انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

انتفاضة

احمد غانم عبد الجليل
احمد غانم عبد الجليل

قاص وروائي عراقي

5 دقائق للقراءة
14 مشاهدة
انتفاضة
مشاركة:

مثل مراهقٍ خرج أهله وتركوه وحده في البيت، قد يُخرج علبة سجائره المخبأة ليدخن منها ما يشاء، دون خوف من رائحتها التي تأبى الانزياح عن الغرفة؛ يرتشف بانتشاءٍ من زجاجات الخمر التي اشتراها تحضيرًا لهذه الفُسحة الزمنية النادرة، يرفع صوت المسجّل إلى أقصى حد، يتعرّى من ملابسه باستثناء لباسه الداخلي، أو لعله ينزعه هو الآخر بعد إسدال الستائر، يتجول في أنحاء البيت، تداعب أصابعه الراقصة الأرض على أنغام الموسيقى الصاخبة، يستعرض فحولته بتباهٍ أمام المرايا كلها، حتى تأتي رفيقته الخبيرة بتفجير طاقاتٍ لا سلطان لأحدٍ عليها، يسابق معها أجرأ الأفلام التي يحضرها ويشاهدها خفية بين الحين والآخر، يوالي البحث عن أكثر المشاهد إثارة، يتمعن في تفاصيلها عند كل مُشاهدة تستحضرها مخيلته بعد ذلك في عتوّ هيجان الشبق.

"كن عاقلًا ولا تتحامق".

لفظتها بضحكةٍ مداعبة استمرت مع التفاتة منها جهة الباب، الذي أفسح إغلاقه للصمت مكانًا في فضاء البيت.

"كن عاقلًا، كن عاقلًا، كن عاقلًا..." صرتُ بلا وعي أغنيها بصوتٍ عالٍ وسخرية تمقت كل مرة سمعتُ فيها تلك الجملة الرادعة، بنبرات وتعبيرات وجوه مختلفة، تحتد صرامتها في ذاكرتي عامًا تلو الآخر.

فجأة، رحتُ أقهقه في مكاني من هذيان وحدتي، وكأني سكرت ولم تندلق في فمي قطرة خمر واحدة. عاهدتها أن أكُف عن الشرب، وأن أقلل من تأخري في السهر مع أصحابي، فوفيت بعهدي؛ وطبعًا ألا أفكر بامرأةٍ سواها، وإن فعلتُ فستعلم بمَلَكة الأنثى والعاشقة داخلها، كما هجستْ منذ البداية أن رأسي لم يتخذ غير صدرها الحاني موطئًا من قبل، وما نهلتُ من غير كأس شفتيها رحيقًا.

هنا، على ذات الكنبة، كنا نتأكد من استكمال لوازم البيت قبل أسبوعٍ بالتمام من ليلة العرس. سبعة أيام كانت تفصلني عن فتح مصراعيّ باب جنتها، تقتُ إلى دخولها منذ المرة الأولى التي رأيتها فيها؛ فوّارة الأنوثة في كل حركة تصدر عنها. لم أرد الضغط عليها وكشافات الخشية والقلق تطلق إنذارها من جوف ليل عينيها، رغم أن تملصها من بين ذراعيّ كان يغريني أكثر بمراوغة حمامتي خفّاقة الجناحين في محاولة التخلص من قبضات ولعي، فأعطيتها الفرصة لذلك؛ تركض من أمامي كطفلة تلعب لعبة الاختباء بتحفزٍ شديد، تتحصن وراء أول باب يواجهها دون أن يلجه مفتاح، وما حاجتنا إلى المفاتيح ولن يسكن الدار سوانا؟!

ـ معكِ أريد أن يكون كل شيء مشرعًا، دون أي نوع من القيود، يكفي ما وجدنا أنفسنا عليه من تكبيل.

ـ كن عاقلًا.

أول مرة كنتُ أسمعها بصيغة الترَجي اللاهث تلك، تخفي فرحتها في خَجل، فأعطيها الأمان للخروج بفتحي باب الدار ووقوفي على عتبته من الخارج.

ـ لن آتي معك وحدي إلى هنا أبدًا إلا بعد العرس.

قربتُ وجهي من رأسها المطأطأ والمغري بمعاودة احتضانها:

ـ تقصدين بعد شهر العسل، شهر الجنون، يا جنوني الذي تقتُ إليه منذ أمدٍ بعيد.

"كن عاقلًا. لا تأتِ بحركة أثناء الدرس. كن هادئًا حتى أثناء لعبك مع أصدقائك. كن مجتهدًا حتى يشتري لك أبوك الدراجة الهوائية التي وعدك بها عند نجاحك بتفوق. كن مطيعًا حتى يعَلِمك القيادة ويسمح لك بقيادة سيارته في الشوارع الفرعية إلى أن تحصل على الرخصة. كن على قدر المسؤولية حتى يوافق ويساعدك في زواجك بمجرد إنهائك الخدمة العسكرية. كن رهن إشارتهم ما استطعت كي تتجنب العقاب".

