انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

ابن فطيم الحلقة السادسة والأخيرة

شوقي كريم حسن
شوقي كريم حسن

قاص وكاتب عراقي.

29 دقائق للقراءة
24 مشاهدة
ابن فطيم الحلقة السادسة والأخيرة
مشاركة:

الفصل 11:

محاولة لمحو المستحيل

كان الليل في بغداد حالكًا، لا يخترقه إلا الضوء الباهت الذي ينبعث من نوافذ مباني المدينة التي ما زالت تصارع الوجود. عند منتصفه، بدأت الأرض ترتجف تحت وطأة الانفجارات، كأنما كانت ترد على سؤال قديم، سؤال عن الموت والحياة في زمن يجهل كل شيء.

كانت بغداد تحترق، ليس من نار النار، ولكن من قصف جوي شديد، أصوات القذائف كانت تعصف بالسماء، تفجّر الصمت الذي امتد لسنوات طويلة. كان الصوت يتردد في كل الزوايا، وكأن المدينة نفسها قد دخلت في حالة من الغيبوبة، لا تشعر بشيء سوى أنفاس القصف الذي يعصف بكل ما حوله.

في زاوية نائية من المدينة، حيث كان الزمن يتنقل ببطء كأنما هو متردد في مفترق الطرق، كان الرجل واقفًا. لم يلاحظ أي شيء من حوله إلا الذهول الذي يملأ قلبه.

منذ سنوات طويلة،  قرر مغادرة المدينة، ولكن بغداد كانت دائمًا تحاول أن تمسك به، ربما لا لشيء سوى لأن فيها جزءًا منه لم يستطيع أن ينساه. اليوم، وبينما كانت الأرض تئن تحت وطأة الموت القادم من السماء، شعر بشيء آخر، شيئًا لا يستطيع تفسيره، شيئًا يشبه الحلم الذي لا ينتهي.

أغمض عينيه للحظة، وكأنما يهرب من أهوال القصف.

كان قلبه ينبض بقوة، يحاول أن يعثر على نقطة ثابتة في هذا العالم المترنح. لا شيء كان يبدو حقيقيًا، وكل شيء كان يتغير بسرعة. وكأن الزمن نفسه قد توقف عند تلك اللحظة، وجعل كل شيء يبدو مشوشًا.

“ماذا أفعل الآن؟” كان يسأل نفسه بصوت منخفض، لا يوجهه إلى أحد. كل شيء من حوله كان يقول إن العودة مستحيلة، وإنه لا يمكنه أن يهرب من التاريخ الذي كتب عليه. ولكن في تلك اللحظة، ومع صوت الانفجارات التي كانت تقترب، شعر بشيء عميق في داخله، شيء كان يدفعه للتغيير، للمحاولة، حتى وإن كان ذلك مستحيلاً.

رغم أن بغداد  تحترق، كان يحاول أن يرى ما وراء الظلام، يرى الأمل في نقطة صغيرة وسط الحطام.

كانت السماء تتشقق من شدة الانفجارات، والدمار يملأ الأفق. كلما اشتد القصف، كان الرجل يخطو خطوة أخرى نحو المجهول. كانت شوارع بغداد، التي طالما أحبها، تتحول إلى بحر من الرماد والأشلاء. لا أحد كان يصرخ، ولا أحد كان يركض بعيدًا. الجميع كان يعيش في اللحظة نفسها، في الفراغ الذي يتسع بين انفجار وآخر، بين رعبٍ وصمتٍ مفاجئ.

هو، مع ذلك، كان يخطو بثبات، وكأنما لا يعي حجم الكارثة التي كانت تطبق على المدينة. كان قلبه يخفق بشدة، وعقله مشغول بفكرة واحدة: “هل يمكن لإنسان أن يعيد كتابة مصيره وسط هذا الخراب؟”

مرت اللحظات وكأنها ساعات، وكان الوقت يمضي ببطء شديد. تنفس بعمق، محاولًا تجاهل الفوضى التي كانت تحيط به. وفي ذهنه كان هناك سؤال يطرحه دون إجابة: “هل كان هذا هو قدره؟ هل كان هذا هو ما سيحدث لكل شيء؟”

وفجأة، التقط أنفاسه، وأخذ يلتفت حوله. كانت الأبواب مغلقة، والشارع الذي كان يراه يومًا مفعمًا بالحياة قد أصبح مليئًا بالموتى والركام. ولكنه شعر بشيء مختلف هذه المرة. ليس الخوف، بل رغبة في المضي قدماً، في إيجاد منفذ للضوء الذي بدا وكأنه يغيب عن المدينة.

تحرك دون أن يدري إلى مكان ما، إلى الزاوية التي كان يعرف أنها كانت مأوى للأحياء الذين رفضوا الهرب. كان المكان بعيدًا عن الأنظار، قريبًا من شاطئ دجلة. وها هو الآن في تلك الزاوية الصغيرة، يتذكر كيف كانت بغداد جميلة، وكيف كانت الحياة فيها، رغم كل صعوباتها، مليئة بالأمل.

ولكن الآن، كانت الحياة تتلاشى، وكان ما يحدث حوله محاولة لمحو كل شيء. لم يكن يملك شيئًا ليحميه، سوى ذاك الأمل الذي لن يموت في داخله.

“هل هذا هو التغيير؟” همس لنفسه. “هل يمكن لمثل هذه الحرب أن تعيدنا إلى مكانٍ أفضل؟”

استدار مرة أخرى نحو السماء التي كانت تشتعل بلون الدم، وأغمض عينيه. لم يكن يهمه الآن كيف ستنتهي الحرب أو كيف ستنتهي المدينة. المهم هو أنه قد قرر أن يكتب نهايته بنفسه، حتى وإن كانت محاولته لمحو المستحيل. بالطبع، يمكننا تبسيط النبرة وتخفيف الحدة. إليك جزءًا جديدًا:

كانت شظايا القصف تنتشر في الهواء، في كل زاوية من الزمان والمكان. هدير الطائرات كان يغطي المكان، وكأن السماء نفسها كانت تمطر رعبًا. ومع ذلك، كان هناك شيء آخر يطفو على السطح، شيء أعمق من دوي الانفجارات، كان الصوت الذي ينبعث من قلب المدينة.

