انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

طيور يتيمة

نجمان ياسين
نجمان ياسين

أديب ومؤرخ عراقي

12 دقائق للقراءة
294 مشاهدة
طيور يتيمة
مشاركة:

لا أحد يعرف كيف جاء هذا اللقب ، ولا أحد يعرف معنى هذا اللقب أيضاً ، لا أحد منا نحن الأولاد العفاريت ، يعرف أيَّ شيء عن أهل - غريب النسلي - ، ولسنا ندري من أين وصل إلى حيِّنا العتيق ، ليفتح دكان حلاقته العجيب !

ذلك الدكان الذي يوفر الفيء والهواء المنعش لنا ، ويجعلنا مبهورين بالطيور التي

تتهادى برشاقة وتغني بأصوات تطربنا ، وتجعلنا ننسى أنفسنا وعذاب العصا التي

ستنهش أجسادنا عندما يعرف آباؤنا أننا قد هربنا من كُتّاب – المُلاّ كسو – وقصدنا دكان حلاقة " غريب النسلي " !

دكان حلاقة " غريب النسلي " ، قريبة من كُتّاب – المُلاّ كسو – ذلك الأعضب العجوز الذي تقول عنه جدتي :

- ما إيبول على يد مجروح !

الدكان قرب – سوق الأحمدية – ونصعد إليه مستخدمين عشر درجات مبنية من حجارة خشنة وطين ، تفضي إلى الزقاق التي تأخذنا إلى السوق ، وفي مطلع الزقاق نبصر دكان الحلاقة ، منزوية ، منعزلة ، وبعيدة عن صخب وأصوات السوق بالرغم من أننا نسمع أحياناً أصوات وشتائم بعض الباعة السفهاء كما يصفهم  – المُلاّ كسو –.

إعتدنا أن نذهب في الصيف إلى كُتّاب – المُلاّ كسو – وإعتاد أن يفتش الخرق التي تحمل طعامنا ، وكان يحلو له أن يأخذ من هذا الولد بيضة ، ومن الآخر خيارة ، ومن الثالث حبة طماطة ، كما إعتاد أن يقتطع من كل رغيف خبز قطعة ، ويكوِّم كل ذلك في زنبيله ، ولا ينسى أن يسألنا إن كان بحوزة أحدنا بعض ذرات الملح !

يقرأ - المُلاّ كسو – على الطعام ويقول لنا :

- كلوا يا أولاد فقد باركته بآيات الذكر الحكيم .

ويحمل طعامه ويغيب عنا لدقائق ، يعود بعدها في هيأة وحش همه أن ينقض علينا ويفتك بنا!

من منا نحن الأولاد ، لا يذكر كيف كان يتحجج علينا ، ويهيئ لنا الذنوب ؟ كي تبدأ عصاه القاسية إضرام النار في أيدينا وأرجلنا ومؤخراتنا !

من منا لا يتذكر زنقة – الفلقة – حيث تدور لائبة أرجلنا المقيدة ، وترتعش أصواتنا مستغيثة من لسعات النار على باطن أقدامنا ؟

وهل ننسى إيقافه لنا في حر الشمس وإجبارنا على قراءة : - قل يا أيها الكافرون لا أعبد

ما تعبدون – مائة مرة . كي لا ننساها ونخلط ونذنب في قراءتها كما نفعل في كل مرة ؟ !

لكننا كنا نخطئ الحفظ في كل يوم ، وينال من أذنب منا العقاب الذي يجعل أقدامنا محمرة ، ومنتفخة متورمة ، كل يوم .

وجدنا نحن أولاد الحي العتيق ، كيف نتخلص من كُتّاب – المُلاّ كسو – وكان الحل ممتعاً ولذيذاً ، فبدل أن نذهب إلى كتابه ، نذهب إلى دكان حلاقة " غريب النسلي "، ونمضي وقتنا مع طيوره وألعابه الحلوة ، موهمين أهلنا بأننا قد فعلنا ما أرادوا لنا في الذهاب إلى الكُتّاب !

كثيرة هي الأفعال التي أدهشتنا في جنة " غريب النسلي " ! وكثيرة هي الأمور التي جعلتنا نصفر لهفة وإنبهاراً ، ونحن نبصره يقوم بأفاعيل تدخل السرور إلى قلوبنا النابضة بالسؤال عما يجري في هذه الدكان الطيبة الحبيبة إلى أرواحنا !

