انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

سمكةٌ تعبر من دبي إلى الرصافة

عامر كامل السامرائي
عامر كامل السامرائي

قاص ومترجم عراقي

4 دقائق للقراءة
68 مشاهدة2 تعليق
سمكةٌ تعبر من دبي إلى الرصافة
مشاركة:

لم أكن أتوقع أن تكون سمكة الهامور هي الجسر.

نحن العراقيين نبني الجسور بين ضفتي الكرخ والرصافة من حديد واسمنت ثم ننساها، أما الذاكرة فنبنيها لنا بلا حجر ولا فولاذ، وإنما بلقمة سمك، وعلى حين غرّة، في مدينة قد لا يعرف الكثير منهم الكرخ والرصافة، إلا من أغنية شعبية عراقية تقول:

"ارد انشد الصوبين كرخ ورصافة

واسأل عن المحبوب منهو الي شافه"

في مطعم "سلة الصياد" بدبي، كانت الأسماك مصفوفة على الثلج كأنها تنتظر الداخل لتعرّفه على نفسها.. كان إلى جانبي منذر، صديق مخلص نبيل من الصالحية، ابن الحارة التي تعرف أبناءها من لهجتهم البغدادية قبل أسمائهم. نحن الاثنان من الكرخ، وما زال أحدنا يقول للآخر وهو يضحك: "كرخي أصيل" كلما فلتت منّا كلمة بغدادية صافية، كأنها شهادة منشأ لا تُزوَّر. طلب منذر السمك بخبرة من يعرف أن نهر دجلة يسكنه. قدموا لنا السمك، مد يده منذر وبدأ يأكل، أما أنا فنظرتُ إلى الصحن فلم أرَ فيه ما رأته عيناه.

رأيتُ عگد الجرّي.

كنتُ حينها في السابعة عشرة من عمري، وفي زيارة لبيت عمي وقت الظهيرة. اصطحبني ابن عمي حازم قائلاً: - تعال ويايه نتغدى..

كان يمشي أمامي كمن يقود سائحاً إلى آثار سرية، في زقاق قريب من حمّام العوافي، كانت تجلس امرأة بعباءتها السوداء والچرغد يحيط برأسها كتاج ملكة بلا عرش، وإلى جانبها قدرٌ بحجم قلبها الكبير، تقلي فيه الجرّي حتى يصير ذهباً يُؤكل. وكان الزبون يجلس على تنكة، وللأمانة لم يشتكِ أحدٌ يوماً من ضيق الكرسي، فالتنكة تعرف مقاس الرجال أكثر من الخيّاط! كانت تنكة زيت الراعي قد أدّت خدمتها في المطابخ العراقية، ثم أُحيلت على التقاعد في الزقاق، فصارت أرفع منصباً من نصف الموظفين اليوم.

وأعترف أني لا أتذكر اسم تلك المرأة. هل هي أم جليل؟ أم سعدية أم الجرّي؟ ضاعت الأسماء! لكن رائحة سمكها لم تضِع قط، فهي حتى اليوم حاضرة كموظف قديم يرفض التقاعد.

تجلس خلف قدر لا تُطفأ ناره. لم تكن هناك قائمة طعام، ولا نادل، ولا ما يسمى اليوم " تذوق وجرب مجانا". كانت هناك تنكة نجلس عليها، وسمكة جرّي تُقلى أمامنا كأن النار خُلقت لذلك القدر لأول مرة. لم نسأل عن الثمن، فالأثمان كانت تُقال بإيماءة، كما تُقال الأسرار بين من يتَّفقون على الصمت.

قال منذر: - ها؟ اشو ما تاكل؟ أكيد اكو شي ببالك.

كيف أشرح له أن اللقمة التي في فمي تعود إلى أربعين عاماً مضت؟ قلت:

- لا والله، بس... الطَّعم ذكّرتني بشي.

- عيني گول، ليش آني ما أعرفك؟ وجهك طالع مثل شاشة سينما.