في تلك اللحظة، سمع صوتًا منخفضًا، صوت حبيبته. كان أنينًا ضعيفًا في البداية، ثم تحول إلى نداء خافت.

ركض بسرعة نحو الصوت، قلبه في صدره يتسارع. كان المكان مظلمًا، مشوشًا، ولكنه لم يتردد. كانت هي هناك، جالسة على الأرض، تضع يدها على ساقها.

“أنتِ بخير؟” سأل وهو يقترب منها، وهو يحاول أن يرى بوضوح في الظلام.

نظرت إليه بعينين شبه مغلقتين، وكأنها تحاول أن تطمئنه، رغم الألم الذي كانت تشعر به. “شظية… أصابتني… لكني بخير.” كانت كلماتها ضعيفة، لكن هناك طمأنينة في عيونها.

وضع يده على كتفها بلطف، وقال: “لن تذهبين إلى أي مكان، سأبقى معك.”

حاول أن يرفعها ببطء، مبتعدًا عن الأضرار التي كانت تحيط بهما. في تلك اللحظات، كان يعرف أن الحياة لن تتوقف هنا، وأن هناك دائمًا ما يجعل الإنسان يواصل السير إلى الأمام، مهما كان الظلام كثيفًا.

مع كل خطوة كان يشعر بالأمل يعود إليه من جديد، وكأنما يعيد نفسه من وسط الخوف والضياع. بينما كان يحملها على ذراعيه، كان عقله يعمل بسرعة، وتنهال عليه الأفكار في صمت، لكنه لم يستطع إبعاد صوته الداخلي عنها.

“لا أستطيع أن أتركك الآن.” همس لنفسه، وكأن الكلمات تخرج لتخفف العبء الثقيل على قلبه. “كيف أعيش هذه اللحظة؟ كيف أسمح لكِ أن تكوني في هذا الألم؟”

كانت أنفاسها تخرج بصعوبة، وعيناه تتابعان الطريق، لكن كل شيء كان يبدو ضبابيًا، كأنما الحياة نفسها قد تلاشت في هذا المشهد. كان يتمنى لو كان بإمكانه أن يوقف الزمن، أن يمنحها فرصة للراحة، فرصة للخلاص من هذا الألم المزعج. ولكن، الواقع كان أقوى من أمانيه، وكان عليه أن يتحرك، أن يواصل البحث.

“أنتِ أغلى من أي شيء في هذا العالم.” قالها وهو يشعر بقوة دفينة تدفعه للاستمرار، ليغذي أملها، رغم أن قلبه كان يصرخ داخله: “هل سيكفي الوقت؟ هل يمكنني أن أجد من يجيب ندائي؟”

فجأة، شعر بشيء يشده إلى الخلف، لا شيء سوى ظلال الهمسات التي كان يرددها: “كل خطوة تقربني منكِ، ولكنها تزداد ثقلاً على روحي.”

ورغم الألم في قلبه، رغم التردد في خطوته، كان هناك شعور غريب ينبعث منه، وكأنه يخلق في داخله حائطًا من الصبر، يحاول بناءه لحمايتهما من الموت الذي كان يطاردهما في كل زاوية من الزمان والمكان. كانت ذراعيه تقوى مع كل خطوة، كان يراها تهمس في عقله، تقول له بصمت: “لن تتركني، أليس كذلك؟”

واستمر في حملها، مستمرًا في البحث عن أي شخص يمكنه أن يدله إلى مشفى قريب. وكلما اقترب أكثر من نقطة ضوء أو مكان يظن أنه سيجد فيه المساعدة، كان قلبه ينبض بقوة أكبر، ويداه تهتزان أكثر، لكن الأمل كان هناك، لا يزال حيًا بينهما.

“لن أسمح لكِ بالرحيل، أبدًا.” همسها، وعيناه ترفضان فكرة الضعف، وهو يتحرك عبر شوارع بغداد المدمرة، يسابق الزمن الذي لا يرحم. بين ذراعيه، كانت الحبيبة تئن بصوت خافت، أنفاسها تتسارع ثم تتباطأ، وكأن الحياة نفسها كانت تفلت من بين أصابعه. شعر وكأن الوقت قد توقف في تلك اللحظة، وكأن كل شيء أصبح بعيدًا جدًا عنه، حتى نفسه. كانت أيديه المرتجفة تحملها برفق، كما لو أنه يخشى أن يتسبب بألم إضافي لها.

“لا… لا يمكن أن يحدث هذا.” كانت الكلمات تخرج منه بصوت متهدج، كأنه ينازع الموت ذاته. لكن في أعماق قلبه، كان يعلم، وكان يعترف، بأن الوقت قد فات. كانت ملامح وجهها تتغير، وكانت يديها تبتعدان عن جسده، تنزلقان ببطء كما لو كانت تسحبها الحياة بعيدًا عن قبضته.

لم يستطع إلا أن يراقب بعينيه الذابلتين كيف كان الأمل ينزلق من بين يديه، ببطء، تمامًا كما يفعل الضوء عندما يغيب خلف الغيوم. لم يكن هناك شيء يمكنه أن يفعله، رغم كل محاولاته المستميتة للبحث عن مخرج.

“ماذا أفعل؟ كيف أعيش دونكِ؟” كانت أفكاره تتطاير في الهواء مع الرياح الحزينة، لكنه لم يكن يريد تصديق الواقع، لم يكن يستطيع أن يقبل بأن الحبيبة التي حملها في قلبه طوال سنوات قد تصبح ذكرى بائسة.

ومع آخر نفس لها، شعرت يده بارتخاء جسدها، وكأن روحها قد تسربت ببطء. كانت عيناها تغلقان، لكن عينيه بقيتا مفتوحتين، يراقبان بمرارة كيف تغادره، كيف يبتعد عنه الضوء الذي كان يشع في حياته.

“أنتِ هنا… ستبقين معي في كل لحظة.” همس لنفسه، بينما كانت دموعه تسقط على وجهها، يمزجها ألم داخلي لا يمكن تفسيره. “لن أتركك، حتى لو كنتِ في مكان بعيد.”

لكنها رحلت، والأمل الذي كان يسكن قلبه سقط معها، تاركًا وراءه فراغًا قاتلاً. كان يراها تُسحب منه ببطء، وكأن الحياة قد قررت أن تأخذ كل ما كان له.

