذا الإنتاج، أم أن هناك من لا يريد للمعرفة المستقلة أن تدخل في القرار وتفرض عليه المراجعة والتفسير؟

هذه الأسئلة تمثل المدخل الحقيقي لمناقشة فاعلية المراكز الفكرية، لأن الفاعلية تقاس بمدى قدرة المركز على تحويل معرفته بالمشكلة إلى خيار يمكن أن تتبناه المؤسسة وبمدى استعداد المؤسسة للاستماع إلى هذا الخيار ودراسته وإدخاله في برامجها، ثم متابعة تنفيذه وقياس أثره، لا بعدد الأنشطة ولا بحضور المسؤولين فيها.

ولذلك فإن الحديث عن المراكز ينطلق من موقعها في دورة القرار العراقي، ولا سيما أن بعضها يعرف تفاصيل مشكلات المجتمع أكثر من جهات رسمية بعيدة عن الميدان، إلا أن وجود هذه المعرفة لا يعني بالضرورة أنها تصل إلى الجهة التي تحتاجها، ولا أنها تقدم لها بالصيغة والوقت المناسبين، وهذه هي الإشكالية التي يحاول هذا المقال وضعها في إطار موضوعي، بعيداً عن المبالغة في دور المراكز أو التقليل منه.

 ويقصد بالمراكز الفكرية هنا المؤسسات التي يتصل جانب أساسي من عملها بتحليل القضايا العامة وإنتاج الدراسات والبدائل والتوصيات التي يمكن أن تستفيد منها مؤسسات الدولة.

أما المراكز الثقافية التي تنحصر وظيفتها في تنشيط الحوار أو حفظ الذاكرة أو رعاية الفنون وحماية التنوع الثقافي، فإن أثرها مهم، لكنه لا يقاس بالضرورة بمدى دخولها المباشر في صناعة القرار.

فاعلية المراكز الفكرية في صناعة القرار العراقي

 واقع المراكز الفكرية في العراق

    شهد العراق بعد عام 2003 توسعاً كبيراً في عدد المراكز الفكرية والثقافية ومراكز البحوث والمنظمات التي تعمل في المجال العام، وكان هذا التوسع طبيعياً بعد مرحلة طويلة من احتكار الدولة للعمل الثقافي والفكري، لكنه أنتج في الوقت نفسه تفاوتاً كبيراً في مستوى هذه المراكز وأهدافها وقدرتها على الاستمرار.

فقد ظهرت مراكز ارتبطت بتمويل مؤقت أو بمناسبة سياسية أو بشخصية معينة ولم تكن تملك مشروعاً معرفياً واضحاً أو فريقاً ثابتاً أو إنتاجاً يمكن الرجوع إليه، ولذلك لم تصمد طويلاً وتراجعت بمجرد انتهاء التمويل أو غياب الشخص الذي كان يقف خلفها.

وفي المقابل، بقيت مراكز نوعية استطاعت أن تنمو وفق خطوات تحسب للقائمين عليها، لأنها بنت تخصصاً وراكمت معرفة وأوجدت شبكة من الباحثين والخبراء وأنتجت ما يتجاوز حدود النشاط الاستعراضي.

وهنا لا يمكن وضع جميع المراكز في مستوى واحد، فالمركز النوعي يُعرَف بوضوح مجال عمله وانتظام إنتاجه وقدرته على فهم المشكلة من داخل المجتمع وامتلاكه منهجاً وبيانات ومصادر يمكن فحصها، كما يُعرَف بقدرته على الاستمرار والتعلم من النقد، وبوجود مؤسسة تتجاوز شخص المؤسس أو المدير.

وتنبع أهمية هذه المراكز من أنها تستطيع أن تكون حلقة وصل بين المواطن الذي يعيش المشكلة، والباحث الذي يحللها، والمسؤول الذي يملك صلاحية التعامل معها. ففي قضايا التعليم والبطالة والشباب وخطاب الكراهية والتنوع واللامركزية والخدمات والثقافة والذاكرة الاجتماعية، توجد خبرة موزعة بين المجتمع والجامعات والمنظمات، لكنها تحتاج إلى جهة تجمعها وتعيد صياغتها بطريقة يمكن أن تدخل في النقاش العام وفي عمل مؤسسات الدولة.

