الصباح أصداء كثيرة ولي أذن غائبة أو نسيتها في المنام والله يريد تقريريا يوميا عن تكوير مسافاتي، ولكيلا أذهب الى عمائي بزهو التيه المعلن رماني في السؤال وقال حسبك الاتجاه دون الحكايا، وسمح لي بخطوة في الظل ولكن الصباح أصداء كثيرة ولي أذن تغرب في البساطة
أضع الهاتف إلى جوار فنجان القهوة، فيخرج منه رجل يريد إغلاق الشعر، أحرّك الملعقة فيصغر صوته داخل الدائرة البنية، أخشى أن أرفعها فيعود أكبر من الشاشة. أخر يلمّع كرسيا في تاريخ أعزل، ثالث يقيس الضوء على وجه الحسين، ويجرّب أيَّ جرحٍ يلمع أسرع في الشاشة
ثمة ديوان مفتوح عند قصيدة عن الحرية، فوقه إشعار جديد: روائي غاضب من الشعراء، أطوي الصفحة كي لا تسمع القصيدة، ثم أتذكر أن القصائد لا تملك آذاناً، وأن أصحابها وحدهم يسمعون الإهانة من مسافة قارة. أضحك وحدي، الأدب في بلادي حيوان منزلي، كل واحد يجرّه من عنقه إلى النوع الذي يحب، والقفص يحمل لافتة صغيرة: (الثقافة العراقية)
في الشارع رجل يصلح إطار سيارة، يدق الحديد بمطرقة صغيرة. خلفه ملصق انتخابي أكل الكلام نصف وجه صاحبه، وبقيت الابتسامة معلقة وحدها على الجدار؛ ابتسامة بلا عينين ولا أذنين، صالحة تماماً للمنصب.
أشتري خبزاً، يلفه البائع بورقة أخبار؛ يدخل الرغيف ساخناً في فم السياسة، أفتحه في البيت فأجد تصريحاً عن السيادة مطبوعاً على بقعة زيت. آكل الرغيف وأترك السيادة على المائدة، بعد ساعة تأتي ذبابة وتقف فوقها. لا أطردها؛ ربما هي أول كائن وجد مكاناً واضحاً للوقوف.
في المقهى ثلاثة شعراء يتحدثون عن موت الشعر، والرابع يقرأ قصيدته من الهاتف، والخامس يصور الرابع، والسادس يكتب أن الأمسية صنعت منعطفاً، والنادل يحمل ستة استكانات ويمر بينهم من دون أن يسقط قطرة. أراقبه وأفكر أن الشعر العراقي لو امتلك توازنه لترك القصائد وعمل نادلاً.
تمرّ جنازة في الخارج، يصمت المقهى ثواني، ثم يعود أحدهم إلى شرح قصيدته. الميت وحده أكمل نصه وغادر من غير مقدمة نقدية.
أفتح حقيبتي، أجد كتاباً، فاتورة، قلماً بلا غطاء، مفتاحاً لباب لم أعد أسكن خلفه. أمسك المفتاح طويلاً؛ الأشياء القديمة أكثر وفاءً من الأمكنة، تحمل أبوابها بعد اختفائها. في الشاشة رجل يتحدث عن الوطن، فأضع المفتاح فوق صورته؛ يستقر تماماً على فمه.
عند الظهيرة تتشاجر خريطة مع خريطة. الخليج نفسه مستلقٍ في مكانه، الماء يمضي إلى الماء، السمك لا يحمل جواز سفر، والنوارس تعبر الحدود من فوق المذيعين. أطوي الجريدة فينقسم البحر نصفين، أطويها مرة ثانية فتدخل دولة في جيب دولة، أضعها تحت إبريق الشاي حتى لا تحمل الريح الشرق الأوسط إلى الممر.
ومن جهة الماء، يطلّ هرمز كخاتم ضيق في إصبع الخليج؛ تمرّ الناقلات من تحته وتكاد تسمع براميل النفط تحتكّ بعظام البحر. أرفع قدح الماء إلى فمي، فتدخل تركيا أولاً من جهة المنابع، وتصل إيران من جهة الأنهار التي غيّرت دروبها، ويقف هرمز في آخر الرشفة يعدّ السفن الخارجة من حلقها. أشرب ببطء؛ دجلة بعيد عن الكأس، والفرات يحمل في مائه ذاكرة السدود، والخليج ينام بعين واحدة لأن المضيق أضيق من قلقه. أشعر أن القدر متعدد الجنسيات على ماء فمي؛ يدٌ تمسك المنبع، يدٌ تجسّ نبض الشرق، وإصبعٌ فوق فم البحر، والعراقي يرفع الكأس إلى شفتيه كمن يطلب الإذن من خريطة.