وبين يديه، شعر بشيء ثقيل يثقل صدره، بينما كان يهمس في صمت: “لا شيء يعود كما كان.”كان صوته المتهدج يتناثر في الهواء، يكاد يُسمع وسط الصمت الحالك الذي غلف المكان. وكأن الزمان قد انكسر، وكأن الأرض نفسها قد وقفت في انتظاره ليقول ما يعجز عنه كل لسان. كانت الكلمات تتزاحم في قلبه، لكنها خرجت ببطء، كما لو أن كل حرف كان يثقله ألمًا لا يُحتمل.

“أيتها الغالية التي دخلت حياتي كنسمة من الربيع، كم كنتِ الأمل في هذا العالم المظلم! كم كنتِ نجمًا يضيء لي دربي وسط هذا الظلام الساكن! أيتها الحبيبة التي كنتِ وما زلتِ شعلتي في العتمة، أنتِ التي علمتِني كيف يكون الحب في أصدق صوره، وفي لحظةٍ واحدةٍ، رحلتِ.”

عيناه امتلأت بالدموع، كان يراها أمامه، تتناثر في ذاكرته كأطياف جميلة، وكأن الموت قد قرر أن يأخذها بعيدًا عن بين يديه، بعيدًا عن عالمه. كانت حياته قد توقفت في تلك اللحظة، وعجزت الكلمات عن وصف الحزن الذي يعتصر قلبه.

“أنتِ التي حلمتُ معكِ بكل شيء، عشتُ معكِ أوقاتًا من الجمال لا يمكن أن تُنسى، لكن في لحظةٍ، أخذكِ الموت بعيدًا عني، وأخذ معكِ كل شيء. لا شيء في هذا العالم يستطيع أن يعوضني عنكِ. الرحيل أخذكِ، وأنا هنا، حزينًا مثقلًا بالكلمات التي لا تعود.”

توقف قليلًا، وكأن الجمل توقفت في حلقه، وكل كلمة خرجت كانت تترك خلفها فراغًا أكبر من الذي قبله. لكنه كان يدرك أن القلب سيظل مليئًا بها، حتى وإن ابتعدت جسدًا.

“رحلتِ، لكنكِ ستبقين جزءًا مني، في كل نفسٍ أتنفسه، وفي كل لحظةٍ سأعيشها دونك. كنتِ الحلم الذي لا ينتهي، الرحيل الذي لا يُحتمَل.”

ثم ابتسم في مرارة، وهو يراها بين يديه، وقد سكنت الأبدية عيونها.

“ستبقين في قلبي، يا من كنتِ لي الوطن.

: سأحيا على ذكراكِ، ولكن قلبي سيظل منكسرًا… ودموعي لن تجف أبدًا.”

الشوارع فارغة، لا أحد سواه يركض وسط الدمار. أصوات القصف تملأ الأفق، كأن المدينة نفسها تصرخ من الألم. كان الموت يتسلل بين الجدران المهدمة، وكل لحظة كانت تحمل معها تهديدًا أكبر من التي سبقتها. تركها، مطروحة على الأرض، تكتنفها الظلال التي تطارد أرواح البشر.

نظر إليها للمرة الأخيرة، وأشعره الفراغ الذي خلفته غيابها وكأن الأرض قد ابتلعتهما معًا. كان يفكر في كيفية إنقاذ نفسه أولًا، ثم كيف يمكنه أن يعيد إليها الحياة، أن يعيد إليها الأمل الذي كان ينبض في عيونها. لكن في تلك اللحظة، أدرك أنه ليس بمقدوره أن يعيد ما فقده. لم يعد بإمكانه إيقاف القصف، ولا حتى منع الزمن من أن يمضي.

: أخذ خطوة إلى الوراء، نظر إليها بنظرة لا تفرق بين الخوف والحزن، وعيناه تبرقان بدموع لم تذرف بعد. “سأعود، سأعود وأحملك بعيدًا عن هذا الموت.” همس بها، لكن الكلمات بدت هشة، في عينيه كان هناك شيء أكبر، أمل ضائع في فوضى الليل.

ثم مضى في طريقه، يخطو بحذر بين الأنقاض، لا يملك سوى نفسه، يبحث عن منفذ، عن مخرج من هذا الجحيم الذي اجتاح كل شيء حوله. كانت العواصف تملأ الأفق، والهدير المتواصل للطائرات لا يتوقف. كان يركض في فراغ، غير مدرك لأي شيء سوى النجاة.

كل خطوة كان يأخذها كانت تشعره بالضياع أكثر. كان الحصار يضيق عليه، وكان الأمل يتضاءل مع كل انفجار يهز الأرض تحت قدميه. ومع ذلك، استمر في البحث، قلبه يكاد ينعصر من الهم، ولكن لا شيء يمكنه أن يعيده إلى هناك، حيث كانت هناك حياة، حيث كانت هناك ابتسامة.

لكن بعد لحظات، توقف في مكانٍ مهدم، حيث لا أحد، حيث لا مفر، حيث كان العالم قد اختفى من حوله. “لن أترككِ هنا. لا شيء في هذا العالم سيفصلنا، حتى لو كان الموت.” همس، وهو يعيد النظر في المسار الذي تركه وراءه.

ابن فطيم
الحلقة السادسة والأخيرة

كان الصوت يتلاشى في صمت رهيب، وكان يعي تمامًا أن مسار البحث عن مخرج لم يكن فقط عن النجاة. بل كان عن العودة، العودة إليها، حتى وإن كان الموت هو الثمن. بخطوات متسارعة، كان قلبه يضج بنبضات مشتعلة، كما لو أن الأرض تحت قدميه تحترق. كان يبحث عن طريق، أي طريق يمكن أن يخرجه من هذه الجحيم، ولكن كل شيء من حوله كان يغرق في العتمة. كانت الأنقاض تتراكم، والدمار يحيط به من كل جانب، وكل لحظة كان يشعر فيها بقسوة الزمن، وكأنهم محاصرون في دوامة لن تنتهي.

عاد إليها بسرعة، وهو يركض عبر الشوارع الخالية، وبينه وبين نفسه يتوسل: “لا تتركيني، لا تتركيني وحدي هنا.” كانت كلمات كأنما تهرب منه، لا يستطيع أن يعبر بها عن الحزن الذي يعصر قلبه. وصل إلى مكانها، وكان صمتها هو الصدى الذي يرد عليه، كان الهواء ثقيلًا، وكأن الزمن قد توقف.

