حين يكتب طالب محمود السيد بشغاف روحه، لا يبدو كأنه يروي حكاية بالمعنى المألوف، بل كأنه يندب شيئاً ضاع، ويستحضر شيئاً لم يوجد تماماً، ويصرخ في وجه واقع لا يستطيع إثباته ولا يريد إنكاره. ثمة في كتابته منطقة لغوية وسردية يمكن أن نسميها، بشيء من المغامرة النقدية، “سردية الكأنما” (As-If Narrativity): ذلك النوع من السرد الذي يجعل القارئ واقفاً باستمرار بين “حدث” وقع، و”رؤيا” ربما وقعت، وذاكرة أعادت صناعة ما وقع حتى أصبح أكثر غرابة من الخيال. إنها حالة الـ”كأن”، والـ”كأنما”، والـ”كما يبدو”، والـ”كما تريد”؛ حيث لا تعود اللغة وسيلة لإخبارنا بما جرى، بل تصبح آلة لإرباك الحدود بين ما جرى وما كان يمكن أن يجري. في “الوقائع الغريبة في اختفاء حافظ ابن عجيبة”، تبدأ الحكاية من واقعة تبدو قابلة للتحقيق: رجل اسمه حافظ اختفى. لكن النص لا يسمح لهذه الواقعة أن تستقر طويلاً في عالم السببية اليومية. فما إن نبحث عن حافظ حتى ندخل قطاعاً شعبياً له جغرافياه ولهجته وحيواناته وخرافاته ونساؤه ومقاهيه وجوامعه وحسينياته، ثم نكتشف أن البحث عن الرجل الغائب ليس سوى الباب الصغير المؤدي إلى مغارة سردية هائلة. إننا لا نسأل بعد قليل: أين ذهب حافظ؟ بل: في أي عالم نحن؟ ومن الذي يرى؟ ومن الذي لا يرى؟ وهل العمى هو فقدان البصر أم امتلاك بصر آخر؟ وهنا تكمن فرادة النص؛ فهو يجعل الغرابة تنمو من داخل اليومي، ولا يسقطها عليه من الخارج. وهذا قريب من الوظيفة التي تجعل الأدب يعيد الأشياء المألوفة إلينا بعد أن ينزع عنها ألفتها، فيغدو الحي الشعبي الذي نعرفه مكاناً نراه للمرة الأولى، وتتحول الحيوانات التي نعبر بجوارها كل يوم إلى “جيش”، ويتحول الأعمى إلى شاهد، والمبصرون إلى نيام، والجدار بين بيتين إلى حدود بين عالمين. فاللغة الأدبية لا تستمد قوتها هنا من الموضوع وحده، وإنما من الطريقة التي تعيد بها ترتيب علاقات الأشياء داخل النص. وهذا هو أحد المبادئ النقدية التي تنطلق من استقلال العالم النصي، ومن كون الأدبية كامنة في كيفية تشكيل المادة لا في غرابة مادتها وحدها.
حين يصبح "القطّاع" بوابة إلى بلاد الجن
المكان عند طالب محمود السيد لا يبقى مكاناً جغرافياً. “القطاع” يبدأ حياً شعبياً عراقياً يمكن التعرف إلى تفاصيله: بيوت متجاورة، حيطان، مقهى، فرن، جامع، حسينية، ساحة، سوق، سدة، مستوصف، حيوانات مدجنة، وأسماء تنتمي إلى ذاكرة المحلة. لكن السرد يقوم بعملية بطيئة تكاد لا نشعر بها، ينقل خلالها المكان من الجغرافيا الواقعية إلى الجغرافيا المتخيلة. لا توجد لحظة يقول فيها الراوي: انتهى الواقع وبدأ العجيب. وهذه نقطة جوهرية؛ لأن قوة الحكاية تأتي من امتناعها عن إقامة هذه الحدود. "عجيبة" نفسها هي أول شق في جدار الواقع. اسمها ليس بريئاً: إنها “عجيبة” قبل أن تفعل شيئاً عجيباً. ملابسها مختلفة، عصابتها السوداء، شعرها الأشيب المنسدل، المجمر، الحرمل، المستكة، الدخان الأبيض المزرق، ثم “الرطينة” التي لا يفهمها الجيران. تتكون الغرابة بواسطة تراكم العلامات. والسرد لا يقول لنا إنها ساحرة، ولا يثبت أنها تتصل بالجن. المجتمع نفسه هو الذي ينتج