انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

السردية العراقية بوصفها بديلاً لكتابة التاريخ: الحسين أنموذجاً

شوقي كريم حسن
شوقي كريم حسن

قاص وكاتب عراقي.

8 دقائق للقراءة
27 مشاهدة
السردية العراقية بوصفها بديلاً لكتابة التاريخ: الحسين أنموذجاً
مشاركة:

ليس التاريخ دائماً ما يُكتب في كتب المؤرخين، ولا تُحفظ الذاكرة الجمعية للأمم في الوثائق الرسمية وحدها. فهناك تاريخ آخر يتشكل بعيداً عن سجلات السلطة ودفاتر الوقائع، تاريخ تكتبه الحكايات والقصائد والأساطير والمرويات الشعبية والمراثي والأغاني والروايات. هذا التاريخ لا يهتم كثيراً بالتسلسل الزمني للأحداث بقدر اهتمامه بما تتركه الأحداث من أثر في الوجدان الإنساني. ومن هنا يمكن النظر إلى السرد بوصفه أحد أهم الوسائل التي أنتجت بها الشعوب ذاكرتها وحافظت بها على هويتها عبر القرون.في العراق تبدو هذه الظاهرة أكثر وضوحاً من أي مكان آخر، فالعراقيون أمة عاشت آلاف السنين وهي تصوغ وجودها من خلال الحكاية. فمن ملحمة كلكامش إلى المقامات إلى السير الشعبية إلى المجالس الحسينية والرواية الحديثة، ظل السرد واحداً من أهم أشكال التعبير عن الذات الجمعية. ولذلك لم يكن غريباً أن تتحول بعض الشخصيات التاريخية إلى شخصيات سردية كبرى تتجاوز حدود الزمن الذي عاشت فيه لتصبح جزءاً من الوعي الثقافي للأمة.من بين جميع الشخصيات التي عرفها التاريخ الإسلامي والعربي والعراقي، ربما لا نجد شخصية امتلكت هذا الحضور السردي المتجدد مثل شخصية الإمام الحسين بن علي. فالحسين لم يبقَ حدثاً تاريخياً وقع في سنة إحدى وستين للهجرة، ولم يبقَ مجرد شخصية دينية أو رمز عقائدي، بل تحول إلى مركز لإنتاج السرد والمعنى والرمز. لقد خرج من حدود الواقعة التاريخية ليصبح حاضراً في الشعر والخطابة والمسرح والحكاية الشعبية والرواية الحديثة والفنون البصرية والذاكرة اليومية للناس.