حملها من جديد بين ذراعيه، كان يشعر بكل لحظة تمر، وكل ثانية تغيب معها الحياة، لكنه كان يعلم، أو هكذا أراد أن يصدق، أن محاولاته لن تذهب هباءً. كان يركض مجددًا، يرفض أن يعترف بما يجري، يرفض أن يتركها هناك في قلب هذا الخراب.

“أين أنا؟ أين نحن؟” كانت أفكاره تتشظى، وبينما كان يركض بهدوءٍ وبأملٍ خائب، كانت الذكريات تلاحقه. كان يراها معه في الماضي، في لحظاتهم الجميلة، في تلك اللحظات التي كانا يتعانقان فيها تحت سماء بغداد، حيث كانت الطيور تغرد، حيث كان الأمل ما زال حيًا. لكن الآن، لا شيء سوى الخراب.

في لحظة توقف، نظر إلى السماء المظلمة، حيث كانت الطائرات تحلق، تحمل معها نذرًا مزيدًا من الموت. “هل سأجد مخرجًا؟ هل سنمضي معًا؟” لكنه لم يجد إجابة، إلا صدى تساؤلاته في قلبه، في قلب العالم المحطم من حوله.

ثم أدرك شيئًا مريرًا: “أنا وحدي الآن… وحدي تمامًا.”

وضع رأسها برفق على صدره، وقال بصوت مهزوز يكاد يختنق: “لن أنساكِ أبدًا. أنتِ النبض الذي بقي معي في كل هذه السنين. وسأظل أبحث عنك في كل مكان. حتى لو انتهى كل شيء، سأظل أبحث عنكِ.”

الظلام يبتلع المدينة، لكنه يرفض أن يتركها، يرفض أن يسلمها للظلام.

وفي تلك اللحظة، وسط الخراب الذي يحيط بهما، تراجع الزمن إلى الوراء، وأصبح كل شيءٍ كما كان في بداية الرحلة، مشوبًا بالأمل والحلم. لكن الأمل كان يتسلل منه، كما لو كان قد نضب. كان جسده يحملها بتثاقل، يجرّ نفسه عبر الشوارع المظلمة، تتسلل بينهما أصوات الانفجارات، وكأنها تُؤذن بنهاية شيء ما، بنهاية حلم.

“أين أهرب بكِ؟” همس، وهو يلتفت حوله في يأس. كان الزمان قد ضاق، والدماء تسيل في كل مكان، لكن على الرغم من كل شيء، كان هناك شعور داخلي بعدم الاستسلام. “لن أترككِ. حتى في الموت، لن أترككِ.”

الآلام التي كانت تعتصر قلبه جعلت كل خطوة تصبح أصعب من سابقتها. كان يشعر بأن الأرض تبتلعه، كما لو كانت كل قطعة منها تتواطأ مع القدر لتسلبه ما تبقى له من أمل. لكنه كان يرفض، يرفض أن يعترف أن حلمه قد تحطم.

وصل أخيرًا إلى مكانٍ مهدم آخر، حيث الأنقاض تحجب الرؤية تمامًا. كان المكان خاليًا من البشر، سوى أصوات الرياح التي تعوي في الفراغ. حملها بين ذراعيه بشكل أقوى، وركض حتى لم تعد قواه تتحمله. توقف في نقطةٍ لا تكاد ترى منها أي شيء سوى الظلام والخراب.

حاول أن يلتقط أنفاسه، لكنه كان في حاجة إلى شيء آخر، شيء عميق، أقوى من كل ما يحيط به. كانت الآمال التي عاشت معه تقترب من الذبول، وكانت اللحظات التي جمعتهما معًا كأنما تبتعد عنه إلى الأبد.

لكن، رغم كل شيء، شعر بأن لا شيء يمكن أن ينهي الحكاية. “لقد كنتِ معنا، وسنبقى معًا. حتى وإن فُقدتِ جسدًا، أنتِ في روحي. لن تذهبين بعيدًا.”

نظر إلى السماء، رغم السواد الذي يغلفها، وفي قلبه كان هناك وعد، وعد ألا ينسى، وعد أن يبقى على العهد، حتى لو بقي في هذا الليل الأبدي. “سأبحث عنكِ حتى أجدكِ، حتى لو كان المكان مليئًا بالموت.”الفصل 12: خرائب السؤال

وحيدًا، منكسرا، ضائعًا بين أطلال نفسه، كان يسير بلا وجهة، في قلب مدينةٍ لم تعد تعرفه. الخراب كان يحيط به من كل جانب، كأن الأرض نفسها تمزقت، وكأن الذاكرة تحولت إلى ركام. لا يعرف كيف يبدأ، ولا إلى أين يذهب. كل شيء كان يضيع أمام عينيه، كأن الزمان نفسه قد توقف في تلك اللحظة المشوهة.

كان قلبه يتسارع، يتساقط من بين يديه مثل الرمال المتناثرة في الرياح. “أين أنا؟” تساءل في نفسه بصوتٍ ضعيف، كأن السؤال لا ينتمي إليه. وكأن الإجابة لم تكن سوى مرآة مشوهة، ترفض أن تعكس حقيقة.

كان يخطو في شوارعٍ تعج بالصمت، يراها كأنها أفخاخ، تتسع فيه بلا رحمة. عيناه، المطفأتان، تبحثان عن شيء ما في هذا الخراب الذي يحيط به، لكن ما من شيء يمكن أن يضئ دربًا ضاع في الأفق. كان يشعر بأن عقله قد انهار، وأنه الآن مجرد كائن يتحرك بلا روح، بلا ذاكرة حقيقية، يبحث عن مخرجٍ من عالمه الذي دمره.

الأصوات التي تملأ أذنه، أصوات الرياح، أصوات الانفجارات البعيدة، كانت كأنها صدى من عصور مضت. بدا وكأن الوقت قد ابتلع كل شيء، وكل لحظة كانت تتلاشى فيه بلا أثر. “هل تذكرين؟” كان يسأل في نفسه، لكن الإجابة كانت ضبابية، متلاشية كما لو كانت الأجوبة قد ماتت في رحم الأسئلة.

