انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

ثقافة الحكومة… ثقافة الناس!

شوقي كريم حسن
شوقي كريم حسن

قاص وكاتب عراقي.

3 دقائق للقراءة
34 مشاهدة1 تعليق
ثقافة الحكومة… ثقافة الناس!
مشاركة:

أوقفني رجل ستيني عند منتصف الدرب. وجهه يحمل الحكمة العراقية التي لا تأتي من الكتب، وإنما من كثرة ما رأى  من مصائب حتى صار قادراً على تمييز الكارثة من ظلّها.كان ذلك في شهر آب، الشهر الذي قررت فيه الشمس، على ما يبدو، أن تنتقم شخصياً من العراقيين، وأن تجعل بغداد فرنًا مفتوحًا بلا خبز.وقتها  الحديث عن الكهرباء  بلغ مرحلة متقدمة من الفلسفة الحكومية؛ إذ بدا أن وزارة الكهرباء الموقرة تفكر في حلّ تاريخي لمشكلة الحرارة: إعادة تسمية شهر آب إلى كانون الثاني.وهكذا، بدل أن نوفر الكهرباء، نوفر على الناس عناء معرفة الفصل الذي يعيشون فيه. اقترب مني الرجل وقال:ـ شوقي… سؤال.؟

قلت:ـ تفضل.

قال، وهو ينظر حوله كأنه يتأكد أن أحداً من وزارة الثقافة لا يسمعه:ـ كيف تصدقون أنفسكم، ومن دون حياء، أن في العراق ثقافة؟!!

سكتُّ.قال:ـ لا، لا تجيبني بسرعة… خلينا نفكر.

ثم رفع إصبعه، وبدأ يعدّ:ـ التعليم؟

قلت:ـ موجود.

قال:ـ وين؟

قلت:ـ موجود على الورق.

ابتسم.

ـ الصحة؟

قلت:ـ موجودة.

قال:ـ وين؟

قلت:ـ في البيانات.

ضحك.

ـ القانون؟

قلت:ـ موجود.

قال:ـ يُطبَّق؟

قلت:ـ أحياناً.

قال:ـ الدولة؟

قلت:ـ موجودة.

نظر إليّ طويلاً، ثم قال:ـ الله يساعدك… أنت بعدك تؤمن بالمعجزات.

ثقافة الحكومة… ثقافة الناس!

ثم مشى خطوتين وعاد.

ـ اسمعني. إذا  التعليم لم يعد تعليماً، والصحة لم تعد صحة، والقانون لم يعد قانوناً، والدولة لم تعد دولة… فمن أين تأتي الثقافة؟

قلت:ـ ربما من الناس.

قال:ـ الناس؟

ثم انفجر ضاحكاً:ـ أي ناس؟ هؤلاء الذين تعلموا من المدرسة أن النجاح يحتاج إلى واسطة، ومن المستشفى أن المرض يحتاج إلى جيب، ومن الدائرة أن المعاملة تحتاج إلى معرفة، ومن الشارع أن القانون يطبق على من لا يعرف أحداً؟

ثم وضع يده على رأسي وقال:ـ أنتم لا تعيشون أزمة ثقافة يا ولدي… أنتم تعيشون ثقافة الأزمة!

وهنا بدأت أفهم.الثقافة ليست مهرجاناً سنوياً نضع فيه منصة، ونرفع عليها لافتة ضخمة، ثم يأتي المسؤول ليتحدث عن أهمية الثقافة في بناء الإنسان.الثقافة ليست قصيدة يلقيها شاعر أمام وزير.وليست كتاباً يوضع على رف مكتبة لا يدخلها أحد.وليست مؤتمراً ينتهي بتوصيات جميلة، ثم تعود التوصيات إلى أدراجها لتعيش هناك حياة كريمة، بعيدة عن حرارة آب وانقطاع الكهرباء.الثقافة، ببساطة، هي ما يتعلمه الإنسان من الحياة ويكرره حتى يصبح طبيعياً.

وهنا تبدأ الكارثة.

إذا كان المواطن يرى الفساد كل يوم، ويتعلم كيف يتعايش معه، فهذه ثقافة.إذا كان يرى القانون يُكسر أمامه، ثم يتعلم كيف يحمي نفسه من القانون بدلاً من احترامه، فهذه ثقافة.

إذا كان الطفل يرى أباه يبحث عن واسطة لإنجاز أبسط معاملة، سيتعلم أن الواسطة ليست عيباً، بل مهارة اجتماعية.وإذا رأى الموظف أن النزاهة قد تجعله وحيداً، بينما الفاسد يملك السيارة والبيت والحماية، فسوف يبدأ بمراجعة موقفه من الأخلاق.

وهنا يصبح السؤال أكثر خطورة:ماذا لو كانت الدولة نفسها هي المدرسة الأكبر؟

(بتبع)

مشاركة:
شوقي كريم حسن
شوقي كريم حسن

قاص وكاتب عراقي.

آخر تحديث: ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٦:٠٣ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

عزفٌ على جثةِ حمارٍ ميت
آراء

عزفٌ على جثةِ حمارٍ ميت

منذُ أن وقفَ أجدادُنا النياندرتال أمامَ النارِ الأولى وحرقوا ألسنتهم لأنهم ظنوا أن الضوءَ طعمُهُ لذيذ ونحنُ نكررُ الخطيئةَ ذاتها بنفسِ الحماسِ الأعمى ، اخترعنا العجلةَ كي نصلَ أسرع لكننا اكتشفنا أن المكانَ الذي وصلنا إليهِ ليس بأفضلَ من المكانِ الذي هربنا منه ، اخترعنا الكتابةَ لنخلّدَ أفكارنا…

· 8 د
فلسفة الكتابة من الذات إلى الوجع الإنساني
آراء

فلسفة الكتابة من الذات إلى الوجع الإنساني

الكتابة بوصفها اعترافًا بالعجز وانتصارًا للإنسان مقال فكري تأملي في فلسفة الكتابة وأسئلة الذات والوجع الإنساني حسن غريب أحمد كاتب ناقد باحث روائي مصري ليست الكتابة دائمًا فعلًا صادرًا عن روح واثقة من نفسها، ولا هي بالضرورة ثمرة عقل استقر على إجابات نهائية، أو نفس امتلكت من اليقين ما يجعلها قادرة…

· 13 د
 إِذَا كَانَ المَصِيرُ مَكْتُوبًا، فَأَيْنَ الِاخْتِيَارُ؟ 
الإرادتان الإلهيَّتان وحقيقة الاختيار ومسؤوليَّة المكلَّفين
آراء

إِذَا كَانَ المَصِيرُ مَكْتُوبًا، فَأَيْنَ الِاخْتِيَارُ؟ الإرادتان الإلهيَّتان وحقيقة الاختيار ومسؤوليَّة المكلَّفين

إِذَا كَانَ المَصِيرُ مَكْتُوبًا، فَأَيْنَ الِاخْتِيَارُ؟ الإرادتان الإلهيَّتان وحقيقة الاختيار ومسؤوليَّة المكلَّفين بقلم: د. زُبير سُلطان رَبّانِيْ ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ إذا كان الله سبحانه وتعالى قد عَلِمَ أعمال…

· 12 د