ولا يعني هذا الدور أن يتحول كل مركز ثقافي إلى مركز لصناعة السياسات، فهناك مراكز وظيفتها الأساسية حفظ الذاكرة أو تنشيط الحوار أو حماية التنوع الثقافي، وهذا أثر مهم بحد ذاته، لكن المراكز التي تعلن أنها تعمل في السياسات العامة أو تقدم توصيات للحكومة ينبغي أن تقاس بقدرتها على الانتقال من وصف المشكلة إلى تقديم بدائل واقعية ومحددة.

ومع وجود هذا العدد من المراكز، ما معرفة المسؤولين بها مرتبطة بالعلاقات الشخصية أو الحضور الإعلامي أو المشروعات المشتركة، ولا تقوم على معرفة مؤسسية تميز المركز المنتج من المركز الاسمي وهذا الأمر يفسر جانباً من سؤال: أين هم النخب؟

 بين حضور الفعاليات والتأثير في القرار

    يحضر كثير من المسؤولين ندوات المراكز الفكرية وورشها ومؤتمراتها، وقد يكون في هذا الحضور تقدير للمركز أو اهتمام بالموضوع، لكنه لا يكفي للحكم بوجود تأثير في القرار، فقد يحضر الوزير استجابة لدعوة شخصية أو مجاملة لجهة محترمة أو ضمن نشاط إعلامي وعلاقات عامة، من دون أن تكون المؤسسة التي يديرها قد دخلت فعلياً في الحوار.

وقد يحضر المسؤول بشخصه، لكن الجهات التي تصوغ القرار وتضع الموازنة وتتابع التنفيذ لا تكون حاضرة، يستمع إلى فكرة جيدة ثم يعود إلى جهاز إداري لم يشارك في صياغتها، ولا يعرف تفاصيلها، ولا يشعر بأنها جزء من عمله. وبهذا تتوقف الفكرة عند حدود اهتمام المسؤول أو تضيع بين مستويات المؤسسة.

كما أن توقيت الاستشارة له أثر كبير، فكثير من الفعاليات تعقد بعد أن تكون الحكومة قد حددت اتجاهها أو اعتمدت برنامجها، فتتحول الندوة إلى تعليق على قرار قائم لا إلى مشاركة في صناعته، أما التأثير الحقيقي فيبدأ عندما تستمع المؤسسة إلى المراكز قبل اتخاذ القرار وفي الوقت الذي تكون فيه البدائل مفتوحة ويمكن تعديلها على أساس ما يقدم من معرفة.

إن التوصيات التي تصدر في ختام المؤتمرات والورش وكذلك النتائج البحثية، تمثل رأي المركز والمشاركين، لكن قيمتها تبقى محدودة إذا لم نعرف من استلمها داخل المؤسسة ومن ناقشها وما الذي قُبل منها أو رُفض وما أسباب ذلك.

ولهذا لا بد من التفريق بين الوصول والتأثير:

 فالوصول يعني أن يتمكن المركز من دعوة المسؤول، أو إيصال تقرير إليه، أو المشاركة في اجتماع رسمي.

 أما التأثير فيعني أن تدخل فكرة أو توصية محددة في وثيقة أو برنامج أو تعليمات، وأن ترتبط بجهة مسؤولة وموارد وجدول زمني، ثم تظهر نتيجة يمكن قياسها.

وبين الوصول والتأثير مراحل عديدة قد تتوقف عند أي واحدة منها، ولا يعني التأثير أن تقبل المؤسسة التوصية كما وردت، فقد يظهر أثر المركز في تعديل القرار أو إعادة صياغة المشكلة أو استبعاد بديل ثبتت كلفته أو مخاطره أو دفع المؤسسة إلى البحث عن خيار آخر، المهم أن يكون من الممكن تتبع هذا الأثر ومعرفة موقعه في عملية القرار.