هذا المعنى. حين يسمع ملا خشيّن صوتها يهرب صارخاً: “هاي المره تحاچي جني”. هنا تتحول الجهالة باللغة إلى معرفة شعبية بالغيب: ما لا أفهمه لا يبقى مجهولاً، بل أعطيه تفسيراً. وتزداد اللعبة جمالاً حين نعرف أن العبارة التي تسمع من بيت عجيبة: “الله يارديم سين اولسن” ليست بالضرورة تعويذة من بلاد الجن. ولكن المهم سردياً ليس “حقيقة” العبارة، بل ما تفعله داخل الجماعة. فالعلامة لا تملك معناها وحدها؛ معناها يتشكل من علاقتها بخوف ركن، وتأويل ملا خشين، وهروبه، ثم تداول النساء للحكاية. وبذلك يتحول الهمس إلى جن، والجن إلى طائر ضخم، والطائر إلى ذئب يطرق الباب. كل راوٍ شعبي يضيف طبقة إلى الواقعة، حتى يصبح المروي أكبر من الحدث الذي أنشأه. هذه إحدى أجمل حيّل النص: إنه يصنع الأسطورة أمام أعيننا. لسنا أمام أسطورة مكتملة ورثتها الجماعة، وإنما أمام مختبر اجتماعي نشاهد داخله كيف تولد الأساطير: خبر غامض، ثم تأويل، ثم خوف، ثم تناقل، ثم إضافة، ثم قسم بأغلظ الأيمان، وأخيراً ذاكرة جماعية لا يستطيع أحد أن يعيدها إلى الواقعة الأولى.

الأعمى الذي رأى والمبصرون الذين ناموا
يبلغ البناء مفارقته الكبرى مع گطامي الأعمى. فمنذ اللحظة التي يقول فيها الحاج جبار: “گول بصير، انت بصير گطامي مو اعمى، الاعمه اعمه الگلب”، ينتقل العمى من حالة جسدية إلى نظام دلالي. لم يعد السؤال: هل يرى گطامي؟ وإنما: من يمتلك حق الرؤية داخل هذه الحكاية؟ هنا تعمل “سردية الكأنما” بأقصى طاقتها. الأعمى يخبرنا أنه رأى عبد الحسين البيسكلچي، ورأى الحيوانات، وتبع الموكب. والرجل المبصر، الحاج جبار، يمتلك بدوره شهادة مكتوبة في دفتر أصفر. بذلك لا يعود ممكناً التخلص من رواية گطامي باعتبارها هذيان أعمى، لأن النص يضع إلى جوارها شهادة ثانية. لكنه، في الوقت نفسه، لا يسمح لنا باعتبارها حقيقة موضوعية؛ فالحدث نفسه يتجاوز قوانين الواقع: حيوانات تمشي في سكينة مهيبة، أرجلها تكاد تطفو، وجوامع تتكلم في لحظة واحدة، وسدة تنفتح ثم تنغلق. النص إذن لا يطالب القارئ بالتصديق ولا يسمح له بالتكذيب. وهذه هي الـ”كأنما” تحديداً: اقرأ كأن ما حدث قد حدث، ولكن لا تنسَ أنه ربما لم يحدث؛ واشكك فيه كأنه خيال، ولكن لا تنسَ أن شاهدين أقسما، بطريقتهما، أنهما رأياه. وتتعمق المفارقة حين يكون سكان القطاع جميعاً نائمين. إنهم أصحاب العيون الذين لا يرون، بينما الأعمى يرى. هنا يتجاوز النص اللعبة العجائبية إلى طبقة رمزية أعمق. فالافتتاحية نفسها تمنحنا مفتاحاً: “إن كنت لا ترى إلا ما يُرى، ولا تسمع إلا ما يُسمع، فأنت لا ترى ولا تسمع”. لقد أعلن النص منذ البداية أنه سيخلخل العلاقة بين الحاسة والمعرفة. ومن منظور بنائي، ليست مفردات العمى والبصر والسمع والصمت والنوم موزعة اعتباطاً. إنها تؤسس شبكة من الثنائيات: بصير/أعمى، مستيقظ/نائم، مسموع/غير مسموع، مرئي/غير مرئي، موجود/غائب، إنسان/حيوان، واقع/خرافة. والمعنى لا يقيم في أحد الطرفين، وإنما يتولد من التوتر بينهما؛ فالمنظور البنيوي إلى النص يتعامل معه بوصفه شبكة علاقات تنتج عناصرها دلالاتها من مواقعها داخل النسق، لا من وجودها منفردة.
