الذي صار صورة مكبرة للمجتمع. والمجتمع ليس بريئاً من حكومته.
لكن الحكومة ليست بريئة من المجتمع.إنها دائرة عظيمة من التقليد:—-المواطن يقلّد المسؤول.
المسؤول يقلّد المواطن.والاثنان يقلدان الخراب.ثم نقيم ندوة بعنوان:
—دور الثقافة في بناء الإنسان العراقي!
ويأتي الجميع في موعدهم.إلا الكهرباء.فهي، كما يبدو، ما زالت تبحث عن عنوان الندوة.في العراق…
الثقافة تحتاج إلى مولدة.والمولدة تحتاج إلى وقود.والوقود يحتاج إلى واسطة.والواسطة تحتاج إلى معرفة.
والمعرفة تحتاج إلى شخص يعرف شخصاً.وهكذا نكتشف، بعد كل هذا التاريخ، أن المشكلة لم تكن أن الثقافة اختفت.المشكلة أن البلد اخترع ثقافة كاملة للبقاء وسط الخراب.ثقافة تجعل الرجل الستيني يقف في منتصف الطريق، ويسألني بسخرية:ـ إذا كان كل شيء قد صار شيئاً آخر…فماذا تبقى من العراق؟
الكنني لم أقتنع تماماً بكلام الرجل الستيني.ليس لأني أملك جواباً أفضل، وإنما لأن العراقي، حتى في أكثر لحظاته اقتناعاً بالكارثة، يحب أن يترك نافذة صغيرة للأمل.قلت لنفسي:
—ربما ما زالت هناك ثقافة.ربما الثقافة العراقية لم تمت.ربما… هربت من البلد.
بحثت عنها في المدارس، فلم أجدها.
وجدت سبورات، ودفاتر، وطلاباً يحفظون ما لا يفهمون، ومعلمين يحاولون أن يصنعوا من المستحيل درساً يومياً.ذهبت إلى الجامعة.
وجدت شهادات أكثر من المعرفة، وألقاباً أكثر من الأسئلة، وأحياناً طالباً يتخرج وهو يعرف كيف يحصل على الشهادة أكثر مما يعرف كيف يناقش فكرة.
قلت:ـ ربما الثقافة هنا.
قال لي أحدهم:ـ لا تتعب نفسك… الثقافة عندنا تنتظر التعيين.
ذهبت إلى المستشفى.قلت:ـ ربما الثقافة هنا، فالإنسان حين يمرض يصبح أكثر وعياً بقيمة الحياة.
وجدت مريضاً ينتظر.وطبيباً ينتظر.
وممرضاً ينتظر.وأهلاً ينتظرون.
ودواء ينتظر.حتى الموت، على ما يبدو، كان ينتظر دوره.سألت:ـ أين الثقافة؟
قالوا:ـ في الطابق الثاني.
صعدت.كان الطابق الثاني مغلقاً.
قلت:ـ لماذا؟
قالوا:ـ الكهرباء.
رجعت.قلت:ـ حسناً… ربما الثقافة في وزارة الثقافة.
ثم توقفت.وهنا أدركت أني دخلت في منطقة خطرة.لأن الثقافة إذا تحتاج إلى وزارة حتى تكون موجودة، فربما علينا أن نبدأ أولاً بتعريف كلمة «ثقافة».هل الثقافة أن نطبع ألف كتاب لا يقرأها أحد؟
هل الثقافة أن نحتفل بالشاعر بعد موته؟
هل الثقافة أن نمنح جائزة لمن يعرف كيف يتحدث أمام المسؤول؟
هل الثقافة أن نرفع صور المثقفين على الجدران، ثم نترك أفكارهم تموت تحت الغبار؟
أم الثقافة أن نعلّم الطفل كيف يسأل؟
أن يقول:ـ لماذا؟
وهذه الـ«لماذا» بالذات تبدو أخطر كلمة في قاموسنا.لأن الطفل الذي يسأل «لماذا؟» يكبر ليصبح مواطناً مزعجاً.يسأل:—لماذا لا توجد كهرباء؟
—لماذا لا توجد مستشفيات؟
—لماذا المدرسة بهذا الحال؟
—لماذا هذا المسؤول؟
—لماذا هذه الأموال؟
—لماذا هذه المشاريع؟
—لماذا هذا الخراب؟
ولذلك، من الأفضل أحياناً أن نعلّم الطفل سؤالاً آخر:ـ شلون أمورك؟
فيجيب:ـ تمام.