إن السؤال الذي يفرض نفسه  هو: لماذا بقي الحسين حياً في الذاكرة بينما غابت شخصيات وأحداث أخرى لا تقل أهمية من الناحية السياسية؟ إن الجواب لا يكمن في الحدث التاريخي وحده، بل في الطاقة السردية الكامنة في هذا الحدث. فواقعة كربلاء تمتلك جميع العناصر التي تجعلها قابلة للاستمرار عبر الزمن؛ فيها الصراع بين الحق والقوة، وفيها البطولة والفداء، وفيها العائلة والطفل والمرأة والعطش والفقدان والخذلان والوفاء. إنها قصة إنسانية كاملة قبل أن تكون حدثاً سياسياً أو دينياً، ولهذا استطاعت أن تخاطب الإنسان في كل زمان ومكان.إن المؤرخ حين يكتب كربلاء يهتم غالباً بتحديد الوقائع والأسماء والتواريخ ومسارات الأحداث، أما السرد فيذهب إلى منطقة أخرى أكثر عمقاً، فهو يبحث عن المعنى الإنساني الكامن خلف الوقائع. ولذلك فإن أغلب الناس لا يتذكرون تفاصيل المصادر التاريخية، لكنهم يتذكرون الصور السردية التي ترسخت في وجدانهم؛ يتذكرون العطش أكثر مما يتذكرون عدد المقاتلين، ويتذكرون الوداع أكثر مما يتذكرون أسماء القادة، ويتذكرون المأساة الإنسانية أكثر مما يتذكرون تفاصيل الصراع السياسي. وهنا تكمن قوة السرد بوصفه بديلاً عن كتابة التاريخ. والمقصود بالبديل  ليس الإلغاء أو الإقصاء، التاريخ يبقى ضرورة لا غنى عنها، ولكن السرد ينجز ما لا يستطيع التاريخ إنجازه. التاريخ يحفظ الوقائع، بينما يحفظ السرد المشاعر. التاريخ يروي ما حدث، أما السرد فيكشف لماذا بقي ما حدث مؤثراً بعد مرور القرون. ولهذا فإن كثيراً من الشعوب تعرف ماضيها من خلال الحكايات أكثر مما تعرفه من خلال الوثائق.لقد أسهمت الثقافة العراقية في بناء سردية حسينية ضخمة ومتجددة. فالشاعر الشعبي والكاتب والخطيب والروائي والمسرحي جميعهم شاركوا في إعادة إنتاج هذه الشخصية عبر الأجيال. وكل عصر أعاد اكتشاف الحسين بطريقته الخاصة. فمرة يظهر بوصفه رمزاً للثورة، ومرة بوصفه رمزاً للحرية، ومرة بوصفه نموذجاً أخلاقياً، ومرة بوصفه صوتاً للمظلومين. وهذا التنوع في القراءة هو أحد أسرار خلود الشخصية، لأن السردية الحية هي تلك القادرة على إنتاج معانٍ جديدة باستمرار.وفي الأدب العراقي الحديث أصبح الحسين حاضراً بوصفه رمزاً ثقافياً يتجاوز حدود المناسبة الدينية. فالكثير من الروايات والقصائد استحضرت كربلاء لا بوصفها حدثاً ماضياً، بل بوصفها استعارة كبرى لفهم الحاضر العراقي. وحين يتحدث الكاتب عن الظلم أو الاستبداد أو المنفى أو الخذلان أو التضحية، فإنه كثيراً ما يستدعي البنية الرمزية التي أنتجتها كربلاء، حتى وإن لم يذكر اسم الحسين بشكل مباشر.ومن هنا يمكن القول إن السردية الحسينية لم تحفظ التاريخ فقط، بل أعادت صياغته داخل الوجدان الشعبي. فهي لم تكتفِ بنقل الوقائع، وإنما منحتها حياة جديدة وجعلتها قادرة على الاستمرار والتأثير. وربما لهذا السبب ما زالت كربلاء حاضرة بعد أكثر من ألف وثلاثمئة عام، بينما اندثرت أحداث سياسية وعسكرية كانت في زمانها أعظم أثراً وأوسع نفوذاً.إن ما يجعل الحسين أنموذجاً فريداً في دراسة العلاقة بين السرد والتاريخ هو أن شخصيته تقدم مثالاً واضحاً على قدرة السرد في صناعة الذاكرة الجمعية. فالأمم لا تعيش بالوقائع وحدها، وإنما تعيش بالمعاني التي تستخلصها من تلك الوقائع. وحين تتحول الشخصية التاريخية إلى رمز سردي، فإنها تخرج من حدود الماضي لتصبح جزءاً من الحاضر والمستقبل.

السردية العراقية بوصفها بديلاً لكتابة التاريخ: الحسين أنموذجاً

لذلك يمكننا أن نختم بالقول إن السردية العراقية لم تكن مجرد أداة لتذكر الحسين، بل كانت وسيلة لإعادة إنتاجه في الوعي الثقافي جيلاً بعد جيل. ومن خلال هذه السردية أصبح الحسين أكثر من شخصية تاريخية، وأصبحت كربلاء أكثر من واقعة عابرة. لقد تحولا إلى نص مفتوح تواصل الأجيال قراءته وتأويله وإعادة كتابته باستمرار، وهو ما يفسر بقاءهما حيين في الذاكرة العراقية حتى يومنا هذا. فالتاريخ قد يحفظ أسماء الأشخاص والأحداث، لكن السرد وحده هو القادر على منحها الخلود.ولعل من أهم ما يميز السردية الحسينية في العراق أنها لم تبقَ حبيسة المؤسسات الدينية أو النصوص التراثية، بل تحولت إلى جزء من الحياة اليومية والثقافة العامة. فالعراقي وهو يسمع قصة الحسين لا يستقبلها بوصفها خبراً من الماضي، وإنما يتفاعل معها بوصفها تجربة إنسانية متجددة. ولهذا بقيت هذه السردية قادرة على استقطاب الأجيال المتعاقبة رغم اختلاف الأزمنة والظروف السياسية والاجتماعية.