 وقد يكون للمركز أثر غير مباشر لا يظهر في قرار محدد، فقد يسهم في إدخال قضية إلى النقاش العام أو في تغيير الطريقة التي تفهم بها المؤسسة المشكلة أو في جمع أطراف لم تكن بينها قناة حوار، وهذا أثر مهم، لكنه لا ينبغي أن يستخدم بديلاً عن إثبات الأثر المباشر عندما يدعي المركز أن توصياته أصبحت سياسة حكومية.

 لماذا لا تصل معرفة المراكز إلى المؤسسات؟

       هناك أسباب تتعلق بمؤسسات الدولة نفسها، وأولها غياب الطلب المنظم على المعرفة، فالمسؤول يعمل وسط ملفات وضغوط يومية كثيرة وإذا لم تكن في مؤسسته جهة تتابع إنتاج المراكز والجامعات وتربطه بأولوياتها، فإن الدراسات تتحول إلى أوراق إضافية قد تقرأ وقد لا تقرأ ويبقى الوصول إلى الخبرة مرتبطاً بمن يعرفه المسؤول أو يقترحه أحد مستشاريه.

كما لا توجد معايير معلنة تساعد المؤسسة على فرز المراكز، فالاسم القانوني وكثرة الأنشطة والقرب من المسؤول لا تثبت جودة المركز، والجهة الحكومية تحتاج إلى معرفة تخصصه وفريقه ومنهجه ومصادر تمويله وسجله في الموضوع. لكنها في الغالب لا تملك هذه المعلومات مجتمعة، ولذلك قد تتعامل مع الجميع بصورة واحدة، أو تعمم تجربة سلبية مع مركز واحد على بقية المراكز.

وهناك أيضاً إشكالية داخل الجهاز الإداري، فليس كل ما يسمعه الوزير يصل إلى المديريات وليس كل ما ترفعه الدوائر يصل إلى الوزير، وقد لا يرغب بعض الموظفين في إدخال رأي خارجي إلى ملف يعدونه من اختصاصهم، أو يخشون أن يكشف البحث قصوراً في الأداء، وبذلك قد يكون المسؤول الأعلى راغباً في الاستفادة لكن القناة بينه وبين الموظفين المكلفين بالتنفيذ غير موجودة أو غير متعاونة.

وثمة سبب آخر يتعلق بتعدد الجهات التي تشارك في صناعة القرار، فالقرار لا يصدر دائماً عن مكتب مسؤول واحد، وإنما يمر بين مستويات إدارية وقانونية ومالية وسياسية مختلفة، وقد يقتنع الوزير بتوصية يقدمها مركز فكري لكن تنفيذها يحتاج إلى موافقة جهة أخرى أو تخصيص مالي أو تعديل قانوني أو تعاون من مؤسسة لا تشارك الرؤية نفسها.

وتعد البيانات من أكبر العوائق، فالمركز يحتاج إلى بيانات حكومية دقيقة كي يقدم توصية واقعية والحكومة تحتاج إلى تحليل مستقل كي تقيم سياساتها، لكن ضعف إتاحة البيانات يجعل البحث أقرب إلى التقدير ثم تستخدم المؤسسة غياب الدقة سبباً لعدم الاعتماد عليه. وهنا تنشأ دائرة مغلقة: الدولة لا تفتح البيانات، والمركز لا يستطيع تقديم الدليل الذي تطلبه الدولة.

كما لا يمكن تجاهل أثر السياسة في القرار، فبعض القرارات لا تصاغ على أساس المعرفة وحدها وإنما تتداخل فيها التوازنات الحزبية والمصالح والضغوط والاعتبارات المالية، وقد تكون المؤسسة قد حددت اتجاهها مسبقاً ثم تدعو المركز بعد ذلك لتوفير غطاء معرفي أو لإظهار أنها استمعت إلى الخبراء، وفي مثل هذه الحالات لا تكون المشكلة أن المسؤول لا يعرف المراكز، وإنما أنه لا يريد معرفة تفرض عليه مراجعة قرار اتخذ لأسباب أخرى.