ندخل الدكان من بابها الخشبية المرصعة بدوائر تشبه عيوناً فضية لامعة ، لنصبح داخل غرفة رحبة ، باردة ، جدرانها من جص شديد البياض ، وأرضيتها من تراب مصقول ومتماسك ومرشوش برذاذ خفيف من الماء ، وثمة مروحة تتدلى من السقف وترسل الهواء الناعم الذي يتسرب إلينا بحنو ورحمة .

وجوار كرسي الحلاقة ، منضدة إستقر عليها مذياع صغير أصفر اللون ومستطيل ، وقريباً منه – غرامافون – تجاوره إسطوانات كثيرة ، تبدو مثل أقراص سود متوهجة تحت نثار الضوء المتسلل من أعلى الكوة في سماء الغرفة .

ندخل الغرفة ومعنا لفات طعامنا ، والحقائب المصنوعة من بقايا ثياب قديمة معلَّقة على أكتافنا، وداخلها جزء - عمَّ - وجزء - تبارك - ومعنا لهفتنا وخوفنا ولهيب الصيف تحت جلودنا .

يقول أحد الأولاد :

- جئنا لنقص شعورنا .

يهز " غريب النسلي " رأسه بوداعة ، ويرسم إبتسامة حنونة على شفتيه . ويشير إلينا أن نجلس ، يشير من دون أن يتفوه بكلمة أو حتى بحرف !

هكذا كلما إرتأينا أن نهرب من الحر وعصا المُلاّ المنقوعة بالماء والملح التي تنهش أقدامنا وأيدينا ، نلجأ إلى جنتنا الآمنة .

ندخل الغرفة ، فيواجهنا " غريب النسلي " بإبتسامته الرقيقة المفصحة عن الإحتفاء والترحيب بنا، نرى ذلك أيضاً في عينيه المبتهلتين الناعستين وكأنه ضائع أو خارج من نوم طويل ، ونكاد نبصر في ملامح وجهه الرضي صفناته التي تُحلِّق به في حلم وتأخذه من حلم ، ونظل متصلبين في وقفتنا !

يومئ لنا ثانية أن نجلس ، فتتراخى أجسادنا على الكراسي المغزولة من قصب رقيق يابس أصفر كالذهب ، ونشعر بعذوبة الهواء البارد تتسرب إلينا وتمنحنا راحة لذيذة .

نجلس صامتين ، نؤثر الصمت والمراقبة ، ولا يجسر أحدنا أن يبادر إلى قول أو إقتراح ، فالذي يقرر الأمر أولاً وأخيراً ، هو " غريب النسلي " .

نعرف أن وجودنا في الغرفة التي تبث السكينة في أرواحنا ، وتنشر الفرح في قلوبنا ، يرتبط بما يريد " غريب النسلي "، فهو من يقرر إن كنا سنقص شعر رؤوسنا ، أم سنؤجل ذلك إلى يوم آخر ، وهو من يحدد متى يبدأ ، وأين ينتهي ؟

وكنا نحن قانعين بكل ما يرغب فيه ، فذاك فضل منه ، وكيف لا يكون فضلاً وقد أتاح لنا الجلوس مع طيوره الأليفة التي تصدح بغناء له أكثر من لون ؟ كيف لنا ألاّ نكون راضين وقد أدخلنا جنته الباردة وإنتشلنا من جهنم الصيف ؟ كيف لا نرضى وهو لا يتقاضى منا عن حلاقة الرأس الواحد سوى نصف درهم . بينما يأخذ الحلاقون الآخرون الدرهم بالتمام والكمال؟

نجلس ونرقب " غريب النسلي " ، بدلته سوداء ولماعة ، وقميصه أبيض ناصع ، وربطة عنقه صغيرة ولونها الأحمر يشبه الدم الصافي ، وفي جيب سترته الأعلى وردة تكون مرة بيضاء ومرة حمراء ، تتدلى قريباً من قلبه ، عند الصدر النحيل الملموم على جسد ضامر .