ها هو يخطو في قلب الخراب، ولكن هل هو فعلاً في الخراب؟ أم أن الخراب أصبح جزءًا من وجوده؟ هل كان يبحث عن مخرجٍ أم عن بداية جديدة؟ أم أن السؤال هو نفسه من تلاشى في ضباب الذكرى، وكلما حاول أن يلمس الحقيقة، كانت تهرب منه؟

“ماذا أفعل؟” كان يسأل بمرارة. الإجابة كانت محجوبة، كما لو أن السماء نفسها قد سدّت أبوابها عنه. كان يشتاق لصوتها، لصوت الطمأنينة الذي كان يشبه شروق الشمس بعد العاصفة. لكنه الآن في ظلامٍ مستمر، لا مفر منه. “هل هناك من ينقذني؟” تردد صوته في الفراغ، وكأنه يعاتب المدينة، يعاتب الزمن، يعاتب نفسه.

أصبحت أسئلته حطامًا يتناثر في الهواء، وكلما حاول جمع شتات أفكاره، كانت الرياح تأتي لتفرقه. كان يكتشف شيئًا واحدًا مع كل خطوة، أن الخراب ليس في الشوارع فحسب، بل في نفسه، في قلبه. كان يتساءل كيف يمكن له أن يعيد ما تبعثر، كيف يمكن له أن يمسح آثار هذا الحطام الذي تلاشى فيه كل شيء.

ولكنه استمر في السير، رغم الحزن الذي يغلفه، رغم الضياع الذي أصبح جزءًا من كينونته. كان يسير بلا وجهة، لكن الخطوات كانت تتوالى، حتى لو كانت في الطريق المؤدي إلى اللاشيء.

الخراب كان ينساب في جسده مثل السم، يعمق في روحه جرحًا عميقًا لا يمكنه الشفاء منه. كانت قدماه تتخبط في الزجاج المتناثر، وأشلاء المدينة تتناثر حوله كما لو أن العالم قد فقد توازنه. كل زاوية، كل شارع، كان يحمل قصةً منتهية، كأن كل ركن في هذا العالم أصبح شاهدًا على فراغه، على غياب كل شيء.

“أين أذهب؟” كان يسأل نفسه مرة تلو الأخرى، كأن الصوت يهرب منه في وسط هذا العدم. ظل يسير ببطء، خطواته مثقلة بالوقت، لا يعلم إن كان الطريق سيأخذ به إلى الحياة أو إلى النهاية التي لم يعد يخشى منها.

كان الشارع يخلو من الأقدام الأخرى، كأن الجميع قد رحلوا من هذا المكان الميت. كانت هناك قطع من الزجاج المكسور، أكوام من الحطام، وأوراق ممزقة ملقاة على الأرض، تحمل بين ثناياها كلمات لا تفهم، ولا تهم، فقط تُنذر بالفقد. كان يسير بينهم، عينيه تبحثان عن أثر لما ضاع، لشيء يمكنه أن يرفعه من هذا الحضيض.

وبينما هو في غمرة ضياعه، شعر بشيء غريب يلمس قلبه. كانت ذكرى، أو ربما خيال، لم يكن ليعرف إن كان هو أو حلم. فجأة، انفجرت صورة في ذهنه: وجه حبيبته، ابتسامتها التي كانت تملأ كل شيء نورًا، حضورها الذي كان يشبع روحه. في تلك اللحظة، شعر بشيءٍ ما ينكسر داخله، شيء لا يمكنه وصفه. “أين أنتِ؟” همس بصوت ضعيف، كأن صوته قد فقد القدرة على الوصول إليها.

ولكنه كان يعرف في أعماق قلبه أن تلك اللحظة لم تكن لتعود. كانت هي الأخرى قد اختفت في ضباب الماضي، في أفق بعيد. كانت تلك الذاكرة، مثل كل شيء آخر، قد تحولت إلى خراب.

ثم، في لحظة صمت غريبة، شعر بشيء ما يوقفه. كان يقف أمام مبنى قديم، جدرانه متهالكة، لكن الباب كان مفتوحًا قليلاً. اقترب منه ببطء، وعيناه مشدودتان إليه كما لو أن هذا الباب يحمل أملًا، أو ربما هو مجرد سراب. كان داخله يصرخ بأن هناك شيئًا ينتظره، لكن عقله كان يحذره من الوقوع في فخ الأمل. “ماذا لو كان هذا الباب مجرد وهم؟” تساءل، لكنه تقدم بخطى بطيئة، قلبه يرقب ما سيكتشفه وراء هذا الباب المهدم.

دخل، وكان الظلام يعم المكان. وفي قلب هذا السكون المطبق، شعر بشيء غريب يتسلل إلى قلبه. كان صوته الآن هو الصوت الوحيد في هذا الفضاء المقفر، حيث لا حياة ولا ضوء. “أريد أن أجد شيئًا… أريد أن أجد جوابًا.” همس لنفسه، لكنه لم يكن متأكدًا مما يبحث عنه. كان يعلم فقط أن كل شيء قد انتهى، وأنه كان عالقًا في مكان بين الذكرى والموت، بين الحياة واللاشيء.

بينما هو يتلمس الجدران المتهالكة، يشعر بيديه تغرقان في الغبار والخراب.

كل خطوة كان يأخذها كانت تعمق الشعور بأنه في مكانٍ ضائع، مكانٌ لا يقوده إلى أي إجابة، سوى المزيد من الأسئلة الملتبسة. وفي قلبه، كان الصمت أشد من كل صوت، وكان الخراب أكثر من مجرد منظر حوله. كان الخراب يملأه من الداخل، يحفر في أعماقه بشكل لا يمكن الهروب منه.

توقف فجأة، حيث شعر بشيء ما في قلبه يعتصره. كان الصوت يقترب، صوت قديم، صوت ليس غريبًا عليه، كأنما يحمل صدى من زمان بعيد. “هل أنت هنا؟” همس في الظلام، وهو يحاول أن يفهم إذا ما كان هذا الصوت نابعًا من أعماقه، أم أن هناك شيء آخر في المكان.

: ثم، عبر السكون المخيف، تكلم الصوت مرة أخرى، هذه المرة بوضوح أكبر. “لقد جئت في الوقت المناسب.”