وينتهي الأمر.هذه ثقافة.ثقافة «تمام»!
كل شيء تمام.الراتب قليل؟ تمام.
الكهرباء مقطوعة؟ تمام.
الماء ملوث؟ تمام.
المدرسة متهالكة؟ تمام.
المستشفى مزدحم؟ تمام.
الشارع حفرة؟ تمام.
القانون لا يعمل؟ تمام.
المسؤول لا يعمل؟ تمام.
الدولة لا تعمل؟
هنا نخفض صوتنا قليلاً ونقول:ـ الله كريم.
وهذه الجملة وحدها تستحق أن تكون معلقة على واجهة الجمهورية.«الله كريم».عبارة عراقية عظيمة. نستخدمها عندما لا نملك خطة. وعندما لا نملك جواباً.وعندما لا نملك كهرباء.وعندما لا نملك وظيفة.وعندما لا نملك علاجاً.وعندما لا نعرف ماذا يحدث غداً.فنرفع أعيننا إلى السماء ونقول:ـ الله كريم.والله كريم فعلاً.
لكن يبدو أننا أخذنا كرمه ذريعة لكي لا نمارس مسؤوليتنا.وهنا المشكلة.
لأن المجتمع الذي ينتظر الحل من السماء، بينما يترك الأرض لمن يعبث بها، لا يستطيع بعد ذلك أن يتساءل:
ـ لماذا وصلنا إلى هنا؟
وصلنا لأننا تعودنا.والاعتياد أخطر من الفقر.الفقر يؤلمك.أما الاعتياد فيجعلك لا تشعر بالألم.تعتاد أن تنتظر.تعتاد أن تُهان.تعتاد أن تدفع.
تعتاد أن تسكت.تعتاد أن ترى الخطأ.
ثم تقول:ـ عادي.
و«عادي» هذه أصبحت عندنا مؤسسة رسمية غير معلنة.عادي أن ينقطع التيار.عادي أن يتأخر الراتب.
عادي أن يتعطل المشروع.عادي أن لا يُحاسب أحد.عادي أن يخرج المسؤول ليقول كلاماً لا علاقة له بالواقع.
عادي أن نصدق.ثم نكذب أنفسنا.
ثم ننسى.ثم نعيد الكرة.وبعد كل ذلك نسأل:ـ أين الثقافة؟
يا سادة…الثقافة موجودة.إنها أمامنا.
نحن الذين صنعناها.ثقافة المواطن الذي يلعن الفساد صباحاً، ثم يبحث عنه ظهراً لإنجاز معاملته.
ثقافة الموظف الذي يشكو من المحسوبية، ثم يستخدمها عندما يحتاجها.
ثقافة الأب الذي يطلب من ابنه أن يكون نزيهاً، ثم يقول له:ـ بس إذا احتجت شي، دبر نفسك.
ثقافة المدرسة التي تتحدث عن المواطنة، بينما الطفل يرى أمامه دولة لا تعرف كيف تحترم المواطن.
ثقافة الحكومة التي تطلب من الناس الصبر، بينما هي لا تصبر على انتقاد واحد.
وهنا، يا صديقي، يصبح السؤال أكثر قسوة:من يربي من.. الحكومة تربي المجتمع ..أم المجتمع يربي الحكومة
أم أننا دخلنا جميعاً في مدرسة واحدة اسمها:—كيف تعيش رغم أن كل شيء ضدك؟
المدرسة مفتوحة على مدار الساعة.
لا عطلة صيفية.لا عطلة شتوية.لا تحتاج إلى كهرباء.فقد تعلمنا أ الدرس في الظلام.
وهذه، ربما، أعظم إنجازاتنا الثقافية.
تذكرت الرجل الستيني.بحثت عنه في الشارع.لم أجده.لكني وجدت رجلاً آخر، في السبعين، جالساً أمام دكان صغير، يراقب الناس.قلت له:ـ عمي، برأيك عندنا ثقافة؟
نظر إليّ طويلاً.قال:ـ أكيد.
فرحت.قلت:ـ وينها؟
قال:ـ بالطابور.
قلت:ـ شنو علاقة الطابور بالثقافة؟
قال:ـ لأننا تعلمنا أن نقف ساعات حتى يأتي دورنا، ثم يأتي واحد يعرف واحداً، ويدخل قبلك.
ضحك.وقال:ـ وأنت تعرف شنو الثقافة؟
قلت:ـ شنو؟
قال:ـ أن تعرف أن هذا يحدث… ومع ذلك تقف في الطابور.
