انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

العلاقات العامة.. هل أصبحت رهينة عدد الإعجابات والمتابعين؟

زيد محمد كاظم
زيد محمد كاظم

كاتب وناقد عراقي

4 دقائق للقراءة
26 مشاهدة
العلاقات العامة.. هل أصبحت رهينة عدد الإعجابات والمتابعين؟
مشاركة:

تقاس نجاحات بعض المؤسسات اليوم بعدد الإعجابات التي تحققها منشوراتها، وعدد المتابعين الذين تضيفهم صفحاتها، وكأن العلاقات العامة تحولت من علمٍ لإدارة السمعة وبناء الثقة إلى سباق رقمي تحكمه الخوارزميات. ولم يعد مستغربًا أن تحتفل مؤسسة بوصول صفحتها إلى مئات الآلاف من المتابعين، بينما لا يعرف كثير من هؤلاء ماذا تقدم المؤسسة، ولا يشعرون بقيمة حقيقية في خدماتها. هذا التحول فرضته الثورة الرقمية، لكنه في الوقت نفسه خلق وهمًا جديدًا؛ فالأرقام الكبيرة لا تعني بالضرورة تأثيرًا كبيرًا، كما أن المنشور الذي يحصد آلاف الإعجابات قد لا يغير فكرة واحدة في ذهن الجمهور، بينما قد تنجح مبادرة ميدانية صغيرة في بناء ثقة تستمر لسنوات. ففي العراق، أصبحت معظم المؤسسات الحكومية والخاصة، والجامعات، وحتى المنظمات المدنية، تتنافس على الحضور في وسائل التواصل الاجتماعي. وأصبح لكل مؤسسة فريق إعلامي يسعى إلى إنتاج صور أكثر، وفيديوهات أكثر، وتصاميم أكثر جاذبية. وهذا أمر إيجابي إذا كان جزءًا من استراتيجية اتصال متكاملة، لكنه يصبح مشكلة عندما تتحول الأرقام إلى الهدف، وتغيب الرسالة. يمكن لأي متابع أن يلاحظ صفحات مؤسسات عراقية تنشر يوميًا عشرات الصور لاجتماعات وزيارات واحتفالات، وتحصد آلاف الإعجابات، لكن إذا سأل أحد المواطنين عن آلية إنجاز معاملة، أو موعد إعلان نتائج، أو سبب تأخر خدمة معينة، فقد لا يجد إجابة واضحة. هنا يظهر الفرق بين إدارة الصفحة وإدارة العلاقة مع الجمهور.

ويرى الباحث ويلبور شرام  أحد رواد نظريات الاتصال، أن نجاح الرسالة لا يقاس بعدد من استقبلها، بل بقدرتها على تحقيق الفهم والتأثير. وهذه الفكرة تكشف خللًا شائعًا في بعض ممارسات العلاقات العامة؛ إذ يُنظر إلى الانتشار على أنه نجاح، بينما يغيب السؤال الأهم: ماذا فهم الجمهور؟ وكيف غيّرت الرسالة من مستوى ثقته بالمؤسسة؟ وفي الواقع العراقي، أصبحت بعض المؤسسات أسيرة لمؤشرات رقمية قد تكون مضللة. فهناك صفحات تضم أعدادًا كبيرة من المتابعين، لكنها تعاني من ضعف التفاعل الحقيقي، أو تكرار المحتوى، أو غياب المعلومات التي يحتاجها المواطن. وفي المقابل، توجد مؤسسات لا تمتلك حضورًا رقميًا ضخمًا، لكنها تحظى باحترام جمهورها لأنها تقدم خدمات جيدة، وتتواصل معه بوضوح وشفافية.