وقف في مكانه، قلبه ينبض بسرعة، هل هذا هو الجواب الذي كان يبحث عنه طوال الوقت؟ هل هناك حقيقة مخفية في هذا الخراب، شيء قد يعطيه معنى لهذا الضياع؟ شعر بشيءٍ غريب، كأن العالم توقف لحظة، وأن الزمن نفسه قد تلاشى في هذا المكان المظلم.

دون أن يدرى، كانت خطواته تأخذه إلى مكانٍ آخر، داخل هذا المبنى الذي يبدو كأنه من زمنٍ آخر. كان هناك ضوء ضعيف يتسرب من شقوق الجدران، يبدد بعضًا من الظلام الكثيف الذي يحيط به. لكن الضوء، مهما كان ضعيفًا، كان يكشف شيئًا آخر. كان يكشف الوجوه المطمورة في هذا المكان، وجوه كان يعرفها، وجوه مر بها في أيامٍ بعيدة، أيام كانت هي الأخرى ضبابًا من الذكريات.

ثم، التفت، وشعر بشيء يضغط عليه في قلبه. “لن يضيع كل شيء. أحتاج فقط لأن أُعيد كل شيء إلى مكانه.” كانت هذه الكلمات تتردد في عقله، لكنه كان يعلم أنها لا تعني شيئًا حقيقيًا، بل كانت محاولة للتمسك بأي شيء يملكه في هذه اللحظة.

في عمق هذا الخراب، بدأ قلبه ينبض بشكل مختلف، كأن هناك شيئًا ما قد بدأ يتحرك داخله، شيئًا كان قد نسيه أو ربما كان قد أغمض عينيه عنه. بدأ يسير في الممر الضيق، يكتشف شيئًا فشيئًا أن الخراب ليس إلا بداية شيء جديد، شيء قد يحمل له جوابًا على الأسئلة التي طالما قاسى من أجلها.

وقف فوق الجسر المدمر، الذي طالته أيدي القصف الصاروخي، وعيونه تغرق في بحر من الدموع. كانت الرمال المتناثرة حوله تحتفظ بآثار الألم، وكأن كل شظية، وكل حجارة، كانت تشهد على محنة وطنٍ ضاع بين القلوب الممزقة والوجوه المتألمة.

في تلك اللحظة، تجمّد كل شيء حوله، وكانه تماسك في الزمن، بين صواريخ الحزن ودموع الندم. الجسر الذي كان يومًا ما رمزًا للوحدة، للوصل بين أطراف مدينة كان يعمها السلام، أصبح الآن مجرد أطلال، أفقٌ أسود من الخراب.

“أي وطنٍ هذا؟ أي حبٍ تبقى فيه؟” همس في نفسه وهو يحدق في الحطام أمامه، كأن قلبه يذوب بين يديه، كل شريان وكل لحظة حياة أصبحت تتلاشى تحت ضربات الفقد.

كان يبكي بحرقة، وكأن كل دمعة كانت تحكي قصة جرح عميق، لم تلتئم بعد. يحاول أن يمسك بكل ذكرى كانت في قلبه، بيد أن الشظايا التي مزقت جسد الوطن كانت أقوى من أن يحاول تجميعها. “لقد ضاع كل شيء.” تلك الكلمات كانت تتردد في ذهنه، وأصبحت كأنها صرخات غريق، يبحث عن طوق نجاة.

الجسر الذي  يمثل عبورًا، أصبح الآن كأنه حاجز يفصل بينه وبين ما تبقى من أحلامه. هو ليس مجرد جسدٍ محطم أمام أنقاضه، بل كان يشعر أن روحه قد أصبحت جزءًا من هذا الخراب. كان يبكي لأجل وطنه، لأجل شعبه، لأجل كل شيء ضاع في تلك اللحظة، وكل شيء فقده عبر السنين.

لكنه، رغم كل شيء، كان يعلم أن البكاء لن يعيد الأمل، وأنه مهما كانت دموعه غزيرة، فإن الزمن لن يعود به إلى الوراء. كان الجسر المدمّر أمامه ليس مجرد رمز للدمار، بل كان أيضًا يحمل في طياته سؤالًا لا مفر منه: “هل سيمكننا أن نعيد بناء ما تدمّر؟ هل من أمل في المستقبل؟”

ولكنه ظل، رغم كل الألم، يحدق في الأفق، كما لو أن الإجابة تكمن هناك، في تلك المسافة البعيدة، التي تنساب فيها الرياح، وتحمل معها سرًا لا يعرفه إلا الأمل. ظل واقفًا، عينيه تحدقان في أفق المدينة المظلم، وكأن الضوء الذي كان ينعكس على وجهه قد اختفى تمامًا من هذا العالم. رغم أن الجسر أمامه كان مدمَّرًا، ومعه كل شيء آخر في المدينة، إلا أن قلبه كان ينبض بشيء من المقاومة، شيئًا يشبه الأمل رغم ضعفه.

“لن ننسى.” همس في نفسه. “لن نسمح بأن تموت هذه الأرض دون أن نحارب من أجلها.” كانت كلمات لا يقوى الجرح على احتوائها، لكنها كانت في ذلك الوقت الساكن وسط الألم، بمثابة الضوء الخافت الذي يقاوم الظلام.

بينما كان يقف هناك، تتطاير رياح الغبار وتخلل أصوات انفجارات بعيدة أذنه، شعور بالضياع يختلط مع شعور آخر، شعور بالثبات في المكان، وكأن الجسر المدمّر كان جزءًا منه. كانت الجراح التي خلفتها الحرب لا تقتصر على الجسد، بل على الروح التي تحترق وتتعذب، لكن هناك شيئًا ما لم يستطع الزمان أو الخراب تحطيمه؛ ذلك الصوت الذي ينبعث في أعماق نفسه، الذي يدعوه إلى أن يقاوم.

في تلك اللحظة، أدرك أنه رغم كل شيء، لا بد أن يظل هناك، في ذلك المكان الذي شهد على كل الأحداث، حيث الأوجاع تتنفس وتضجّ الحياة. كان هناك شيء يربطه بالأرض، بشوارعها المدمّرة، بعظامها المنهكة. كان يفكر في أجيال قادمة، في وطن يتنفس من بين الأنقاض، في حلم لا يزال يتجذر في أعماق جرحه، رغم أن الفوضى تحاول ابتلاعه.