هذا السمك، وأنا في هذا المكان البارد الأنيق، أشبه رجلاً ببدلة جديدة على جسد قديم. كل شيء هنا صحيح، إلا الطَّعم، مثل ترجمة جيدة لقصيدة تعرفها بلغتها الأم. المعنى كله موجود، والروح هناك في الأصل.

ربما كانت المرأة التي تقلي السمك تعرف أكثر مما نعرف. كانت تعرف أن الفقر يمكن أن يكون كرماً حين لا يُسمّى فقراً، وأن الطعام، حين يُقدَّم على قارعة زقاق، يتحول إلى طقس صغير للانتماء.

لم تكن تبيع سمكاً، كانت تمنحنا مكاناً. ونحن اليوم نحمل معنا الأمكنة في هواتفنا، نبحث لها عن موضع على طاولة غريبة، فلا نجد سوى الحنين.

مدّ منذر يده وأخذ قطعة من صحني بلا استئذان، وقال وهو يضحك:

- يابه، أنت أكيد دا تذوّق الماضي مو السمك."

ضحكتُ. وكان في ضحكتي شيء من الخيانة الصغيرة، فقد فضحني الكرخي بجملة واحدة. نحن العراقيين نعرف بعضنا من الصمت قبل الكلام، ومن نظرة إلى صحن مشدود البصر على ما غاب. قلت له:

- تدري نذوري؟ أول مرة أكلت جرّي بالرصافة، وآني كرخي، حسّيت نفسي سائح.

قال: - وهسَّه؟

- وهسَّه كرخي مقيم بدبي، ويتذكر جرّي الرصافة.

لا أدري إن كان عگد الجرّي ما زال هناك. الأمكنة التي تسكننا لا تحتاج أن تبقى لتبقى. يكفي أن تضع لقمة في فمك، في مدينة لا ترتبط بالكرخ ولا بالرصافة، حتى يعود الجسر بين الضفتين، وتعود الرصافة بحمامها وزقاقها وتنكاتها وامرأتها، ويعود ابن عمي حازم بخطوته الواثقة وهو يقول لي:

- تعال، راح اشوفك شي عمرك ما تنساه.

وقد صدق. لم أنسَ. لكنه لم يقل لي حينها إن النسيان لا يأتي حين نريد، وإنما يأتي حين نكفّ عن الحاجة إليه.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٤٢ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

على ضفاف الجراح
سرد

على ضفاف الجراح

على ضفاف الجراح إشراق، اسم امرأة يوحي بالضياء، ربما يرمز لشروق الشمس التي تمنحها دفء المشاعر والأحلام في الطفولة، بينما تلسع حرارتها جسدها الذائب بعد حين؛ ليلتهب بنار غير مسبوقة بأعراض. تنظر إلى الحياة من خلف أسلاك شائكة من الحزن فلا ترى الدنيا في عينها سوى: سوادِ ليل حالك، وذبولِ أزهار في خريف…

· 7 د
ليلة جنب التوابيت
سرد

ليلة جنب التوابيت

الساعة الثالثة بعد منتصف الليل.. أجلس مع بضعة موتى لم يحالفهم الحظ هذه الليلة، فغلبهم النعاس، وبضعة أحياء ماتوا للتو. خارج هذه الصالة كان العالم، وداخلها كان الخوف يتسرّب من النوافذ والجدران، يتجوّل بين الأسرّة وتحت الستائر، ويداعب الهواء المريض. كان جسده شفافًا ويده باردة. يتعب من جولاته، فيجلس…

· 2 د
أنياب البنادق
سرد

أنياب البنادق

| قاص وأديب | عراقي تنفّس بعمق حين انسكب الضوء على وجهه في يومٍ مشمسٍ يوحي بدفءٍ طاغٍ. وقف أمامها، فلامست عيناه ثقبًا مجوَّفًا أسفل ذقنها. تألّم في داخله لرؤيتها بتلك الحال. استنطق الصمت، فتدحرجت الأجوبة كسيلٍ صخري تراكم في حفرة أحدثتها تجارب الزمان. همست له بعد صمتٍ طويل التفَّ على حنجرتها بصوتٍ…

· 2 د