وتبرز هذه الظاهرة أيضًا في الجامعات العراقية. فقد أصبح الاهتمام منصبًا أحيانًا على تصوير كل نشاط، ونشر كل زيارة، وتوثيق كل اجتماع، بينما يقل الاهتمام بتقديم محتوى علمي، أو تسليط الضوء على إنجازات الباحثين، أو الإجابة عن استفسارات الطلبة. وهكذا تتحول الصفحة الرسمية إلى ألبوم صور أكثر منها منصة اتصال أكاديمي. وأن بعض المؤسسات أصبحت تنتج محتوى يهدف إلى جذب التفاعل فقط، حتى وإن كان بعيدًا عن رسالتها الأساسية. وهذا ما يدفعها أحيانًا إلى الاهتمام بالشكل على حساب المضمون، وبالانتشار على حساب الجودة. والنتيجة أن الجمهور يتفاعل مع المنشور، لكنه لا يكتسب معرفة جديدة، ولا تزداد ثقته بالمؤسسة. ولا يمكن إنكار أهمية وسائل التواصل الاجتماعي في عمل العلاقات العامة، فهي أصبحت من أهم أدوات الاتصال، وسرعة الوصول، وقياس اتجاهات الرأي العام. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الوسيلة إلى غاية، وعندما يصبح عدد الإعجابات معيارًا للنجاح، بينما تُهمل مؤشرات أكثر أهمية، مثل رضا الجمهور، ومستوى الثقة، وسرعة الاستجابة، وجودة الخدمة وقد أثبتت تجارب عالمية أن المؤسسات الأكثر نجاحًا في الاتصال ليست تلك التي تمتلك أكبر عدد من المتابعين، بل تلك التي تبني مجتمعًا رقميًا يتفاعل معها بثقة، ويجد في صفحاتها مصدرًا موثوقًا للمعلومة. فالمتابع الحقيقي ليس من يضغط زر الإعجاب، بل من يثق بما تقدمه المؤسسة، ويعود إليها عندما يحتاج إلى معلومة أو خدمة. وأن العلاقات العامة مطالبة اليوم بأن تعيد النظر في أدوات تقييم أدائها. فبدلًا من الاكتفاء بعرض أرقام المشاهدات والتفاعلات، ينبغي أن تقيس أثر رسائلها في تحسين صورة المؤسسة، وفي تعزيز ثقة الجمهور، وفي حل المشكلات، وفي دعم عملية اتخاذ القرار. وإن المؤسسات العراقية بحاجة إلى الانتقال من مرحلة إدارة المحتوى إلى مرحلة إدارة العلاقة. فالجمهور لا يريد منشورات جميلة فحسب، بل يريد مؤسسة تستمع إليه، وتحترم رأيه، وتجيبه عندما يسأل، وتعترف إذا أخطأت، وتقدم له خدمة توازي ما تنشره من وعود. والعلاقات العامة لا تُقاس بعدد الإعجابات، بل بعدد القلوب التي كسبت ثقتها، ولا بعدد المتابعين، بل بعدد الناس الذين يصدقون المؤسسة عندما تتحدث. فالإعجاب الرقمي قد تمنحه ضغطة إصبع، أما الثقة فلا تُمنح إلا بعد تجارب متراكمة من الصدق، والشفافية، والاحترام. ولهذا، فإن المؤسسة التي تجعل الخوارزمية تقود استراتيجيتها، قد تنجح في جمع الأرقام، لكنها قد تخسر ما هو أثمن منها جميعًا: ثقة الجمهور.

مشاركة:

آخر تحديث: ٣ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٤:١٥ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

حين تعجز السنوات عن محو الغياب: 

رثاء يستعيد محمد خضير عثمان
آراء

حين تعجز السنوات عن محو الغياب: رثاء يستعيد محمد خضير عثمان

ليس الموت وحده ما يوجعنا حين نفقد الذين أحببناهم؛ فالموت، على قسوته، لحظةٌ فاصلة، أما ما يأتي بعده فهو الامتحان الأكثر قسوة: أن تستمر الحياة وكأن شيئاً لم يحدث، وأن تبقى الطرق كما هي، والأمكنة في مواضعها، والوجوه تعبر أمامك، بينما يغيب وجه واحد كان جزءاً من تفاصيل أيامك. هنا تبدأ الحكاية الحقيقية…

· 6 د
المثقف العراقي والواقع السياسي..

 لماذا بقي التأثير محدوداً؟؟
آراء

المثقف العراقي والواقع السياسي.. لماذا بقي التأثير محدوداً؟؟

منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة ظل المثقف العراقي يحلم بأن يكون ضمير المجتمع وأن يقود عملية التغيير عبر الكلمة والفكر والنقد إلا أن هذا الحلم اصطدم بواقع سياسي شديد التعقيد جعل الثقافة في أغلب الأحيان تقف على هامش القرار بينما احتلت السلطة والقوة والمال مركز الفعل السياسي وهكذا بقي المثقف يكتب…

· 4 د
سُلطة القهر وأطياف البدء:

حفريات فلسفية في ديمومة العنف والسلطة بالشرق الأوسط
آراء

سُلطة القهر وأطياف البدء: حفريات فلسفية في ديمومة العنف والسلطة بالشرق الأوسط

بنية الوجود وأشكال الوعي الجمعي البدئية تتطلب مقاربة ظاهرة العنف والسلطة في مجتمعات الشرق الأوسط تجاوز التفسيرات الوقائعية العابرة، والنفاذ إلى الطبقات التكوينية العميقة للوعي الجمعي؛ حيث تتشكل الرؤى الغيبية الكلية وتستقر الأنماط البدئية الموجهة للسلوك البشري والمؤسسة للأنظمة السياسية. ينهض مفهوم…

· 7 د