إنّ العلم هو اللبنة الأساسية التي شُيِّد عليها عالم شبكات التواصل الاجتماعي، غير أنّ المفارقة تكمن في أنّ هذا العلم انتهى، في كثير من الأحيان، إلى خدمة من لا علم له. فقد أصبح في متناول الجاهل أن ينشئ محتوى مصوّرًا، وينشر مقاطع الفيديو، ويكتب التعليقات، ويؤثّر في الآخرين، من دون أن يكون لما يقدّمه قيمة معرفية حقيقية.
ولا أقصد بالجهل هنا غياب المعرفة وحده، بل جهل الفائدة أيضًا؛ أي أن نعرف تفاصيل حياة الآخرين أكثر مما نعرف أنفسنا، وأن نهدر أوقاتنا في متابعة يوميات لا تضيف إلينا شيئًا. وهكذا أصبح التفكير مشوّهًا، وانصبّ تركيزنا على شاشة نلامسها بأصابعنا، حتى إذا غابت عنّا شعرنا بالتشتّت في الواقع. صرنا نزور الأماكن عبر الشاشات قبل أن نصل إليها بخطواتنا، ونعيش تفاصيل بعيدة وكأنها أقرب إلينا من حياتنا الحقيقية.
لقد جعل هذا العلم البعيد قريبًا، ولكن قربًا افتراضيًا، حتى غدت الأوهام في أحيان كثيرة أقرب من الحقيقة، ولم تعد هناك مسافات إلا تلك التي تفصل بين تطبيق وآخر على شاشة الهاتف، وتقطعها حركة إصبع.
وهنا تحوّل العلم إلى أداة سهلة الاستخدام، وأصبحت حركات الأصابع مصدرًا للربح. أرقام تصعد وتهبط في فضاء رقمي لا علوّ فيه ولا انخفاض حقيقي، وإنما مشاهدات ونقرات وأصفار. وهذه الأرقام ليست سوى اقتطاعات من أوقات المستخدمين؛ فكل دقيقة يضيّعها المشاهد قد تتحول إلى مكسب لصانع المحتوى.
لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي أشبه بقارة افتراضية نتحرك داخلها بأصابعنا، ولا يُقاس فيها الزمن إلا بما يمكن أن يتحول إلى إعلان أو مشاهدة. وصانع المحتوى، في هذه المعادلة، ليس سوى تاجر للوقت؛ يأخذ وقتك ثم يبيعه للمعلنين. فأنت تمنحه انتباهك، وربما تمنح مالك أيضًا للسلعة التي يروّج لها أحدهم أمامك.
بهذا المعنى، يتحول المشاهد نفسه إلى بضاعة؛ بضاعته هي وقته واهتمامه وماله المحتمل. وبلغة الأرقام، يصبح صانع المحتوى خوارزمية، ويصبح المستخدم رقمًا داخل هذه الخوارزمية. عندها لا تعود صحة الفكرة أو خطؤها هي الأهم، بل عدد من شاهدها وتفاعل معها.
ومع هذا كله، فإن كثيرًا مما يقدّمه صانع المحتوى ليس سوى ماضٍ نستهلك فيه حاضرنا؛ نضيّع وقت الحاضر لمشاهدة شيء انتهى قبل أن يصل إلينا، والقبول المستمر بهذا الاستنزاف يبدو كأنه نوع من الجنون الذي اعتدنا عليه حتى لم نعد نراه كذلك.
ثم جاء الذكاء الاصطناعي ليضيف بُعدًا جديدًا إلى هذه المسألة. فمن جهة، أصبح أداة قوية تساعد صانع المحتوى، وتزيد قدراته، وتختصر عليه الوقت والجهد. ومن جهة أخرى، قد يزيد من قدرة المستخدمين على إضاعة المزيد من الوقت، كما قد يجعل الإنسان العادي قادرًا على الظهور بمظهر الرسام أو المفكر أو المغني من داخل هاتفه، من دون أن يمرّ دائمًا بطريق التعلّم الطويل.
وهنا تظهر المفارقة مرة أخرى: عبقرية الذكاء الاصطناعي قد تصبح في خدمة من لا يريد أن يتعلّم، لأنّه يجد أمامه أداة تمنحه نتائج سريعة تغنيه، في ظنّه، عن المعرفة والخبرة. كما أنّ تطور هذه التقنيات قد يعمّق مشكلة الكذب والتزييف، إلى درجة يصعب فيها على كثيرين التمييز بين الحقيقة وما تم تصنيعه رقميًا.
وقد يأتي وقت يشعر فيه الناس بالإرهاق من هذا العالم المصنوع، فيعودون إلى الواقع بحثًا عن شيء أكثر صدقًا، وأبعد عن الكذب الذي لم يعد يُميَّز بسهولة.
وهكذا، فإن كل هذا العلم العظيم، بما يحمله من إمكانات مذهلة، يمكن أن يتحول إلى مجرد رفاهية للغافل، وأداة نجاح للجاهل، إذا لم يصاحبه وعي حقيقي بكيفية استخدامه، وبقيمة الوقت الذي نمنحه له.







التعليقات