ثم عاد إلى صمته.
وأنا عدت إلى السؤال نفسه:مالذي تبقى من العراق؟
ربما بقي العراق.لكن السؤال الحقيقي:—أي عراق؟
عراق الكتب التي لم نقرأها؟
عراق المدارس التي لم تعد تعلم؟
عراق المستشفيات التي تنتظر الدواء؟
عراق المواطن الذي صار خبيراً في احتمال المستحيل؟
عراق المسؤول الذي صار خبيراً في تفسير المستحيل؟
ربما العراق لم يختفِ. نحن الذين غيّرنا تعريفه.صرنا نعتبر بقاءنا فيه إنجازاً.وصبرنا عليه بطولة.وصمتنا حكمة.وتعايشنا مع الخراب واقعية.
ثم نذهب مساءً إلى بيوتنا، نشغل المولدة، ونفتح التلفزيون، ونشاهد برنامجاً عن:—بناء الدولة والمجتمع.
نضحك.ليس لأن البرنامج مضحك.
بل لأننا، بعد كل شيء، ما زلنا نملك القدرة على الضحك.وهذه آخر قطعة ثقافة لم تستطع الدولة مصادرتها.
الضحك.لكنني أخشى حتى من هذا.
لأننا إذا ضحكنا طويلاً على الخراب…
قد يأتي يوم لا نعود فيه نعرف:-هل نسخر من العراق،،أم أن العراق يسخر منا؟
في آخر الليل، عدت إلى البيت. آب ما يزال واقفاً فوق بغداد مثل موظف حكومي لا يريد أن ينهي دوامه. الكهرباء مقطوعة.
المولدة تصرخ.
الهواء الساخن يدخل من النافذة كأنه مواطن آخر جاء ليشتكي ولا أحد يريد أن يسمعه.
جلست وحدي، وأعدت سؤال الرجل الستيني:—كيف تتحدثون عن الثقافة، وكل شيء قد انتهى؟
حاولت أن أجد جواباً.فلم أجد. قلت لنفسي:—ربما أخطأ الرجل.
العراق لم يفقد الثقافة.العراق أنتج ثقافة جديدة.ثقافة الصمت حين يجب الكلام.ثقافة التصفيق حين يجب السؤال.ثقافة الواسطة حين يجب القانون.ثقافة الانتظار حين يجب العمل.ثقافة «دبّر نفسك» حين يجب أن تكون هناك دولة.وثقافة «الله كريم» حين يعجز الجميع عن تقديم أي شيء.
ثقافة جعلت المواطن يتعلم كيف يعيش بلا دولة، وكيف يمرض بلا صحة، وكيف يتعلم بلا تعليم، وكيف يبحث عن حقه من دون قانون.
ثم فجأة فهمت المفارقة الكبرى:
لم تعد الحكومة بحاجة إلى أن تفرض ثقافتها على الناس.الناس، من شدة التكرار، صاروا يحملونها في رؤوسهم.
وهنا تكمن الكارثة.حين يصبح الخراب عادة، يصبح إصلاحه فكرة غريبة.
وحين يصبح الفساد جزءاً من الحياة اليومية، يصبح النزيه شخصاً يحتاج إلى تفسير.وحين يصبح السؤال خطراً، يصبح الصمت نوعاً من الثقافة.
لذلك، ربما لا يكون السؤال:—مالذي تبقى من العراق؟
بل:—ماذا تبقى فينا من العراق الذي كان يجب أن يكون؟
وقبل أن أنام، سمعت صوتاً من الشارع.كان الرجل الستيني .لا أعرف كيف عاد، ولا من أين جاء، لكنه صاح:
ـ شوقي!
فتحت النافذة.
ـ نعم؟
قال:ـ لا تنسَ تكتبها!
قلت:ـ شنو؟
قال:ـ أخطر شيء مو أن الدولة فقدت ثقافتها…أخطر شيء أن الناس بدأوا يتعلمون منها!
ثم اختفى.بقيت واقفاً عند النافذة.
كانت بغداد، في تلك اللحظة، غارقة في الظلام.لكن شيئاً واحداً ظل مضيئاً:
—السؤال.
وربما…ما دام في العراق من يسأل: —لماذا؟
فلم ينتهِ كل شيء بعد.أما إذا توقفنا عن السؤال…هنا …يحق لنا أن نسأل فعلاً:مالذي تبقى من العراق!








التعليقات