انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الشك أول الطريق

طلال إبراهيم اليامي
طلال إبراهيم اليامي

كاتب وأديب سعودي

4 دقائق للقراءة
17 مشاهدة
الشك أول الطريق
مشاركة:

يبدأ العقل في اللحظة التي يسأل فيها عن الشيء الذي اعتاد أن يصدقه.

تلك اللحظة عندي هي بداية القراءة الحقيقية. حين تتحول المعرفة من معلومات تحفظ إلى أسئلة تحرك صاحبها، وحين يصبح الكتاب مساحة تقف فيها أفكارك أمامك مرة أخرى، بعد أن كنت تظن أنك انتهيت منها.

اقرأ في الفلسفة وعلم الاجتماع والنفس والقانون والسياسة واللغة والتاريخ والفنون.

اقرأ كي يتسع وعيك وكي ترى العالم من أكثر من زاوية، وكي تكتشف الأفكار التي ورثتها والأفكار التي صنعتها بنفسك. فالإنسان قد يعيش طويلا وهو يراجع العالم بعين واحدة ثم يأتي كتاب واحد ويفتح له نافذة لم يكن يعرف أنها موجودة.

الثقافة في رأيي أثر يحدث داخل الإنسان.

تظهر حين تتغير طريقة فهمه للأشياء، وحين يصبح قادرا على مراجعة ما يعرفه وحين يتسع صدره لفكرة تخالفه دون أن يشعر أن وجودها يهدد وجوده.

نحن أبناء الماضي

يمتد أثره إلى طريقة التفكير والسلوك والنظر إلى الإنسان والحياة والدين والسياسة والمجتمع. ندخل العالم محملين بأشياء سبقتنا، ثم نكبر معها حتى تختلط علينا الحدود بين ما اخترناه وما وجدناه أمامنا.

أحيانا يتعامل الإنسان مع ما ورثه بوصفه حقيقة مكتملة فيصبح الموروث جزءا من طريقة الحكم على الأشياء قبل أن يخضع هو نفسه للسؤال.

وهنا يبدأ السؤال عن علاقتنا بالماضي

تعنيني من سقراط تلك الجملة التي بقيت حية بعد أكثر من ألفي عام:

 ( أنا أعرف أنني لا أعرف )

في هذه الجملة شيء أعمق من الاعتراف بالجهل. فيها شجاعة الإنسان حين يقف أمام عقله ويعترف بأن معرفته محدودة وأن ما يراه اليوم حقيقة قد يحتاج غدا إلى مراجعة.

ويأتي الغزالي بعد قرون ليجعل الشك مدخلا إلى النظر والبصر، ثم يأتي ديكارت فيضع الشك داخل منهج لإعادة بناء اليقين

وتتطور الفكرة عبر تاريخ طويل حتى يصل كارل بوبر إلى معيار القابلية للتكذيب في النظرية العلمية

تغيرت العصور وتغيرت الأدوات والمناهج، لكن السؤال ظل يطارد الإنسان:

كيف يعرف الإنسان أنه يعرف!؟ 

وهنا أحب أن أنظر إلى تاريخ الفكر باعتباره رحلة سؤال أكثر من كونه تاريخ أسماء.

سقراط والغزالي وديكارت وبوبر لم يعيشوا في زمن واحد ولم تكن لهم الغايات نفسها، ولا يمكن وضع أفكارهم في صف واحد وكأنها نسخ متعاقبة من فكرة واحدة. الذي يجمعهم أعمق من التشابه الظاهري: عقل يرفض أن يتوقف عند أول إجابة.

يمكنني أن أتخيل الفكرة كعصا سباق تتابع

تنتقل من يد إلى يد وكل واحد يأخذها من حيث وصل إليها من سبقه، ثم يضيف إليها شيئا من أسئلته وزمنه وتجربته

هكذا يتحرك الفكر. لا يولد كاملا في عقل واحد، ولا ينتهي عند اسم واحد.

ومن هنا تظهر مشكلة تقديس الأسلاف

يستدعي الحداثوي ابن رشد أو ابن النفيس ليمنح موقفه المعاصر شرعية من الماضي، ويستدعي خصمه ابن تيمية للغرض نفسه

تختلف الأسماء وتتقارب الطريقة حين يتحول التراث إلى شاهد على صحة مواقفنا بدل أن يصبح موضوعا للفهم والنقد.

وهنا أشعر أننا نخسر شيئا من التراث ونحن نظن أننا نحميه.

نحن نربطه بمواقفنا حتى يصبح الدفاع عن الفكرة دفاعا عن صاحبها ثم يصبح الاختلاف معه نوعا من الخروج على ما نعتقد أنه يجب احترامه.

مع أن احترام الأسلاف لا يعني أن نسلم لهم عقولنا

والأغرب أن نحتفي بكتب ابن رشد التي قرأها الغرب بلغاته المختلفة، ثم نعجز أحيانا عن تحويل ما فيها إلى معرفة فاعلة داخل واقعنا وهي مكتوبة بلغتنا.