كن، كن، كن…

عادتْ إليّ خواطر ذلك الشاب المراهق والنّزِق، لا حد لرعونته واستهتاره، وأنا أرغب في أن أجرب شيئًا، أي شيء خارج نطاق العقل والمسؤولية التي فرحتُ بها في سنٍ مبكرة. الكثيرون ممن هم في عمري لم يتزوجوا بعد، لا أقول إني نادم على ذلك، على العكس، فلو لم أتزوج حبيبتي لعشت عمري كله مُسَمّرًا بأشواك حرمان صار غريبًا عني منذ الليلة الأولى؛ وإلى حد الآن، كل مرة تجمعنا هي بمثابة تلك الليلة بالنسبة لي، ولها أيضًا كما يبدو باستمرار، وإن تسلَطَ علينا شيءٌ من رتابة الاعتياد، نحاول تبديده قدر المستطاع. لديها القدرة على جعلي في حالة ارتواء كامل، وكذلك في حالة لوعة واشتياق دائمين. كلٌ منا صار يعرف ما يريده الآخر وفي أي وقت دون أن ننبس بكلمة، رغم مرور السنوات وكل عبء تلقيه الحياة على كاهلنا. فما الذي يحدث لي؟ أيُ مارد يريد الخروج من مَكمَنه يحُثني على الإتيان بما أدرك أنه سوف يسلبني القدرة على الاستغراق في بؤبؤ عينيها؟ أي جنون هذا الذي يحفر عقلي، أي جنون!.

استلقيتُ على الكنبة التي اضطجعتُ عليها منذ حين، لا أنتبه لعدد ما أشعله من سجائر من ذات النوع الخفيف جدًا حفاظًا على صحتي، كما صارت تنصحني بلجاجة. كل شيء فيّ مُثار، حتى سمعتُ صوت إشارة تصدر عن الفاكس، فتذكرت أوراق المشروع التي كنت أنتظرها منذ ساعات بصبر قلق.

أعددت قدحًا من القهوة علّه ينتشلني من حبائل خبَل اجتاحني على حين غفلة. وضعت نظارتي الطبية فوق عينيّ وعدت إلى جلستي أمام المكتب الصغير الذي يحتل ركنًا معزولًا عن الصالة بفاصلٍ معدني متحرك (سلايد)، فاجأتني بالاتفاق على وضعه كي أنال أكبر قدر من التركيز في عملي الذي لا يلتزم بميعاد محدد، على عكس ما كنت أتمنى في بداية زواجنا المُبحِر بعيدًا عن أي مرسى، كما أحببت أن أسميه بلغة شاعر هجرَ قصائده البسيطة منذ زمن.

انشغلتُ بالعمل، ما بين القراءة ومراجعة الشروط والمهاتفات المستعجَلة والمنفعِلة في بعض الأحيان، لمدة ساعتين تقريبًا، مما سببَ لي صداعًا شديدًا في رأسي.

عدتُ إلى الاستلقاء مُجهَدًا على الكنبة، أغمضتُ عينيّ لوهلة لعلي أحظى بغفوةٍ قصيرة، تثيرني السخرية من وضعي مع تلك العاهرة التي جابت خيالي وأنا في أوج هيجاني، ونشوة الخمر تطوّح برأسي.

اشتياق عارم هو الذي ضغطَ على أزرار الهاتف، رغم علمي بانشغالها مع أهلها في التحضير لزفاف أختها الصغرى بعد عدة أيام، ستضطر إلى قضائها هناك.

ـ كيف حالكِ؟

ضحكتْ: لم أتركك سوى ساعات يا طفلي الشقي.

ـ مشتاق إليكِ جدًا جدًا.

ـ وكأننا في أيام الخطوبة، ما الذي جرى لك؟

صمتتْ لوهلة، وقد هجست بتوهج نبرات صوتي المألوفة لديها.

قالت بذات اللهفة تقريبًا: وأنا كذلك.

هممتُ من فرط انفعالي، والعرق يتصبب من جبيني، أن أطلب منها العودة ولو لساعتين ومن ثم ترجع إلى بيت أهلها، ولكني كنت أعرف جيدًا ما يمكن أن يأتي منها من رد، فألجمت لساني عن تلك الرغبة العارمة.

قلت: سلِمي لي على الولدين، وقولي لهما ألا يزعجا جدهما، وأن يكونا عاقلين.

مشاركة:

آخر تحديث: ٨ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٣:٥٠ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

إلى أين نمضي؟
سرد

إلى أين نمضي؟

في تلك الليلة، لم تكن الحرب مجرد صوت بعيد. كانت حاضرة في كل شيء: في وقع القذائف التي تهز الصفائح المعدنية التي تغطي المواضع الدفاعية، وفي ارتجاج الأرض تحت القدمين، وفي ذلك الغبار الذي يجتاح المكان بعد سقوط تلك القذائف، وفي ذلك الصمت المريب الذي يسبق وصول الأوامر. كان الضابط، آمر السرية، يعرف أن…

· 6 د
الرجل الذي نسي أن يسقط
سرد

الرجل الذي نسي أن يسقط

الرجل الذي نسي أن يسقط!! نشوان عزيز عمانوئيل ستوكهولم خريف 2026 في يوم من الأيام وبينما كنتُ أبحث في جيب معطفي عن مفتاحٍ ضائع، وجدتُ مدينةً صغيرةً تنام على ظهر ملعقة، وكانت شوارعها مصنوعة من أصابع البيانو، وكلما مرّ أحد سكانها فوق الرصيف خرج صوتٌ يشبه اعتذاراً قديماً لم يقبله أحد. أعدتُ المدينة إلى…

· 5 د
طاولة لشخصين في ركن خافت
سرد

طاولة لشخصين في ركن خافت

تندفع على أسفلت الشارع كروح هائمة لا تعرف وجهتها في عتمة الليل، يبتلعها الظلام بكل ما يحمله من وحشة، السيارة تدرج بسرعة، كأنها تهرب من الزمن، من الذكريات، من كل هذا الهم الذي يثقل الروح.. خلف المقود، فتاة تكاد عيناها تفيضان في محتبس من الدموع التي تنبجس من أبعد نقطة في أعماقها، الزجاج نصف مفتوح،…

· 8 د