إن القوة الحقيقية للسرد لا تكمن في قدرته على الإخبار، بل في قدرته على الإقناع وإعادة تشكيل الوعي. فالإنسان بطبيعته يتفاعل مع القصص أكثر مما يتفاعل مع الأرقام والوثائق. وقد أدركت الأمم منذ القدم أن الحكاية هي الوسيلة الأنجع لنقل القيم والمبادئ والخبرات. ولذلك فإن الذاكرة الإنسانية ذاتها تتخذ شكلاً سردياً؛ فنحن نتذكر حياتنا على هيئة قصص، ونتذكر أوطاننا من خلال الحكايات، ونبني هوياتنا عبر السرد الذي نرويه لأنفسنا عن أنفسنا.

ومن هذا المنطلق يمكن النظر إلى السردية الحسينية بوصفها أحد أعظم المشاريع السردية في التاريخ الإسلامي. فهي ليست رواية مغلقة ذات معنى واحد، وإنما نص مفتوح على التأويل المستمر. ففي كل عصر يُعاد اكتشاف الحسين وفق الأسئلة التي يطرحها ذلك العصر. وحين يبحث الناس عن الحرية يجدون الحسين، وحين يبحثون عن العدالة يجدون الحسين، وحين يبحثون عن الكرامة أو الصبر أو التضحية يجدون الحسين أيضاً. وهذا ما منح الشخصية قدرة استثنائية على البقاء والتجدد.

إن الرواية الحديثة نفسها استفادت من هذا الإرث السردي الكبير. فالكثير من الروائيين العراقيين والعرب لم يتعاملوا مع كربلاء بوصفها حادثة تاريخية فقط، بل بوصفها بنية رمزية يمكن من خلالها قراءة الواقع المعاصر. ولهذا كثيراً ما تتحول الشخصيات الروائية إلى مرايا تعكس أصداء تلك الواقعة الكبرى، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فالسردية الحسينية أصبحت جزءاً من المخزون الثقافي الذي يستعيره الكاتب حين يريد التعبير عن المأساة أو البطولة أو المقاومة أو الخذلان.

وهنا نصل إلى نقطة مهمة، وهي أن السرد لا يهدف إلى منافسة التاريخ في مجال التوثيق، وإنما يضيف إليه بعداً إنسانياً لا يمكن الاستغناء عنه. فلو اكتفينا بالتاريخ لفقدنا حرارة التجربة البشرية، ولو اكتفينا بالسرد لفقدنا الدقة والمعرفة. لذلك فإن العلاقة بينهما ليست علاقة صراع، بل علاقة تكامل. غير أن المجتمعات غالباً ما تحتفظ بالسرد زمناً أطول مما تحتفظ بالوثائق، لأن السرد قادر على الانتقال من جيل إلى جيل عبر الذاكرة الشفوية والثقافة الشعبية والفنون المختلفة.

وليس من المبالغة القول إن جزءاً كبيراً من الوعي العراقي تشكل من خلال هذه السردية الممتدة عبر القرون. فالحسين لم يعد مجرد شخصية تنتمي إلى الماضي، بل أصبح عنصراً فاعلاً في تشكيل الضمير الجمعي. وقد انعكس ذلك في اللغة اليومية، وفي الشعر الشعبي، وفي الطقوس الاجتماعية، وفي أشكال التعبير الفني المختلفة. حتى إن كثيراً من القيم التي يتبناها المجتمع العراقي تجد جذورها في هذا التراث السردي المتراكم.

إن دراسة الحسين من زاوية السرد تكشف لنا أن الأحداث العظيمة لا تخلد بسبب وقوعها فقط، وإنما بسبب الطريقة التي تُروى بها. فكم من معركة كبيرة انتهت بانتهاء زمنها، وكم من إمبراطوريات قوية اختفت من الذاكرة، بينما بقيت كربلاء حاضرة بقوة لأنها تحولت إلى قصة إنسانية كبرى. والإنسان لا يعيش بالوقائع وحدها، بل يعيش بالقصص التي تمنحه معنى لوجوده وتفسر له العالم من حوله.