وقف على حافة الجسر، بينما كان الهواء يعصف بجسده، يلفه بذكرياته وحزنه. لكنه لم ينجرف وراء ذلك الخوف، بل قرر أن يظل هناك، عازمًا على أن يكتب فصولًا جديدة في قصة هذا الوطن، رغم كل محاولات التدمير.

: بدا وكأن دموعه قد جفت، وكأن صراخه قد تحول إلى صمت مطبق، لكنه كان يعرف أنه في أعماقه، كان هنالك صوت آخر يصرخ، ليس طلبًا للرحمة، بل للثبات، للعيش، للعودة.

“نحن هنا.” همس، وهو يلتفت أخيرًا بعيدًا عن الجسر المدمّر، قائلاً في قلبه: “لن نرحل عن هذا المكان. سنعيد بناء ما تهدم، وسنزرع الأمل حيث لا شيء يبدو قابلًا للنمو.”

في لحظة شديدة التأثير، ارتدت ذاكرته إلى الوراء، حيث كان قد اجتمع في نفس المكان منذ سنوات. كانت تلك اللحظة التي قرر فيها أن يضع حداً لحلمه القديم، عندما جمع أوراقه المتناثرة، تلك القصة القصيرة التي كتبها بعينيه المرهقتين، بأفكار كان يظن أنها ستمنحه السلام. لكنها كانت محملة بالثقل ذاته الذي كان يعانيه. وقف على ضفاف النهر، ممسكًا بالقصة التي صنعت من كلماته، وحطمها بين يديه في لحظة من الضعف واليأس، قبل أن يرميها في المياه، متمنيا أن يبتلعها النهر ويُخفيها بعيدًا عن نظره.

“لم أعد أريدها… لم أعد أريد هذا الجزء مني!” همس وهو يراقب الأوراق تطفو على سطح الماء، قبل أن تجرفها التيارات بعيدًا. وعيناه، المملوءتان بالحزن، تتبعان الأوراق الممزقة حتى اختفت. ثم، شعر بشيء مفاجئ، شعور غير تقليدي، شعور بالحرية، كأنّه قد تخلص من ثقلٍ لم يكن يعلمه إلا هو.

ثم، بدون تفكير، ألقى بنفسه وراء الأوراق الممزقة، عابسًا عن مسار الفكرة. كان الماء باردًا، يلامس جسده وكأنّه يبتلع كل أحلامه، كل ذكرياته، وكل تلك الأجزاء التي كتبها يومًا. كان يشعر كما لو أنّه يغرق في حوضٍ عميقٍ لا عودة منه، ولكن في الوقت ذاته، كان يتنفس بشكل مختلف. كانت المياه هي الأخرى تحمل في طياتها الإجابة على الأسئلة التي طالما حاول الهروب منها.

لكن تلك اللحظة لم تكن مجرد تخلصٍ من الكلمات المكسورة، بل كانت إعادة تشكيل لشيء جديد، شيء مجهول. في تلك اللحظة، تذكر أنه لا يمكن الهروب من ذاته، مهما حاول رمي قصصه خلفه. وفي أعماقه، أدرك أن النهر الذي ابتلع أوراقه، لم يكن سوى مرآة لرحلة أعمق، حيث سيجد نفسه وسط مياه الفقد والضياع، ليكتشف بعد ذلك أن السباحة فيه هي عملية البقاء على قيد الحياة.

وفيما كانت الأمواج تزداد قوة، شعر بشيء غريب، أشياء بعيدة جدًا قد بدأت تتحرك داخل روحه، شيئًا يشبه النهوض بعد سقوط طويل. تلك القصة التي رماها كانت تمثل جزءًا من نفسه، ولكن الرمي في الماء، في أعماق النهر، كان لحظة انتقاله إلى مكان آخر، إلى سرد آخر. من وسط العتمة، حيث لا شيء سوى الظلال تحيط به، كان الاسترجاع ينهار في داخله، وكأن الذكريات تتلاشى أمامه في غبار الزمن. لم يعد يعرف أين يقف، ولا إلى أي عالم ينتمي. الكلمات التي حاول أن يبتعد عنها، والأفكار التي مزقتها الرياح، كانت تنغرس في قلبه أكثر، وتدفعه إلى حافة الجنون. لكنه في تلك اللحظة، شعر بأن كل شيء قد انتهى، وأنه لن يستطيع الهروب بعد الآن.

فبينما كانت الأصوات في رأسه تتصارع، وبينما كانت الأنفاس تزداد ضيقًا، قرر أخيرًا أن يتخذ القرار الأكثر جنونًا: أن يلقي بنفسه في قلب الشط. كان يعلم أن هذا الفعل قد يكون النهاية، ولكن في الوقت نفسه، كان يشعر بأن في تلك اللحظة يكمن التغيير الوحيد الذي قد يعيده إلى ذاته، إلى الحقيقة.

ابن فطيم
الحلقة السادسة والأخيرة

قفز في الماء البارد، ليجد نفسه في حضن النهر الذي كان يشهد على كل شيء. كانت المياه تجرفه بعيدًا، كما لو أنها تريد أن تغسله من كل آثام الماضي، من كل عبء كان يحمله على كاهله. شعرت قدماه بالتيارات العنيفة، لكن قلبه كان يدق أسرع، وكأن اللحظة قد حان وقتها.

الغمر في مياه الشط لم يكن مجرد هروب، بل كان نوعًا من العودة إلى الحياة، إلى الأساس، إلى أصل الأشياء. الماء، الذي كان في السابق حاملة لذكرياته وآلامه، أصبح اليوم الحاضن الوحيد له، يشده للأمام، كما لو أنه يعيد تشكيله من جديد. وكأن تلك اللحظة كانت نقطة انطلاق لمغامرة أخرى، لا مفر منها.

وبينما كان يبتعد عن ضفاف النهر، كانت آخر فكرة تدور في رأسه هي تلك العبارات التي سمعها ذات يوم: “لن تجد جوابًا حتى تقفز في قلب المحيط.” كان يبدو أن المحيط يبتلع كل شيء، لكنه في النهاية يكشف شيئًا جديدًا، شيئًا لا تراه العين، لكن يشعر به القلب.

وفي عمق الماء، وفي قلب الظلام، كان شعور واحد يطفو على السطح: أنه في تلك اللحظة، قد وجد نفسه من جديد.