أرقب شعره المدهون والمفروق من الوسط ، شعره الأسود كالليل وهو يحيط بوجهه الأبيض ، وأكاد أمسك بالحزن في عينيه المبتهلتين ، وأذكر قول خالي الذي اكتشف هروبنا من – المُلاّ كسو – والتجاءنا إلى جنة " غريب النسلي " ، ولم يخبر آباءنا في الحي العتيق ، بل تستّر علينا ، أذكر كلمات خالي تقرع كالناقوس في رأسي:

- مسكين غريب النسلي ، مسكين ومنكسر القلب ، يقولون إنه في شبابه قد تعشّق صبية سلبت عقله ، قالوا بأنها من عائلة تحصر الزواج بين الأقارب فقط ، وقالوا بأن النسلي قد طاش فؤاده وضاع لبه ، وإنه قد هام حافياً في طرقات المدينة لأشهر ، ثم إسترد نفسه وإعتكف في دكانه منقطعاً عن الدنيا .

وجه النسلي ، حليق ، طري وغض ، ومن دون شاربين ، وتفوح منه رائحة عطر طيِّب ، وأصابع يديه ، رفيعة وطويلة وتشف عن عروق ناعمة خضر بارزة .

نجلس في الدكان .

نرقب الطيور ، ونتطلع إلى النسلي بعيون مختلسة مثل لصوص ، لنعرف ما يجري وعلى الرغم من أننا قد ألفنا بعض عاداته ، إلاّ أننا لا ندري كيف سيتصرف ، فهو في كل مرة ، على حال ، وفي كل مرة ، نكتشف شيئاً جديداً في تصرفه معنا .

يحدث أن يقول لنا إذا أراد حلق شعر رؤوسنا :

- البداية .

وبعد أن ينتهي ، يقول :

- النهاية .

هكذا ، يلفظ هاتين الكلمتين ، ولا شيء سواهما ، فكأنه لا يعرف إلاّ هاتين الكلمتين .

ويحدث ألاّ يكون في مزاجه ، وقد قرر مسبقاً ألاّ يحلق شعر رأس أحد ، فيدير الكرسي إلى جهة معاكسة ، ويسحبها إلى زاوية بعيدة عن المرآة .

وكنا نفهم هذا ، كما نفهم أن ليس بمقدور أحد أن يخرجه من إنغماسه في تدخين غليونه الذي يعبق برائحة تبغ له نكهة تفاح وخوخ وإجاص ، نكهة مختلفة في كل مرة ، نكهة فواكه تسطلنا وتجعل لعابنا يسيل من دون جدوى ، وكنا نتساءل :

- من أين يجيء بكل هذه التبوغ ؟

أما إذا دخلنا الدكان ، وكان يصغي إلى مذياعه الذي يرسل الأغنيات الأجنبية أو يستمع إلى أسطوانة تدور مع الغرامافون ، فينبغي ألاّ نصدر نأمة ، وأن نجلس كالتماثيل ، ولن نجلس إلاّ إذا أومأ إلينا بذلك كعادته من دون كلمة أو حرف .

أحياناً ، نراه ساهماً ، ملتفاً على نفسه مثل قنفذ مذعور !

وأحياناً ، نراه صامتاً ، غائم العينين ، يبدو وكأنه يمنع دموعه من الإنسكاب على وجهه الناعم.

وربما رأيناه مرة وقد تراقص الجذل في عينيه ، وبدا شعاع نور يومض بالطمأنينة في أعماقهما النائية ، ولعلنا أبصرناه مرة ، يخرج صفيراً مبهجاً ويحاول أن يدندن بصمت مخنوق لحن أغنية لم نعهدها . يدندن وعيناه شبه مطفأتين !

وقد يكون بعض الأولاد ، مندهشاً مما يجري ، ويكون بعضهم غير مستوعب وقد يرون أن النسلي يهملهم ولا يأبه لهم ، لكن جميع الأولاد ، يشعرون بالرضا ، فهم يعرفون أن ساعاته ليست واحدة ، كما يتحدث أبناء الحي العتيق .

أشياء وأشياء تجعلنا نحب النسلي ، ونقف بين يديه مذعنين ، ممتثلين لأوامره التي تصلنا عبر إشارات يديه النحيفتين ، وعينيه اللتين ترسلان إلينا رسائل كنا قد برعنا في تسلّمها وكشفنا بمهارة ما تريد منا !