أيضاً ان استخدام المعرفة لا يرتبط بجودتها وحدها وإنما بالحوافز التي تحيط بالقرار، فقد تكون التوصية واقعية ومدعومة بالأدلة، لكنها تفرض مراجعة برنامج معلن أو تكشف ضعف إجراء قائم أو تتعارض مع مصلحة سياسية أو إدارية، فتكون كلفة الأخذ بها أعلى من كلفة تجاهلها، وعندما لا توجد مساءلة عن سبب رفض التوصيات أو إهمالها، يصبح الاستماع إلى المراكز فعلاً اختيارياً، ويمكن أن تتحول المشاركة إلى مظهر من مظاهر الانفتاح من دون أن تفرض أثراً حقيقياً في القرار.

والمعرفة المستقلة قد تكون غير مريحة، لأنها قد تبين أن المشكلة عُرفت بصورة غير دقيقة أو أن البرنامج المعلن لا يملك تمويلاً كافياً أو أن المستفيدين منه ليسوا الفئة المقصودة أو أن استمرار إجراء معين يخدم مصالح محددة.

ولذلك قد يكون المركز الذي يطرح أسئلة صعبة أقل حضوراً من المركز الذي يكتفي بتأييد الاتجاه العام، وهذا أمر لا يمكن تعميمه على جميع المؤسسات والمسؤولين لكنه احتمال واقعي ينبغي أن يدخل في تفسير ضعف تأثير المراكز.

ويضاف إلى ذلك اختلاف الزمن بين البحث والقرار. فالمراكز تحتاج إلى وقت لجمع البيانات وتحليلها وفحص البدائل، في حين تعمل المؤسسات أحياناً تحت ضغط الأزمة والإعلام والحاجة إلى اتخاذ موقف سريع، وقد تصل الدراسة بعد أن تكون نافذة القرار قد أغلقت أو بعد أن تكون المؤسسة قد التزمت باتجاه يصعب التراجع عنه.

وفي حالات أخرى تعرف المؤسسة المركز وتستفيد من بعض أفكاره، لكنها لا تشير إلى مصدرها ولا تبني معه علاقة مستمرة، فتبقى ملكية القرار داخل المؤسسة ويضعف الحافز لدى المركز، ولا تتكون ذاكرة تسمح بتراكم الثقة. وعند تغير المسؤول تنتهي العلاقة ويبدأ المركز من جديد مع الإدارة التالية.

لذلك فإن السؤال عما إذا كان المسؤول لا يعرف المراكز أو لا يريدها لا يملك جواباً واحداً فقد يكون عدم المعرفة ناتجاً عن غياب الخريطة والقناة، وقد يكون التجاهل مرتبطاً بعدم الرغبة في فتح القرار أمام معرفة مستقلة وقد يرغب المسؤول في الاستفادة لكنه لا يملك القرار كاملاً، أو لا تملك مؤسسته القدرة على ترجمة المعرفة إلى إجراء قابل للتنفيذ، وفي جميع الأحوال تبقى النتيجة متقاربة: معرفة موجودة خارج المؤسسة، ومشكلات يعاد تشخيصها من دون الاستفادة الكاملة من عمل سبق إنجازه.

 مسؤولية المراكز عن فاعليتها

    لا يكتمل التحليل إذا وضعت المسؤولية كلها على الدولة، فوجود مركز جيد ومنتج لا يعني أن كل ما يصدر عنه صالح للاستخدام الحكومي، فقد تكون دراسته مهمة في تفسير المشكلة لكنها لا تقدم للمؤسسة ما يساعدها على اختيار إجراء محدد أو تصميم بديل قابل للتنفيذ.

وتظهر هذه الإشكالية في التوصيات العامة من نوع ضرورة الاهتمام بالشباب أو تفعيل دور الثقافة أو مكافحة خطاب الكراهية....

