حين كنتُ صغيرًا
كنت أظن
أن الريح امرأةٌ تحمل في حضنها الغابة
وأن الغيم عجوزٌ ينسى مظلّته كلَّ مساء.
الآن
لا أرى إلّا وجوهًا تُشبه الغبار
تُغلق النوافذَ
كي لا تسمع نداء الوتر
وتمنع عن الورد نشيده.
النايُ
ذلك الكائنُ المنفيُّ من صمتهم
يبكي خلف الجدار.
والطيرُ الذي عاش في قصيدة
يُجلد لأنّه غنّى.
أنا
ابن العتبة التي تئنّ إذا عبرها الصمت
أتذكّرُ
أن جدّتي كانت تقول
إن كل زهرةٍ تحمل نغمةً لا تُسمع
وأن الجدران تحفظُ أسرارًا تُغنّى حين ننام.
الآن
أفتح درجًا صدئًا
فيسقط منه لحنُ عيدٍ قديم
وحفنةُ ضحكاتٍ
من زمن لم تُعلَن فيه الحرب بعد.
أُمسكها
فتذوب بين أصابعي
كما تذوب الذاكرةُ في ماء النسيان.
أعرف الآن
أن الموسيقى لا تموت
بل تختبئ في قواقع البحارة
في سعال الباعة
في ثرثرة العصافير
في خطوات العائدين دون وطن.
أمّا زعماء الطوائف فلا يسمعونها
لأنّ آذانهم من حديد
ولأنّ قلوبهم مبلّلةٌ بالبارود.
لو سمعوها
لذابت أصواتهم كالشمع
وانطفأوا
كمزامير مهجورة.
أنا لا أكتب هذا النص
بل أنقله
عن ظلٍّ رأيته يعزف على سلّمٍ مكسور
وعن امرأةٍ كانت تُرضّع ابنها نغمةً بدلًا من الحليب.
أنا مجرّد شاهدٍ
على بكاء المزهرية حين تُنسى في العتمة
وعلى ارتعاش الشموع
حين تمرّ جوقةُ غبار
تعلن بدء الصلاة في معبدٍ بلا موسيقى.







التعليقات