يصدَع الفكر البشري بحكايا سوداوية عن آخر الزمان وما ستفضي إليه خطايا البشر ونزقهم، ولعلّ ذلك يأتي في سياق التمهيد للانعطافة الكبيرة التي ستنتُج جرّاء ذلك، بحسب اعتقاد بشري ذائع. بل إن فساد الدنيا يبدو وكأنّه إحدى علامات آخر الزمان، والتي تمثّل خاتمة الوجود البشري على الأرض، إيذاناً برفعهم إلى السماء لمحاسبتهم، ومكافأة بعضهم في الجنة وإلقاء آخرين في النار. وبحسب العقائد الدينية يظلّ الشيطان مُغوياً للبشر حتى اللحظة الأخيرة التي تسبق القيامة، ولكن ما يظهر من فساد آخر الأمر يعني إن إبليس ستشتدّ مساورته الناس لاتخاذ طريق الخطيئة، الأمر الذي ينتهي بقيام الساعة.
تحكي النصوص السومرية، على سبيل المثل لا الحصر، عن دواعي حدوث الطوفان وإفناء الناس جميعاً، وسبب ذلك هو ما آل إليه حال البشر من خراب وفساد، فكان أن حلّ غضب الآلهة على الناس، عقاباً لطغيانهم. ورغم أن قصص الطوفان تتناول انقضاء الحياة الفاسدة، إلاّ أنّها تلمح لبداية حياة جديدة لأناس صالحين، غير أن الفكرة الرئيسية لحدوث العقوبة-الطوفان، هي الفوضى التي تسبب بها البشر على الأرض، الأمر الذي يشير إلى تشابه دوافع الغضب الإلهي والمتعلّقة بنوازع الشرّ في نفس المخلوق، وهو ما يعيدنا لدافع التشاؤم المرافِق لتصوّرات النهاية المريعة، للحياة على وجه البسيطة.
يمكن الافتراض بأن ما تختزنه الطبيعة من مفاجآت غير محسوبة، فتقضي في وقت قصير على مجموعات سكانية كاملة، كهيجان البحر حين يأتي دون سابق إنذار فيُهلِك الناس حتى قبل أن يَفهَموا ما جرى. وكذلك الزلازل التي ما زالَت تحتفظ حتى اليوم ومع كلّ التقدّم العلمي والتكنولوجي بقدرتها على صنع المفاجأة قبل التمكّن من اكتشافها. وغير ذلك من مظاهر طبيعية؛ الحرائق، الرياح العاتية، الأمراض والأوبئة... لعلّ ذلك كلّه أوحى لبني البشر بفكرة آخر الزمان. مثلما كانت، ولم تَزَل، ظاهرة الموت الرهيبة المستَغلَقة وعدم عودة أحّد من الموتى ليخبرنا بأسرار ما بعد الحياة، كانت دافعاً لقيام البشر بتخيّل حياة أخرى تلي حياة الأرض، وربّما أضاف لاحقاً لتلك الفكرة، تنويعة الاهتمام بالفضائل وتقويم السلوك في فترة الحياة، لتكون سبباً في عقوبة أو هديّة سماوية. كما تخيّل داعياً لمفاجآت الطبيعة بأن يسبقها غلوّ في اعوجاج السلوك.
تتماثل فكرة آخر الزمان، من حيث تزايد الفتن وتدهور القيم الإنسانية وانسداد الأفق والشعور بالاستلاب، مع ما يشبهها في الفترات التي تسبق التغيّرات المفصلية لتاريخ الأمم حين يصير الوضع متردّياً غير قابل للحلول الإصلاحية، آنذاك ينفجر التغيير الكبير فيُزيل معظم القيم القديمة لصالح قيمٍ مستحدثة تتناسب مع التحوّل الجذري. مثلما حلّ في الجزيرة العربية بالانتقال إلى العصر الإسلامي، والذي يُعَدّ بدايةً لقيام حضارة عربية-إسلامية انتشرت في معظم أنحاء شرق الأرض. وكما صار في الغرب الأوروبي عشيّة الانتقال العظيم من العصور الوسطى إلى العصور الحديثة، والتي لم تغيّر وجه أوروبا الغربية فحسب، بل غيّرَتْ وجه العالم قاطبةً. فتنعكس تلك الأحداث الجليلة على صيغة تجريدات وتعميمات وقوانين صادقة، تشير إلى أن أيّ عبور من عصر إلى آخر، لا يتمّ إلاّ حين يبلغ الحال أرذل مدياته.