نُسلِم رؤوسنا له ، فينكث بيديه السريعتين ، شعورنا ، ويستكشف ما تحوي في طرقاتها ودروبها من فجائع مخجلة ، وإذا صادف وأن عثر على قمل أو بيوض قمل ، توقف للحظة شبه مصعوق ، ثم عاد إلى معالجة الأمر بهدوء وذلك بأن يبلل قطعة قطن بالكاز ويفرك بها شعورنا فركاً متأنياً رفيقاً ثم يشير إلينا بيديه الناطقتين وعينيه الحزينتين ، أن ننهض ليقودنا خارج الدكان حيث يوقفنا في الشمس لدقائق صاغرين ، كي يموت القمل وتطرد بيوضه التي تمص دمنا ، وإذ ينتهي من تنظيفنا ، يبدأ معاينة شعر رؤوسنا ، يعرف كيف يجعل الشعر الخشن الشبيه بجزة صوف ، ليناً ، ويعرف أية قصة تلائم الشعر الأشقر أو الشعر الأسود أو الشعر التمري ، ويعرف ما يفعل بشأن الشعر المرسل الخفيف كالريش ، والشعر الملبد القاسي، يتفنن في قص شعورنا على مزاجه ، يختار لنا طول الشعر ونوع المشط ، وبأية طريقة يُرّجل هذا الشعر من دون ذاك ، وأي مقص يستخدم ؟ ولا يفوته أن يضفي لمساته البارعة في تشذيب ما يزيد من شعرات هنا وهناك ، لينهي عمله بتمسيد شعرنا بدهن كثيف يجعله يسطع ملتمعاً تحت الضوء .

وبعد أن ينظف شعورنا ، ونصير مشرقين ، نحاول أن ندس قطعة النقد في يده ، فيمتنع ، ويشير إلينا بأن نضعها في صندوق من معدن له شق صغير ، فنفعل ، وربما وضع أحدنا عشرة فلوس بدلاً من نصف درهم ! وحينذاك يبتسم النسلي إبتسامة رضية فاتنة ، ويومئ إلى طعامنا الراقد في حقائبنا مشيراً إلى فمه وبطنه ، فنفهم ، ونضحك ، ونخرج لفاتنا ونبدأ قضمها مثل فئران شرهة أنهكها الجوع .

ويراقبنا ، وعيناه تبرقان بحنو وحزن .

وعبثاً حاولنا أن نشركه في طعامنا ، وعبثاً حاولنا أن نرفض بعض عناقيد العنب الأبيض الحلو كالسكر الذي يسمونه - أصابع البنات - والذي كان يقدمها لنا ، وشبح إبتسامة جريحة تلوح في وجهه الحزين .

نأكل بنهم وتلذذ ، ويداعبنا الهواء المنعش بليونته وبرودته ، فنشعر كأننا في جنة ، ونصغي إلى دقات قلوبنا تنبض بالسرور ، ونراقب النسلي وطيوره .

صدور الطيور مرقطة بالأحمر والأسود والأصفر ، ولبعضها لون البنفسج ولون الذهب أيضاً، وربما توهج ريش بعضها بلون الفضة .

عيون الطيور تبرق مضيئة ، ريشها براق ونظيف يلمع تحت نور الشمس النازل من أعلى الغرفة ، ريشها ناعم كالحرير .

الطيور تحف بالنسلي ، وتحيق به من كل صوب ، يرتمي بعضها في حضنه ويندحس طير في فتحة قميصه ، ويقفز آخر إلى أحد كتفيه ، ويضم هو طائراً إلى صدره ، يقربه من وجهه وعينيه ويهمس شيئاً في أذنيه ، يوشوش له بصوت مكتوم نتبينه في إرتعاش شفتيه ، يتمتم ويطلقه ليمسك طيراً يناغيه ويناجيه بلغته الصامتة ، يلتحم به ويحدق في عينيه الملتمعتين ، وشفتاه ترتعشان بخشوع كما لو كان يمسك شيئاً طهوراً له قدسية ، والأولاد ينظرون مشدوهين ، وأنا أتذكر قول جدتي لي :

- إن النبي سليمان ، كان يكلم الحيوانات والطيور !

أتذكر قول جدتي وأبصر أمامي النسلي يكلم الطيور مثل نبي الله سليمان .