جيش الحيوانات: حين ينقلب الهامش إلى مركز
المشهد الأشد فتنة هو ذلك “الركب المهيب” الذي يضم الأبقار والصخول والكلاب والقطط والبط والحمير والخيول والجاموس والدجاج والخرفان، حتى “الجريذية”. ثمة سخرية عراقية شديدة المرارة في هذا التعداد. فالراوي يمنح الحيوانات مقاماً احتفالياً يكاد يكون ملحمياً: إنها لا تهرب ولا تتدافع، بل تسير في نظام و”وقار وسكينة”، يقودها نجم المسودن ثم حافظ ابن عجيبة. واللافت أن الحيوان هنا أكثر انتظاماً من الإنسان. الحيوانات تستيقظ حين ينام البشر. تسمع النداء حين يعجز البشر عن سماعه. تجتمع حين يتفرق البشر. تعرف وجهتها حين يبدو البشر فاقدين الاتجاه. إن النص يقلب سلم الموجودات من غير أن يعلن ذلك فلسفياً. الهامشي يصير مركزياً، والمركز يختفي. الحيوان يصبح شاهداً، والإنسان يصبح غائباً عن الواقعة التي تجري أمام بيته. بل إن النص يذهب أبعد: أسماء الأشخاص نفسها تنتمي إلى تخوم المجتمع؛ عجيبة، گطامي الأعمى، نجم المسودن. كأن الجماعة التي لا يثق بها العقل الاجتماعي المعياري هي وحدها القادرة على الوصول إلى الحقيقة المحجوبة. إنهم، بلغة أخرى، أرشيف الهامش. أما العالم “العاقل” والمنظم والمبصر، فقد نام.
وهنا نستطيع فهم وظيفة اللهجة الجنوبية في النص. إنها ليست زينة فولكلورية ولا محاولة لإضفاء “نكهة شعبية”. اللهجة جزء من هندسة العالم. “تگول فص ملح وذاب”، “مدري منين اجو”، “هاي المره تحاچي جني”، “انت بعد گمت تشوف”؛ هذه العبارات لا يمكن استبدالها بسهولة بفصحى معيارية من دون أن نخسر شيئاً من جهاز النص الإدراكي. فالشخصيات لا تتكلم باللهجة فقط؛ إنها تفكر باللهجة وتتخيل العالم بواسطتها. وبذلك يصبح تعدد الأصوات أساساً في بناء الحقيقة. الراوي يقول، ركن تقول، ملا خشين يؤول، سعدونة تقسم، شتالة تشهد، أبو الجوز يخبر، گطامي يرى، والحاج جبار يكتب. لا يمتلك أحد الرواية كاملة. كل واحد يحمل قطعة من حافظ، حتى يصبح حافظ نفسه نتيجة مجموع الروايات التي تتحدث عن غيابه. وهذا يفسر لماذا لا ينبغي البحث عن “المعنى الصحيح” الوحيد للنص. فالقراءة النقدية المتعددة لا تعني أن كل تفسير صحيح بالتساوي، بل إن النص يستطيع إنتاج مستويات مختلفة من الدلالة، شرط أن تبقى القراءة مرتبطة بعلاماته وبنيته اللغوية. وهذا التصور يرفض القراءة الوحيدة المغلقة، ويجعل تعدد المنظورات وسيلة للكشف عن أبعاد كانت القراءة الأحادية تحجبها.