التفاؤل والتشاؤم، ثنائية أصيلة فرضتها الطبيعة على الحياة البشرية بأفرادها ومجتمعاتها، وليس لنا إلاّ أن نتذكر إن مصير الكائنات الحيّة على إطلاقها يؤول إلى الموت والغِيابْ. والقيمة القابعة خلف فلسفة الأدوار الرئيسية لحياة البشر، ترتكز على البهجة التي تحلّ عند الولادة، بينما تتمثل الأخرى بالحزن والكمد الذي يرافق الرحيل عن الدنيا. فأينما توجد الولادة فإن الموت، لا بدّ أن يحلّ في يوم لاحق غير معلوم. وعلى ذلك تبدو فَجاءَةَ الموت، حتى بمقدماتها التي يرفض البشر الأخذ بها أو وضعها في حسبانه، قاعدةً يمكن أن تُفسّر التشاؤم الطاغي على تَخيّل آخر الزمان، بصفته صنواً للاحتضار ثم الموت.
تميل النفس البشرية إلى تضخيم معاناتها، ولعلها تلتذّ بذلك الشعور، ربما لأنه يمنح الراحة المتأتية من الحزن؛ حكايات شعبية مليئة بالوجع، أغانٍ ترشح ألماً، قصص، روايات، أفلام... يُقال في الدراسات النفسية إن الحزن يحفر عميقاً في الذاكرة على عكس الفرح الذي يتبخّر منها سريعاً، ولذلك يحافظ الإنسان على اجترار آلامه، ففي ذلك السلوك ما يُرضي نزعة المأساة الكامنة في الروح. بالطبع، هذا لا يُلغي الشعور الأخر المضاد للحزن؛ الفرح، فالشعورين متلازمان كثنائية أخرى من الثنائيات العديدة المنزرعة في البشر أفراداُ ومجتمعات. كما وتكشف الكثير من الفنون والآداب جانبا فَرِحاً متفائلاً مشرقاُ في الذات الإنسانية، ولكن، ومثلما أسلفنا، إن الحزن يوجع وينحت سواء في الوعي أو اللاوعي أكثر من الفرح، وهو أبقى من هذا الأخير في الذاكرة. ولعل هذا الميل للحزن شَكّل دافعاً مضافاً للتشاؤم في رؤية أخر الزمان وما سيؤول إليه المصير.
تتداخل قصة آخر الزمان والتي يليها قيام الساعة، مع قصة المنقذ للبشرية من ضَلالها والتي يعقبها العدل الذي يسود الأرض ودوام الحياة الدنيا، حتى حين. هذا التداخل يتعلق بفكرة وقوع الفساد والفوضى في الحالتين، ثم يلحَقها حدث ظهور، أو نزول المنقِذ الذي يملأ الدنيا عدلاً بعد أن مُلِئَت ظلما وجورا. على أن نهاية الحياة الدنيا، ستكون موعداً لا مناص منه حتى بعد مجيء المنقِذ، إذ ستظهر علامات أخرى شديدة الغرابة والشؤم تُنذِر بالحدث العظيم، حيث أن الانعطافة الكبرى أو الأخيرة للوجود الأرضي، لا بدّ أن يكون التهيّؤ لها بخَطبٍ جللٍ، بقصد تنبيه الغافلين من الناس ليتّعظوا حسبما ترى الديانات، لينطوي عندها سجلّ الحياة الدنيا. وبرغم كلّ العلامات التي تسبق الساعة، غير أنها لا يعلمها إلاّ الله، كونها من أخبار الغيب المجهول، ولعل المقصود بذلك هو التوقيت الدقيق الحاسم المباغِت.
رفض جلجامش القبول بواقعة الموت بكونها حقاً ينزل بكلّ بني البشر، وجَدّ في طلب الخلود ومن ثَمّ فشل، كما هو مُتَوّقَع. إلاّ أنّ تشاؤميتة كانت، في بعدها الفلسفي، على عكس التشاؤميات الأخرى التي ينتهي بها المطاف إلى الموت أملاً في كسب حياة أخرى ونعيم لا يزول. فقد خَلُصت ملحمة جلجامش إلى الحثّ على السعي للحصول على حياة مدعومة بالعمل والانجاز، بعد أن فشل في تحقيق الخلود الذي خاطَرَ في سبيله ومرّ في طريقه بالأهوال الجِسام، حيث أيقن جلجامش أخيراً إن عمل الخير والصلاح هو الطريق القويم لخلود الأنسان، بعد ما يغادر حياته الأولى مغادرة فناء محتوم.







التعليقات