إننا حين نتأمل حضور الحسين في الثقافة العراقية ندرك أن السرد يمكن أن يكون شكلاً من أشكال المقاومة ضد النسيان. فكل إعادة لرواية الحدث هي محاولة جديدة لإنقاذه من الموت الرمزي. وكل قصيدة أو رواية أو مجلس أو حكاية هي إعلان بأن الذاكرة ما زالت حية. وبهذا المعنى فإن السرد لا يحفظ الماضي فقط، بل يشارك في صناعة المستقبل أيضاً، لأنه يحدد ما الذي يستحق أن يبقى في وجدان الأمة.

وفي النهاية، فإن الحسين يمثل المثال الأوضح على قدرة السردية العراقية في تحويل التاريخ إلى ذاكرة حية. فبينما يدوّن المؤرخون الوقائع في الكتب، ظل العراقيون يكتبون تاريخهم الآخر عبر الحكاية والشعر والرواية والمجلس والمرثية. ومن هنا جاءت فرادة التجربة الحسينية؛ إذ استطاعت أن تجمع بين الحقيقة التاريخية والقوة السردية في آن واحد. ولهذا لم تكن كربلاء مجرد حدث وقع وانتهى، بل أصبحت نصاً إنسانياً مفتوحاً يستمر في إنتاج المعنى كلما أعادت الأجيال قراءته.

وإذا كان التاريخ يسجل ما حدث، فإن السرد يفسر لماذا ما زال ذلك الحدث حياً. وإذا كان التاريخ يحفظ الأسماء والتواريخ، فإن السرد يحفظ الألم والأمل والكرامة والمعنى. ومن هنا يمكن القول إن السردية العراقية لم تكن بديلاً عن التاريخ بمعنى الإلغاء، وإنما كانت بديلاً بمعنى الإحياء؛ فهي التي منحت التاريخ روحه، وجعلت من الحسين شخصية خالدة في الوجدان العراقي والعربي والإنساني.

مشاركة:
شوقي كريم حسن
شوقي كريم حسن

قاص وكاتب عراقي.

آخر تحديث: ٢٧ آب ٢٠٢٦ في ٠٦:٤٤ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

الفلسفة في عصر الآلات الذكية
آراء

الفلسفة في عصر الآلات الذكية

عدي عدنان البلداوي في العصر الذي تمضي فيه مشاريع الذكاء الاصطناعي في انتاج آلة تفوق قابلية الإنسان من حيث قدرات حفظ البيانات والمعلومات وسرعة وسهولة استحضارها ، والقدرة على حل المعادلات الصعبة والعمليات الحسابية المعقدة ، فإن ابلغ درس في الوعي يمكن ان يقدّمه المثقف والباحث الاكاديمي هو ان يفكر…

· 14 د
التصدع البنيوي للنظام الدولي:

بوسايدون وأثينا كاستعارتين لجدلية القوة والمؤسسة
آراء

التصدع البنيوي للنظام الدولي: بوسايدون وأثينا كاستعارتين لجدلية القوة والمؤسسة

الميثولوجيا التفكيكية للسيادة لقراءة البنية التحتية للهيمنة المعاصرة، تتيح الرمزية الأسطورية الإغريقية أداة تفكيكية ترفع الغطاء عن الأقنعة الأيديولوجية للنظام الدولي؛ فالنزاع الأسطوري التأسيسي بين بوسايدون وأثينا ،حول حق رعاية مدينة أثينا، يجسد صراعاً وجودياً بين نمطين من القوة والسلطة. هذا التقابل…

· 9 د
قضايا في الفكر السلفي المعاصر.
آراء

قضايا في الفكر السلفي المعاصر.

إن من أخطر القضايا التي واجهت الإنسان عبر تاريخه, ولا زالت تواجهه في تاريخنا المعاصر, هي وجود قوى اجتماعي تشتغل على عقل الإنسان من منطلق فكري مجرد لا يلامس الواقع المعيوش, إن كان ذلك بوعي منها لما تريد تحقيقه من أجل تغريب الإنسان وتجهيله وحيونته, كما هو الحال في سياسات قادة النظام العالمي الجديد,…

· 7 د