فهذه عناوين صحيحة، لكنها لا تحدد ما الذي يجب فعله ومن يفعله وبأي أداة قانونية أو إدارية وكم يكلف ومتى تظهر النتيجة، يستطيع المسؤول أن يوافق عليها جميعاً ثم يعود إلى مكتبه من دون أن تكون أمامه خطوة عملية واحدة.

كما أن الدراسة الطويلة، مهما كانت جيدة، لا تصل دائماً إلى المسؤول بالصيغة التي يحتاجها، فالبحث الكامل ضروري للتوثيق والمراجعة لكنه يحتاج إلى موجز يضع المشكلة والبدائل والكلفة والمخاطر أمام صاحب القرار وإلى ملحق فني يفيد الموظفين المكلفين بالتنفيذ وإلى شرح واضح للجمهور. والمركز الذي ينتج بلغة واحدة يضيق دائرة استخدام ما ينتجه.

وتبقى الشفافية شرطاً أساسياً للثقة، فعندما لا يعلن المركز مصادر تمويله ومنهجه وعلاقات باحثيه ومصادر بياناته، يسهل على المؤسسة أن تشكك في حياده، وفي بيئة سياسية مستقطبة قد يقرأ التقرير بحسب هوية ناشره قبل قراءة حجته. ولذلك ينبغي أن يكون الإفصاح والمراجعة والتصحيح جزءاً من عمل المركز، لا مجرد استجابة للنقد.

وقد لا يتطابق ما تنتجه بعض المراكز مع الأسئلة التي تواجه الدولة والمجتمع، لأن أجندة البحث قد ترتبط أحياناً بأولويات التمويل أو المشروعات المتاحة، فتتكرر موضوعات تحظى باهتمام الجهات الممولة بينما تبقى مشكلات محلية ملحة خارج دائرة البحث. ولا تكمن الإشكالية في وجود التمويل الخارجي أو المحلي بحد ذاته، وإنما في قدرة المركز على حماية أولوياته المعرفية وعدم تحويل نشاطه إلى استجابة مؤقتة لعناوين المشروعات.

ويحتاج المركز أيضاً إلى أن يختبر معرفته خارج دائرة النخب والعاصمة، فالمشكلة الواحدة قد تختلف بين محافظة وأخرى، وقد تكون التوصية مقنعة في إطارها النظري لكنها لا تراعي قدرات الإدارات المحلية أو ظروف الفئات المتأثرة بها، وكلما اقترب البحث من الميدان أصبحت توصياته أكثر قدرة على إقناع المؤسسة وإجابة اعتراضاتها.

كما تضعف المؤسسة عندما ترتبط بشخص واحد، فإذا كانت العلاقات والبحث والتمويل والنشر كلها بيد المؤسس أو المدير فقد يصل المركز إلى مسؤول لكنه لا يبني شراكة تتجاوز العلاقة الشخصية. وعندما يتغير المسؤول أو يغيب المؤسس تعود المؤسسة إلى نقطة البداية.

ومن نقاط الضعف أيضاً تشتت المراكز وتنافسها على الاعتراف والتمويل، حتى في القضايا التي تحتاج إلى تعاون. فقد تعمل عدة مراكز في الموضوع نفسه من دون قاعدة بيانات مشتركة أو مشروع تراكمي أو توزيع للأدوار، وهذا يجعل كل مركز معروفاً في دائرته، لكنه لا يصنع قطاعاً معرفياً منظماً تستطيع الدولة التعامل معه والاستفادة منه.

ثم تأتي المتابعة بعد نشر الدراسة أو انتهاء المؤتمر، فكثير من المراكز ينتقل مباشرة إلى نشاط جدي ولا يسجل من استلم توصياته وما الذي قُبل منها أو رُفض وما الملاحظات التي قدمتها الجهة المعنية وكيف يمكن تعديل المقترح. وبهذا يصبح النشاط متراكماً في العدد لا في الخبرة والتعلم.

