يا قلبُ لا تسألْ عن الدربِ الذي
أفضى إليكَ فكلُّ دربٍ سرُّ
إن كنتَ تبغي الحقَّ فاتركْ ما ترى
واخلعْ عن الروحِ التيهَ والغرورُ
وامشِ إلى اللهِ الذي في نبضةٍ
يسري وفي صمتِ المساءِ حضورُ
هو في دموعِ العاشقينَ إذا بكتْ
وهو الذي في سجدةِ المقهورِ
ما كنتُ أبحثُ عنهُ خلفَ سمائهِ
حتى رأيتُهُ في فؤادي نورُ
فغسلتُ وجهي من غبارِ مسافتي
وسقطتُ... ثم تفتّحَ المجهولُ
قالوا أأنتَ عرفتَ ربَّكَ؟ قلتُ لا
لكنني في حبّهِ مأسورُ
كلُّ الطريقِ إليهِ كانَ بدايتي
وكلُّ ما ظننتُهُ لي عابرُ
أنا درويشُ الحبِّ، لا ملكٌ ولا
عبدٌ لغيرِ اللهِ لا مأجورُ
أمشي خفيفَ الروحِ، أحملُ وردةً
وأقولُ: يا رباهُ أنتَ الدستورُ
إن ضاقَ بي جسدي تركتُ ثيابهُ
ومضيتُ حيثُ الروحُ والسرُّ
وإذا تعبتُ من الحياةِ دعوتُهُ
فإذا بقلبي من نداهُ يثورُ
يا ربِّ، خذ مني الذي أبقانيَ
بعيداً عنكَ، فكلُّ شيءٍ زورُ
خذ كبريائي خذ خوفي خذ قلقي
واجعلْ فؤادي في هواكَ يطيرُ
لا تجعلِ الدنيا تُقيمُ بداخلي
فأنا بها ضيفٌ وأنتَ الدارُ
ما لي سوى بابِ الرجاءِ طرقتُهُ
فإذا ببابِكَ للضعيفِ يُدارُ
يا من إذا ناديتُهُ في وحشتي
جاءَ الندى وتراجعَ الإعصارُ
يا من يرى دمعي قبلَ نطقِ لساني
ويعرفُ ما تخفيهِ منيَ أسرارُ
أحببتُكَ، لا حبَّ من يرجو الجزا
لكنْ كحبِّ العاشقِ المحتارِ
أحببتُكَ حتى نسيتُ بأنني
أنا، وصارَ هواكَ كلَّ دياري
إن قالَ لي عقلي الطريقُ بعيدُنا
قالَ الفؤادُ: القربُ في الأذكارِ
وإذا تعبتُ من المسافةِ قلتُ لي:
يكفي بأنكَ حاضرٌ في الأسرارِ
يا ربِّ، إنّي ما عرفتُ عبادتي
إلا حينَ صارَ الحبُّ في محرابي
ما كنتُ ناسكاً لكنني لما رأيتُ
جمالكَ، انسكبتْ على أعتابي
فأنا الذي ألقى الطريقَ بلا دليلْ
وأقولُ يا مولايَ، أنتَ دليلي
وأنا الذي ضيّعتُ نفسي مرةً
فوجدتُها لما وجدتُ سبيلي
في كلِّ شيءٍ كنتُ أبحثُ عنكَ ثم
علمتُ أني كنتُ أهربُ منكْ
كنتُ أظنُّ الكونَ يحجبُ وجهَكَ
حتى علمتُ بأنني المحجوبُ عنكْ
يا قلبُ صلِّ على النبيِّ المصطفى
فبهِ تطيبُ الروحُ والأسرارُ
وبه تهونُ على المحبِّ مصائبٌ
وبذكرهِ تتطهّرُ الأفكارُ
يا سيدي يا منبعَ الأنوارِ يا
طُهرَ المحبةِ يا نبيَّ المختارِ
إنّي أتيتُكَ بالخطايا كلها
فاغمرْ فؤادي رحمةً ووقارِ
واجعلْ صلاتي في المحبةِ رحلةً
واجعلْ دعائي صاعداً كالأطيارِ
حتى إذا ناديتَ روحي مرةً
قالتْ: لبيكَ، وانتهى إصراري
ما عادَ لي بعدَ المحبةِ غايةٌ
إلا رضاكَ، وليس لي إيثارُ
إن كانَ حبُّكَ جنةً فقلبي بها
وإن كانَ ناراً، فالنارُ لي أنوارُ
يا ربِّ، لا تجعلْ قصيديَ زينةً
واجعلْ حروفيَ خاشعاتٍ بحبِّك
واجعلْ كلامي إن تحدّثتُ صادقاً
واجعلْ سكوتي شاهداً بالقربِ منكْ
ثم إذا جاءَ الرحيلُ فلا تقلْ
ماذا تركتَ وراءَك الأنهارُ؟
يكفينيَ أن أموتَ والقلبُ الذي
أفنيتُهُ في حبِّكَ ما اختارُ
يكفينيَ أن ألقى الترابَ مطمئناً
وأقولُ: يا رباهُ، أنتَ جواري
فإذا انطفأتُ، يكونُ آخرُ ما أرى
نوراً يبدّدُ وحشةَ الأسفارِ
أنا لستُ إلا عاشقاً متبتلاً
يمشي إليكَ ودمعُهُ مدرارُ
إن ضلَّ يوماً فالرجوعُ عقيدتُهُ
وإن انكسرْ، فبابُكَ الستّارُ
يا ربِّ، إنّي قد وصلتُكَ بعدما
أضنانِيَ الترحالُ والإنكارُ
فوجدتُ أني لم أكنْ في رحلةٍ
إلا إليكَ... وكانَ أنتَ المسارُ







التعليقات