السؤال الذي يستحق أن يشغلنا هنا هو:

ماذا فعلنا بما ورثناه !؟

هذه عندي أهم من كثرة الحديث عن عظمة الماضي.

فالتراث مادة للتفكير، والتاريخ مختبر واسع لتجارب الإنسان والأفكار تنتقل بين الحضارات لأنها تنتمي إلى العقل الإنساني قبل انتمائها إلى أسماء أصحابها.

قد نختلف مع فكرة عمرها ألف عام ونجد فيها شيئا يستحق البقاء وقد نقرأ فكرة حديثة ونكتشف أنها تعيد إنتاج سؤال قديم بثوب جديد

وهذا ما يجعل القراءة ممتعة

أن تكتشف أن الإنسان الذي عاش قبل قرون كان يحمل الأسئلة نفسها التي تحملها أنت وإن اختلفت لغته وبيئته وأدواته.

العقل الذي يحتفظ بقدرته على الشك يحتفظ بقدرته على الحركة

والشك هنا فعل معرفي

يفتح الفكرة أمام الاختبار، ويمنح الإنسان فرصة لاكتشاف مواضع الوهم في أفكاره ويجعله قادرا على تغيير موقفه حين تظهر أمامه معرفة أقوى.

وهذه القدرة على التراجع عن فكرة لم تعد تقنعك ليست ضعفا في العقل.

أراها واحدة من علامات نضجه

فالإنسان الذي لا يستطيع مراجعة نفسه يتحول مع الوقت إلى أسير لما قاله بالأمس حتى لو جاءته المعرفة اليوم بما يناقضه

ومن هنا تأتي قيمة القراءة.

الكتاب الذي يضيف معلومة إلى الذاكرة يضيف معرفة والكتاب الذي يدفع الإنسان إلى إعادة النظر في نفسه يضيف شيئا أعمق.

قد تقرأ كتابا وتنسى معظم ما فيه، لكن فكرة واحدة منه قد تظل تعمل في رأسك سنوات.

وقد تنسى اسم الكاتب وتبقى الأسئلة التي تركها معك

وهذا يكفي أحيانا.

نقرأ الماضي كي نفهمه ونقرأ الحاضر كي نختبره ونقرأ المستقبل من خلال الأسئلة التي يتركها الاثنان في العقل

المعرفة حركة مستمرة

كل إجابة تفتح سؤالا جديدا وكل يقين يخضع للاختبار وكل فكرة تستحق أن تمر مرة أخرى أمام العقل

حين يصل الإنسان إلى هذه المرحلة تصبح الثقافة ممارسة يومية للعقل ويصبح الشك وسيلة لحمايته من الجمود

فالحرية الفكرية تبدأ من السؤال

والسؤال يبدأ من الشك

الشك أول الطريق

مشاركة:

آخر تحديث: ٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٩:٣٣ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

من يفكر بدلا عنك؟
آراء

من يفكر بدلا عنك؟

بقلم الكاتب: أعراب خالد الدولة: الجزائر في جلسة مقهى مع صديقي المحامي الذي أنهكته العدالة في الجزائر، أخذنا نتبادل أطراف الحديث. هو صديقي الوحيد الذي يتقن الفرنسية وسط مجموعة من المحامين، مثقف إلى درجة كبيرة، وابن الحي الذي أعرفه منذ سنوات. في ذلك اليوم بدأ حديثنا من قضايا الأسرة، من المشاكل التي…

· 5 د
قصة بسيكي: بين الغيرة والحب
آراء

قصة بسيكي: بين الغيرة والحب

قصة بسيكي: بين الغيرة والحب الأساطير اليونانية والرومانية لا تحكي لنا عن عالم بعيد يسكنه الآلهة وحدهم، وإنما تعكس، قبل كل شيء، شيئاً من طبيعتنا البشرية. ففي حكاياتها نجد مشاعر لا تزال حاضرة في حياتنا: الغيرة والحسد والخوف والشك والحب. ومن أكثر هذه الأساطير قرباً من التجربة الإنسانية قصة بسيكي، تلك…

· 4 د
الأفول اللطيف: 

التفكيك الجغرافي والسياسي في مسرح الشرق الأوسط
آراء

الأفول اللطيف: التفكيك الجغرافي والسياسي في مسرح الشرق الأوسط

في حقبة تاريخية حالكة تتسم بانهيارات قيمية عميقة وتحولات حادة في بنية الجغرافية السياسية، يبرز أمامنا مشهد استعاري شديد التكثيف والدقة؛ لوصف الحالة السياسية والثقافية المأزومة في منطقة الشرق الأوسط. يمكننا تسمية هذه الحالة بـ "الأفول اللطيف"، وهو ذلك الانحدار البطيء والناعم الذي يصمت فيه المثقف…

· 8 د