أضع القدح، تبقى قطرة عند حافته. أتأملها: صغيرة إلى حد أنها لا تعرف تركيا ولا إيران ولا هرمز، ومع ذلك تحمل الجهات الثلاث فوق ظهرها. أمسحها بإصبعي، فيبتلّ طرفه؛ للحظة قصيرة يصبح لديّ ماء لا يستطيع أحد أن يرسم حوله حدوداً.
أعود إلى الغرفة فأجد كرسياً يفتش عن جسد، وجسداً يفتش عن باب، وباباً يبدّل اسمه كلما مرّت به يد. على النافذة نبتة صغيرة ترفع ورقتها الأولى، لا تعرف شيئاً عن الانتظار، ولا تسأل من أذن للربيع أن يدخل. أقترب منها؛ في عروقها خضرة تمشي إلى آخر الورقة بلا حرس، بلا ختم، بلا ممر طويل من الأكتاف. أفكر أن أضع الكرسي قربها، ثم أخشى أن يتعلم منها النمو، فتفقد البلاد آخر عذر لها في البقاء جالسة.
وأنا أتصفّح، تمرّ صورة جماعية التقطها مصوّر لأدباء؛ الجميع في الصف الأول، حتى يبدو الصفّ الثاني فكرةً سقطت من العدسة. تتلاصق الأكتاف تحت الضوء، وكلُّ اسم يرفع ذقنه قليلاً كي لا يسقط منه لقبه. أحرّك إصبعي، فتصعد القامات والهامات والرموز والعمالقة إلى أعلى الشاشة، ويبقى أسفلها فراغ صغير هادئ. أتأمله؛ ربما كانت الأرض هناك، تنتظر من يستحق أن يقف عليها.
يضيء البودكاست آخر الليل، فيُسحب العراق من خريطته ويُرمى في خلّاط زجاجي: نخلةٌ من البصرة، غبارٌ من بغداد، رصاصةٌ ضلّت بيتها، سبّابةُ خطيب، شالُ أمّ، قصيدةٌ خرجت من المطبعة وما زالت ساخنة، وصوتُ امرأةٍ ترتّب دهشتها أمام الميكروفون. يدور كلُّ شيء. دجلة يضرب رأسه بجدار الكأس، المدن تفقد أسماءها، المقابر تصعد رغوةً، والضيف المزمن جالسٌ قرب الزر، ينتظر أن يهدأ الوطن كي يتذوّقه بطرف لسانه. تسأله المذيعة السؤال الذي نام البارحة في فم مذيعة أخرى؛ يمدّ يده إلى العراق المعصور، يلتقط منه جملةً لامعة، يمسح عنها الدم، ويضعها أمام الكاميرا.
غداً أجد البلاد في هاتفي: سبع عشرة ثانية من العراق، يعلوها لحنٌ رقيق، وتحتها كلماتٌ كبيرة؛ إصبعٌ يمرّ، فيأتي عراقٌ آخر، وإصبعٌ آخر، فيتبدّل الضيف ويبقى الخلّاط. النساء يمددن شِباك الأسئلة إلى الرؤوس المألوفة، يرجعن بالسمكة نفسها كل ليلة ويغيّرن لها الصحن. وفي آخر السهر، بعد أن تُطفأ المصابيح، يبقى الكأس وحده على المنضدة؛ في قاعه نخلةٌ بلا جنوب، ومئذنةٌ فقدت سماءها، وطفلٌ يبحث عن اسمه بين الرغوة. لا أحد ينتبه إليه. الجميع منشغلون باختيار المقطع الذي سيصبح صباحاً (أكثر لحظات الحلقة عمقاً).
أغلق الهاتف، يظل وجهي على سواد الشاشة. هذه المرة لا أحد يهاجم أحداً. أرفع الفنجان فأجد تحته دائرة قهوة طبعت نفسها على ورقة كنت أكتب عليها سؤالاً عن مصير العراق. الدائرة قطعت السؤال من منتصفه وصارت له حدوداً بنية. أتأملها طويلاً؛ ربما الوطن هو ما يبقى على الورقة بعد أن نرفع عنها ما كنا نظنه مهماً.
أذهب إلى المطبخ، أفتح الثلاجة، ضوء أبيض صغير يشتعل في وجهي. نصف ليمونة، قارورة ماء، دواء، تفاحة مجعّدة. أغلق الباب، يعود الظلام. أفتحه، تعود الأشياء كلها إلى الوجود. أغلقه. أفتحه. أفعل ذلك مرات كثيرة، وأشعر أنني أملك للحظات دولةً صغيرةً جداً: حدودها مطاط أبيض، شعبها أربع حاجات باردة، ودستورها أن يشتعل الضوء كلما فُتح الباب.
أتوقف فجأة.
أترك الباب مفتوحاً.
وأقول للضوء:
لا تصدقهم إذا قالوا إن البلاد تحتاج خطيباً.
أحياناً يكفيها
أن تجد شخصاً
لا يغلق الباب.







التعليقات