الدهشة سماء تهبط علينا ، ونحن نرقب ونسمع ونرتجف فرحاً ، فكأن الطيور قد أدركت أن النسلي يستحثها على الغناء ، فبدأت تشدو بأصوات شجية ، تتوقف فجأة عن الغناء وكأنها قد أفرطت وجاوزت حدها وسرعان ما تفيض بالغناء ، وعينا النسلي ، فيهما إبتهال وضراعة ولهفة حتى ليبدو مثل غريق في نهر الغناء الصافي وتردد النغمات والألحان في مهرجان الطيور .

وجه النسلي ينم عن الرضا ، وثمة طائر يصدح بصوت مرتفع وآخر ينبعث صوته بخفوت .

الطيور تشدو بأنغامها المتناسقة ، والمتنافرة ، تغرد جماعياً وفردياً وثنائياً ، وتندفع في الغناء حتى إذا شعرت بأنها قد تمادت ، أمسكت ، وعادت لتغني بصوت ملآن يصدح بالألفة مرة ، وبالوحدة مرة ، ويجيء غناؤها مشحوناً بالبهجة ، متلاصقاً ، ومتتابعاً ، هارباً ومتعاقباً ، وتنقر ريش بعضها بنعومة ومناغاة ، وتنثني متمايلة في رشاقة ومرح وخيلاء .

النسلي يراقب الطيور ، ويغرق في نهر أصواتها الغزير الذي يفيض علينا ، ونحن نغرق معه في هذا الغناء المتسق المتناغم الذي يأخذ أرواحنا بعيداً عن أشواك دنيا - المُلاّ كسو - وعقابه الصارم .

وعندما تنتهي الطيور من أناشيدها ، تنفش ريشها وتداعب بعضها بحنو ، فينهض النسلي ليرمي حبات القمح ونثار القش المُجَّوف ، ويستبدل بمائها ماءً جديداً موضوعاً في كاسات من خزف أخضر اللون يشبه كاسات اللبن الرائب الذي نعده في بيتنا .

تنقر الطيور الحبات ، وتلتقطها وتعبث بنثار القش المُجَّوف ، وتندفع صوب الدائرة التي كوّنها نور الشمس ، فتنفش ريشها ، وتتشمس وتروح تغرد بأصوات آسرة تجعل الدنيا ترقص بحبور ، وتجعل أرواحنا تخفق بسعادة لذيذة .

لماذا جاء الأولاد بهذا الخبر ؟

ولماذا شعرت كأن حبلاً يلتف على رقبتي ويمسك جوزة حلقي ؟ لا بل لماذا أحسست كأنهم يدقون مسماراً صدئاً في قلبي ؟

الآن أشعر بمرارة قاسية في فمي ، بأشواك عصية تُقَمِط صوتي وتمنعني من الصراخ .

هل صحيح أننا قد فقدنا جنتنا ، وأننا لن نبصر النسلي ؟ وأين ستذهب الطيور الآن ؟

إنتبه أهل الحي العتيق ، إلى أن النسلي لم يعد يفتح دكان الحلاقة !

وإنتبهنا قبلهم إلى ذلك ، فقد هربنا من كتاب - المُلاّ كسو – لمرتين ، لندخل جنتنا المأمونة ، ووجدنا الباب موصداً.

هجم القلق علينا .

قال مختار الحي لخالي :

- فاحت رائحة من داخل الدكان ، وسمعنا صراخ ونواح الطيور ، فإضطررنا لكسر الباب ، ووجدناه مسجى على الأرض ، تصور كان يبدو وكأنه يبتسم في موته ، وكانت طيوره مذعورة ، صرخ بعضها وطار بعضها الآخر خارج الدكان ، وبقيت طيور أخرى تولول بيتم وتبكي عند رأسه !

هبط الخبر على رأسي مثل حجارة ناتئة ، شجته وأدمتني !

قال خالي :

- هكذا هو منكسر القلب ، غريب ، وحيد .

قال المختار :

- دنيا .

تمنيت لو أن للدنيا رقبة ، لكسرتها ، وتخيلت أن وجه الدنيا الأسود يضحك أمامي متشفياً فشرعت أبصق عليه بلا هوادة .

ووجدتني أسأل روحي :

- أين سنهرب من مجلس الأعضب - المُلاّ كسو - ومن نار الصيف ، وقد غادرنا غريب النسلي ، وتركنا مثل يتامى ضائعين ؟

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٢ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٢:٢٠ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.