أوقفني رجل ستيني عند منتصف الدرب. وجهه يحمل الحكمة العراقية التي لا تأتي من الكتب، وإنما من كثرة ما رأى من مصائب حتى صار قادراً على تمييز الكارثة من ظلّها.كان ذلك في شهر آب، الشهر الذي قررت فيه الشمس، على ما يبدو، أن تنتقم شخصياً من العراقيين، وأن تجعل بغداد فرنًا مفتوحًا بلا خبز.وقتها الحديث عن الكهرباء بلغ مرحلة متقدمة من الفلسفة الحكومية؛ إذ بدا أن وزارة الكهرباء الموقرة تفكر في حلّ تاريخي لمشكلة الحرارة: إعادة تسمية شهر آب إلى كانون الثاني.وهكذا، بدل أن نوفر الكهرباء، نوفر على الناس عناء معرفة الفصل الذي يعيشون فيه. اقترب مني الرجل وقال:ـ شوقي… سؤال.؟
قلت:ـ تفضل.
قال، وهو ينظر حوله كأنه يتأكد أن أحداً من وزارة الثقافة لا يسمعه:ـ كيف تصدقون أنفسكم، ومن دون حياء، أن في العراق ثقافة؟!!
سكتُّ.قال:ـ لا، لا تجيبني بسرعة… خلينا نفكر.
ثم رفع إصبعه، وبدأ يعدّ:ـ التعليم؟
قلت:ـ موجود.
قال:ـ وين؟
قلت:ـ موجود على الورق.
ابتسم.
ـ الصحة؟
قلت:ـ موجودة.
قال:ـ وين؟
قلت:ـ في البيانات.
ضحك.
ـ القانون؟
قلت:ـ موجود.
قال:ـ يُطبَّق؟
قلت:ـ أحياناً.
قال:ـ الدولة؟
قلت:ـ موجودة.
نظر إليّ طويلاً، ثم قال:ـ الله يساعدك… أنت بعدك تؤمن بالمعجزات.

ثم مشى خطوتين وعاد.
ـ اسمعني. إذا التعليم لم يعد تعليماً، والصحة لم تعد صحة، والقانون لم يعد قانوناً، والدولة لم تعد دولة… فمن أين تأتي الثقافة؟
قلت:ـ ربما من الناس.
قال:ـ الناس؟
ثم انفجر ضاحكاً:ـ أي ناس؟ هؤلاء الذين تعلموا من المدرسة أن النجاح يحتاج إلى واسطة، ومن المستشفى أن المرض يحتاج إلى جيب، ومن الدائرة أن المعاملة تحتاج إلى معرفة، ومن الشارع أن القانون يطبق على من لا يعرف أحداً؟
ثم وضع يده على رأسي وقال:ـ أنتم لا تعيشون أزمة ثقافة يا ولدي… أنتم تعيشون ثقافة الأزمة!
وهنا بدأت أفهم.الثقافة ليست مهرجاناً سنوياً نضع فيه منصة، ونرفع عليها لافتة ضخمة، ثم يأتي المسؤول ليتحدث عن أهمية الثقافة في بناء الإنسان.الثقافة ليست قصيدة يلقيها شاعر أمام وزير.وليست كتاباً يوضع على رف مكتبة لا يدخلها أحد.وليست مؤتمراً ينتهي بتوصيات جميلة، ثم تعود التوصيات إلى أدراجها لتعيش هناك حياة كريمة، بعيدة عن حرارة آب وانقطاع الكهرباء.الثقافة، ببساطة، هي ما يتعلمه الإنسان من الحياة ويكرره حتى يصبح طبيعياً.
وهنا تبدأ الكارثة.
إذا كان المواطن يرى الفساد كل يوم، ويتعلم كيف يتعايش معه، فهذه ثقافة.إذا كان يرى القانون يُكسر أمامه، ثم يتعلم كيف يحمي نفسه من القانون بدلاً من احترامه، فهذه ثقافة.
إذا كان الطفل يرى أباه يبحث عن واسطة لإنجاز أبسط معاملة، سيتعلم أن الواسطة ليست عيباً، بل مهارة اجتماعية.وإذا رأى الموظف أن النزاهة قد تجعله وحيداً، بينما الفاسد يملك السيارة والبيت والحماية، فسوف يبدأ بمراجعة موقفه من الأخلاق.
وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة:ماذا لو كانت الدولة نفسها هي المدرسة الأكبر؟
(بتبع)








التعليقات