حافظ لم يختفِ: إنه مؤجل إلى أن نستعيد أبصارنا
ثم تأتي الجملة التي تعيد بناء النص كله: “حافظ طار... إنه سيعود، حين يسترد الناس سمعهم وبصرهم”. عندها نفهم أن الاختفاء لم يكن نهاية الحكاية، بل كان معناها المؤجل. من هو حافظ؟ الاسم نفسه يفتح أبواباً: حافظ الذاكرة؟ حافظ السر؟ حافظ الشيء الذي فقده الناس؟ لا يجيب النص، والأجمل أنه لا ينبغي له أن يجيب. فإذا حوّلنا حافظ إلى رمز واحد قتلنا الحكاية. قوة الشخصية كامنة في أنها تحتمل أن تكون رجلاً غائباً، أو ذاكرة مفقودة، أو وعياً جماعياً، أو حقيقة لا يراها الناس، من دون أن تستقر نهائياً في أي واحدة منها. وهنا تبلغ “سردية الكأنما” صورتها الأكثر صفاءً. النص يبني نظاماً دلالياً، ثم يبدأ في زعزعته من الداخل. فلدينا شهود، ولكن شهادتهم مستحيلة. لدينا واقعة، ولكن قوانينها عجائبية. لدينا أعمى يرى. ولدينا مبصرون لا يرون. لدينا حيوانات تعرف الطريق وبشر فقدوه. لدينا غائب يعد بالعودة، لكن موعد العودة مشروط باسترداد الناس حاستين يملكونهما جسدياً ويفتقدونهما وجودياً. إن المعنى، بهذا التصور، لا يستقر عند نقطة نهائية؛ فكلما اعتقد القارئ أنه قبض عليه فتح النص أمامه احتمالاً آخر. وهذه إحدى النتائج الأساسية للانتقال من النظر إلى النص بوصفه نسقاً مغلقاً إلى مساءلة تناقضاته الداخلية وانفتاح دلالته، بحيث تصبح القراءة نفسها مشاركة في إنتاج المعنى لا مجرد استخراج لمعنى مودع سلفاً في الكلمات. ولهذا تبدو عبارة “بلاد الجن” وصفاً جميلاً لعالم طالب محمود السيد، بشرط ألا نفهم الجن بالمعنى الخرافي البسيط.
بلاد الجن هي الواقع حين نزيح عنه قشرته اليومية، إنها القطاع نفسه، وساحة غنتاب، وفرن أبي خشم، وسوق العورة، والسدة، والجامع؛ لكنها الأماكن ذاتها بعد منتصف الليل، حين يتوقف الناس عن رؤيتها وتبدأ هي برؤية نفسها. وربما هنا تكمن خصوصية هذا النوع من الكتابة. طالب محمود السيد لا يحتاج إلى أن يأخذنا إلى جزيرة أسطورية أو مدينة خيالية. إنه يأخذ أكثر الأماكن ألفة، ثم يحركها بضعة سنتيمترات عن موضعها الواقعي؛ وفجأة يصبح كل شيء غريباً. وهذه هي إحدى وظائف الأدبية الأساسية: جعل المألوف غير مألوف، بحيث نستعيد قدرتنا على رؤيته بعدما أفسد الاعتياد قدرتنا على النظر. لذلك أقترح تسمية هذه الحالة في كتابته “سردية الكأنما”. وهي ليست الواقعية السحرية تماماً، ولا الأدب العجائبي وحده، ولا الفانتازيا، ولا الحكاية الشعبية الخالصة. إنها منطقة سردية تقوم على إبقاء العالم في حالة احتمال وجودي: كأن الأمر حدث، وكأنه لم يحدث؛ كأن الأعمى رأى، وكأن المبصر هو الأعمى؛ كأن الحيوانات تعرف، وكأن البشر نسوا؛ كأن حافظ مات، وكأنه حي؛ كأنه غادر القطاع، وكأنه لا يزال مختبئاً في ذاكرته. والأكثر إيلاماً أن الضحك الذي يملأ النص لا يلغي الندبة الكامنة تحته. نحن نضحك من ملا خشين وهو يهرب، ومن سيد جابر وهو “يعض دشداشته”، ومن ركن المغطاة بالمرق، ومن گطامي الذي يرى وهو أعمى؛ لكن هذا الضحك ينتهي أمام رجل اختفى وأم بقيت وحيدة وجماعة فقدت القدرة على السمع والبصر. الكوميديا هنا قشرة المأساة، والخرافة قناع الفقد، والعجيب طريقة الذاكرة في احتمال ما لا تستطيع احتماله إذا رُوي بلغة الواقع وحدها. وهنا تحديداً يكتب طالب محمود السيد بشغاف روحه: كأنه يندب، كأنه يصرخ، كأنه يستحضر شيئاً من مغارة في بلاد الجن. لكنه، في اللحظة الأخيرة، يجعلنا نشك في العبارة كلها: ربما لم تكن المغارة في بلاد الجن أصلاً؛ ربما كانت في آخر القطاع، خلف السدة مباشرة. وربما لم يكن حافظ هو الذي اختفى. ربما نحن الذين اختفينا. وبقي حافظ هناك، ينتظر فقط أن نسترد سمعنا وبصرنا.








التعليقات