انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

يومٌ إضافي

صبيحة الاركوازي
صبيحة الاركوازي

قاصة وأديبة عراقية

3 دقائق للقراءة
64 مشاهدة
يومٌ إضافي
مشاركة:

ليتهم يسمحون برصاصةِ الرحمة.

- آه... آه؟

- ماذا قلتِ؟

- لا شيء يا ابنتي، لا شيء.

أشعرُ بتلك الكتلةِ المغروسةِ في رحمي، تتغذى وتكبر. تستمتعُ بآهاتي، تستهلكُ رصيدَ عمري، بعد أن كشفَ الطبُّ وجودَها.

كيف يأكلُ الجسدُ نفسَه؟ كيف تثورُ خليةٌ واحدةٌ ويجنُّ جنونُها وتُعلنُ حربًا على كيانٍ كامل؟

فكّرتُ بجرعةٍ زائدةٍ تُنهي معاناتي.

لكن ابنتي، لِمَن أتركُها؟ هل ستسامحُني إن أنهيتُ حياتي بيدي؟

الموتُ قادم، عليَّ أن أحاربه من أجلها.

يقولون إن الإنسانَ يستطيعُ أن يمدَّ بعمرِه بجرعةِ سعادةٍ بسيطة.

سأعيشُ من أجلها.

كلما حاولتُ لملمةَ أشلاءِ أفكاري، داهمتني أفكارٌ سوداء!

خُلقنا للفناءِ حقيقةً، حتميةُ الموتِ تترصّدُنا، فلماذا إذًا انتظارُه مرعبٌ، مخيفٌ، مربكٌ، مقلق؟

أحاولُ أن أتجلّدَ وأقولُ لنفسي إن الجسدَ سجنُ المؤمنِ والموتُ خلاصُه، ثم أعودُ مشوَّشةً، أتضرّعُ وأتوسّل:

يومًا آخرَ يا رب.

يومٌ إضافيٌّ سيزيدُ من ثباتِها.

يومٌ إضافيٌّ ستقتربُ بخطوةٍ نحو هدفِها، نحو حلمِها.

يومٌ إضافيٌّ آخرُ يبدّدُ خوفَ الرحيلِ ويؤجّلُه.

غدًا امتحانُها الأخيرُ في السنةِ الثالثةِ، كليةِ الطب. جاءت ورأسُها يميلُ من التعبِ والسهر:

- ماما، أحتاجُ دعاءكِ كثيرًا، هذه أصعبُ مادة.

نظرةُ عينيها ونبرةُ صوتِها كانت تستغيثُ بكلِّ أمومتي، بكلِّ عمري... كوني معي.

فكرةُ أن أسبّبَ لها قلقًا مع يومِها الأخيرِ من الامتحاناتِ كانت أشدَّ ألمًا من المرضِ نفسِه. ابتلعتُ ما كان عندي من مسكّناتٍ لكنها تآمرتْ مع تلك الكتلةِ اللعينةِ ورفضتْ أن ترحمَني.

انسحبتُ للغرفةِ المجاورةِ بهدوء، خشيتُ أن يستنزفَ الألمُ صبري وصمودي فأنهارَ أمامَها. كنتُ أتلوّى وأعضُّ الوسادةَ، أكتمُ صراخي بصمتٍ لا يحتملُه إلا الأمهات.

بعد مشوارٍ طويلٍ مع الكيماوي والتحاليلِ المختبريةِ ومقاطعِ السكانر والمفراس، قالها الطبيب:

"لقد وصلَ المرضُ للنخاع."

عجزَ الطبُّ أن يمنحَني وقتًا أعيشُ لأجلِها.

مع الفجرِ غبتُ عن الوعي، لا أدري إن كنتُ ضربتُ رأسي بالبلاطِ من الألم. زحفتُ للبابِ، فتحتُه قليلًا، أريدُ الاطمئنانَ عليها. لم تُمكّنّي قدمايَ من الوقوف. لم أرَ نورًا من غرفتِها، يبدو أنها أخذتْ قسطًا من الراحةِ ونامتْ أخيرًا.

صلّيتُ في مكاني كما أنا واستغفرتُ ربي، ناجيتُه، أكثرتُ من الدعاءِ، أتضرّعُ، أتوسّلُ السدادَ لطفلتي الوحيدة.

سمعتُ صوتَ البابِ يُفتحُ وتستعدُّ للخروجِ بعد أن أخذتْ حمّامًا وتناولتْ شيئًا قليلًا من الكيكِ والعصيرِ كعادتِها كلَّ يوم، إلا أني اليومَ لم أكن أنا من جهّزَ الفطور. صرختُ حالما خرجتْ، ويا لعجبِ صراخي لم يعدْ له صوت!

طوالَ فترةِ مرضي كنتُ أُعدُّها إعدادًا نفسيًا وإيمانيًا لتتقبّلَ حياةً لا وجودَ لي فيها يومًا ما. وعدتْني أن لا تنكسرَ وتستمرَّ قويةَ الشكيمة، وبقيتُ أنتظرُها.

يومًا آخرَ يا رب.

- أمي، وعدتُكِ وقد وفيتُ بوعدي، قويةٌ كما علّمتِني، صلبةُ العودِ، لم أتنازلْ عن حلمِكِ وحلمي. اليومَ جئتُكِ أحملُ بين يديّ هديتي لكِ، شهادةُ نجاحِكِ أنتِ...

ارقدي الآنَ بسلامٍ حبيبتي.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١١:١٣ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

على ضفاف الجراح
سرد

على ضفاف الجراح

على ضفاف الجراح إشراق، اسم امرأة يوحي بالضياء، ربما يرمز لشروق الشمس التي تمنحها دفء المشاعر والأحلام في الطفولة، بينما تلسع حرارتها جسدها الذائب بعد حين؛ ليلتهب بنار غير مسبوقة بأعراض. تنظر إلى الحياة من خلف أسلاك شائكة من الحزن فلا ترى الدنيا في عينها سوى: سوادِ ليل حالك، وذبولِ أزهار في خريف…

· 7 د
ليلة جنب التوابيت
سرد

ليلة جنب التوابيت

الساعة الثالثة بعد منتصف الليل.. أجلس مع بضعة موتى لم يحالفهم الحظ هذه الليلة، فغلبهم النعاس، وبضعة أحياء ماتوا للتو. خارج هذه الصالة كان العالم، وداخلها كان الخوف يتسرّب من النوافذ والجدران، يتجوّل بين الأسرّة وتحت الستائر، ويداعب الهواء المريض. كان جسده شفافًا ويده باردة. يتعب من جولاته، فيجلس…

· 2 د
أنياب البنادق
سرد

أنياب البنادق

| قاص وأديب | عراقي تنفّس بعمق حين انسكب الضوء على وجهه في يومٍ مشمسٍ يوحي بدفءٍ طاغٍ. وقف أمامها، فلامست عيناه ثقبًا مجوَّفًا أسفل ذقنها. تألّم في داخله لرؤيتها بتلك الحال. استنطق الصمت، فتدحرجت الأجوبة كسيلٍ صخري تراكم في حفرة أحدثتها تجارب الزمان. همست له بعد صمتٍ طويل التفَّ على حنجرتها بصوتٍ…

· 2 د