ومع ذلك، فإن ضعف بعض نتاج المراكز لا يبرر غياب الطلب الحكومي، فعندما تعلن الدولة أسئلتها وأولوياتها ومعاييرها وبياناتها والوقت المتاح، تستطيع المراكز أن تطور ما تقدمه.

 نحو علاقة مؤسسية مع صانع القرار

تحتاج العلاقة بين المراكز الفكرية ومؤسسات الدولة إلى الانتقال من التعارف الشخصي التعاون المستدام، ويمكن أن يبدأ هذا المسار بأن تعلن كل وزارة أو هيئة مجموعة من الأسئلة والمشكلات ذات الأولوية، مرتبطة بإعداد خطتها وموازنتها وتشريعاتها، ثم تفتح المجال أمام المراكز والجامعات لتقديم الأدلة والمقترحات وفق معايير معلنة.

كما يمكن إنشاء خريطة مهنية مفتوحة للمراكز والخبراء تبين مجالات التخصص والمنتجات والفريق والمنهج والتمويل وسجل التعاون وينبغي ألا تتحول هذه الخريطة إلى ترخيص سياسي أو وسيلة لمنح الاعتراف لمن يوافق جهة رسمية، وإنما تكون أداة للتعريف والشفافية والفرز المهني، مع بقاء المجال مفتوحاً للمؤسسات الجديدة.

وتحتاج الوزارات إلى وحدات صغيرة للأدلة والارتباط البحثي، تتولى ترجمة حاجة المسؤول إلى سؤال بحث والبحث عن المراكز والجامعات التي تملك معرفة به، وفحص جودة ما يقدم، ثم نقل نتائجه إلى دوائر التخطيط والقانون والموازنة والمتابعة. والأهم أن تكون هذه الوحدات جزءاً من صناعة السياسة، لا عنواناً ملحقاً بالإعلام المؤسسي.

وينبغي أن تسبق الاستشارة اتخاذ القرار. فجلسة الاستماع تكون مفيدة عندما تكون الخيارات ما تزال مفتوحة، ويشارك فيها الباحثون والموظفون المنفذون والجهات القانونية والمالية والفئات المتأثرة. أما دعوة المراكز بعد اعتماد الاتجاه، فلا تنتج في الغالب إلا تعليقاً متأخراً أو مشاركة شكلية.

كما ينبغي تطوير العقود والمنح البحثية التنافسية، بحيث تعلن الأسئلة والمعايير والنتائج، ويحفظ للمركز حق نشر خلاصاته، حتى لا يصبح التمويل العام ثمناً للولاء وهذا يساعد على نمو خبرة عراقية مستدامة، بدلاً من اعتماد الدولة المستمر على مشروعات قصيرة أو خبرة خارجية تنتهي بانتهاء العقد.

وفي المقابل، ينبغي أن تطور المراكز عملها الداخلي من حيث التخصص والحوكمة والمنهج والتمويل المعلن، وأن تنتج معرفة متعددة الصيغ تناسب الباحث والمسؤول والموظف والجمهور، وأن تنشر تقريراً دورياً يبين أين وصلت توصياتها وما الذي تعطل. وبهذا تتحول الثقة من علاقة شخصية إلى سجل يمكن فحصه.

إن الغاية ليست أن تحل المراكز محل الحكومة أو البرلمان، فصناعة القرار مسؤولية المؤسسات الدستورية، وإنما أن يكون القرار العراقي أكثر معرفة بالمشكلة والبدائل والنتائج المحتملة.

وظيفة المركز أن يقدم معرفة مستقلة وقابلة للاستخدام، ووظيفة الدولة أن تطلبها في الوقت الصحيح، وتوضح ما فعلته بها، وتتابع أثرها في التنفيذ.

 إن العبارة التي قيلت في تلك الأمسية: "أين هم النخب؟"، بقيت مهمة لأنها تكشف المسافة بين وجود النخب وبين حضورها في المؤسسة، فهناك مراكز عراقية نوعية راكمت معرفة في مشكلات المجتمع واستطاعت أن تبقى وتنمو، لكن ذلك لا يعني أنها أصبحت جزءاً من صناعة القرار.

وقد لا يعرف المسؤول هذه المراكز؛ لأن الدولة لا تملك خريطة وقناة وذاكرة تحفظ إنتاجها، وقد يعرفها لكنه لا يريد للمعرفة المستقلة أن تراجع قراره أو تقيده، وقد يرغب في الاستفادة منها لكنه لا يملك القرار كاملاً أو لا تملك مؤسسته القدرة على تحويل المعرفة إلى إجراء.

وقد تكون المشكلة في المركز نفسه حين لا يحول بحثه إلى بدائل قابلة للتنفيذ أو لا يتابع مصير توصياته. ولذلك فإن المسؤولية مشتركة، وإن كانت مسؤولية الدولة أكبر؛ لأنها تملك القرار والموارد وأدوات التنفيذ.

ولا يكفي أن يجلس أصحاب المراكز أمام المسؤول كي يراهم بوصفهم شركاء في المعرفة، كما لا يكفي أن يحضر المسؤول مؤتمراً كي تصبح مؤسسته شريكاً، فالفاعلية تبدأ عندما تعرف المؤسسة المركز بتخصصه وجودة إنتاجه، وتطلب رأيه قبل القرار وتناقش توصياته مع المنفذين وتعلن استجابتها ثم يمكن تتبع ما تبنته في الموازنة والتنفيذ والنتيجة.

وعند ذلك لا يعود السؤال: أين هم النخب؟

بل يصبح السؤال: ما المشكلة التي نحتاج إلى فهمها، ومن يملك أفضل معرفة بها، وكيف ندخل هذه المعرفة في القرار العراقي؟

هذا هو المعيار الحقيقي لفاعلية المراكز الفكرية وهو الذي ينقلها من الحضور في المجال العام إلى التأثير في مؤسسات الدولة وحياة الناس.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٥:٥٧ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

حين تعجز السنوات عن محو الغياب: 

رثاء يستعيد محمد خضير عثمان
آراء

حين تعجز السنوات عن محو الغياب: رثاء يستعيد محمد خضير عثمان

ليس الموت وحده ما يوجعنا حين نفقد الذين أحببناهم؛ فالموت، على قسوته، لحظةٌ فاصلة، أما ما يأتي بعده فهو الامتحان الأكثر قسوة: أن تستمر الحياة وكأن شيئاً لم يحدث، وأن تبقى الطرق كما هي، والأمكنة في مواضعها، والوجوه تعبر أمامك، بينما يغيب وجه واحد كان جزءاً من تفاصيل أيامك. هنا تبدأ الحكاية الحقيقية…

· 6 د
المثقف العراقي والواقع السياسي..

 لماذا بقي التأثير محدوداً؟؟
آراء

المثقف العراقي والواقع السياسي.. لماذا بقي التأثير محدوداً؟؟

منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ظل المثقف العراقي يحلم بأن يكون ضمير المجتمع وأن يقود عملية التغيير عبر الكلمة والفكر والنقد إلا أن هذا الحلم اصطدم بواقع سياسي شديد التعقيد جعل الثقافة في أغلب الأحيان تقف على هامش القرار بينما احتلت السلطة والقوة والمال مركز الفعل السياسي وهكذا بقي المثقف يكتب…

· 4 د
سُلطة القهر وأطياف البدء:

حفريات فلسفية في ديمومة العنف والسلطة بالشرق الأوسط
آراء

سُلطة القهر وأطياف البدء: حفريات فلسفية في ديمومة العنف والسلطة بالشرق الأوسط

بنية الوجود وأشكال الوعي الجمعي البدئية تتطلب مقاربة ظاهرة العنف والسلطة في مجتمعات الشرق الأوسط تجاوز التفسيرات الوقائعية العابرة، والنفاذ إلى الطبقات التكوينية العميقة للوعي الجمعي؛ حيث تتشكل الرؤى الغيبية الكلية وتستقر الأنماط البدئية الموجهة للسلوك البشري والمؤسسة للأنظمة السياسية. ينهض مفهوم…

· 7 د