بينما كان يغرق في عمق الماء، فجأة، شعر بشيء غريب يدور حوله. كأنما أضاء المكان فجأة، وإن كانت العتمة لا تزال تسيطر على الأفق. ثم أدرك أنه ليس وحيدًا. حوله، وبهدوء، بدأ يظهر العديد من الحوريات، كأنهن خرجن من أعماق البحر ليحيطوا به. كانت أطيافهن تتراقص في الماء، وتلك الأنغام التي كانت تنبعث من أعماق أعماق البحر، لم تكن مجرد صوت، بل كانت ترنيمة تُلامس روحه مباشرة.

هكذا، وجد نفسه محاطًا بكورال يشبه المسرح الغامض، حيث تعزف كل حورية لحنًا خاصًا بها. وبتناغم عجيب، تحولت المياه من ظلام إلى ضوء خافت، وأصبح كل شيء وكأنه مشهد مسرحي يأخذ الأنفاس.

كانت هناك قسمين من الأغاني، الأول عن الحب، والآخر عن الحرية.

أغاني الحب كانت حنونة وعذبة، تُطعم قلبه بحنين لم يشعر به منذ سنوات، كأنها تذكره باللحظات التي كان يعتقد أنه فقدها للأبد. كانت كلماتها تسحب فيه مشاعر كانت غائبة عنه، وكأن الحوريات يعيدن إليه كل الأشياء التي كانت قد سُلبت منه: الحب، الأمل، والعواطف البريئة التي كان يظن أنها انتهت مع الزمن.

أما أغاني الحرية، فكانت مفعمة بالقوة، شجاعتها تعكس قوة داخله كان قد نساها. كان صوتها يتنقل عبر الأمواج، ويخترق قلبه الذي بدأ ينبض بقوة لم يشعر بها منذ مدة طويلة. كانت الحوريات في تلك اللحظة يتنقلن بين الأغنيتين، وكأنهن يحاولن إعادة توازن بين الحلم والواقع، بين العشق والتحرر.

وكان هو، وسط كل هذا الجمال الغريب، لا يعرف إن كان في حلم أم في يقظة. شعر بأن تلك الأنغام، التي كانت تعزف بلسان الماء، ليست مجرد أغاني عابرة. بل كانت شيئًا أعمق، كأنها تخترق أعماق روحه، وتعيد له جزءًا من نفسه الذي كان قد فقده في غياهب الحروب والآلام.

ثم، دون أن يدرك كيف أو لماذا، بدأ يغني معهم، بصوته الخافت، مستشعرًا كلماتهم في أعماق قلبه. أصبح جزءًا من هذا الكورال، وكأنما أرواح الحوريات قد أعادت إليه جزءًا من الأمل المفقود، والقدرة على التنفس في عالم لا يستطيع حتى أن يراه بوضوح بعد الآن.

المجموعة الأولى (أنشودة الحب):

أيتها الليالي البعيدة،

يا شهدًا في فم الزمان،

كيف كان حلمنا يشقّ السماء،

ويشرب من نبضات الأمل؟

لكن، أين الحب؟ أين ذهبت الأعياد؟

أين نحن؟ وأين حلمنا الذي ضاع؟

الحب! في قلبنا لا زال،

لكن زهرته ماتت في فم الصباح،

أين وعدك؟ وأين قلبك؟

هل غادرتني في ظلال الليل؟

يا حب، يا أملًا، أصبحنا نركض وراء السراب!

المجموعة الثانية (أنشودة الحرية):

يا حرية، يا صرخات في صمت الليل،

أنتِ الوعد الذي غابت شمسه،

أنتِ الدماء التي أضاءت الأرض،

أنتِ الأمل الذي كسر القيود،

أنتِ الرغبة في الانعتاق.

أيها العار، أيها الزمان الطاغي!

سنثور في وجهك، لن نرحل،

لن نركع تحت ظلّ جراحك،

لن نصمت بعد اليوم،

نحن أبناء الحلم، أحرارنا سنعود!

المجموعة الأولى (أنشودة الحب - رد):

ألم تعرف؟

إن الحب لا يعترف بالسجون،

ولا بالحدود، ولا بالليل الطويل!

ألم تعلم؟

أن القلوب التي تعشق لا تتقيد بالألم،

ولا تلين للزمن،

ستظل هنا، تغني للحرية، وتنتظر عودة الحلم.

يا حب، يا شوقًا ضائعًا في البحر،

سنظل نبحث عنك في كل فجر،

لن ننسى، ولن نتوقف،

أنت الأمل الذي لن يغمض عينيه!

المجموعة الثانية (أنشودة الحرية - رد):

وإذا جاء الفجر،

سنسير مع الرياح،

نحمل العلم الذي ترفرف فيه الأيدي المضمومة،

نحمل الأمل في أعيننا،

أحلامنا لا تموت في الشوارع التي جُعلت مظلمة.

يا أملًا لن ينطفئ،

يا قلبًا نبضك يسمع حتى في أعماق السجون،

نحن الحلم الذي لا يزول،

نحن الأمل الذي ينقضُّ على الموت!

يا حرية، أنت الحياة التي لا تعرف القيود،

والأرض التي لا تعترف بالحواجز،

سوف نصل إليك،

سوف نتحرر، يا روح الأرض!

المجموعتان (الختام المشترك):

أيتها الرياح، اسمعينا،

أيتها الأرض، إسمعينا،

أيتها السماء، اسمعينا!

إننا نغني للحب،

ونثور للحرية،

نحن الصوت الذي لن يصمت،

نحن الحلم الذي سيعود!

في العتمة التي غلفت قلوبنا،

وفي البحر الذي اجتاحنا،

نحن الغد،

نحن النور الذي لا يغيب.

أيتها الرياح، احملي صوتنا!

أيتها الأرض، لا تتركينا نغرق!

أيتها السماء، دعينا نطير!

استمر الكورال في صوته المتناغم الذي لا يتوقف، حتى كأن النهر نفسه أصبح جزءًا من هذا الصوت، موجًا من الأمواج التي تحمل الحلم والتحدي. كانت الحوريات ينشدن بلا توقف، أصواتهن تملأ الفضاء المحيط، ترددت عبر المكان كأنها تلامس أعمق الأعماق.

المجموعة الأولى (أنشودة الحب - رد نهائي):

هل تعرف؟

أن الحب لا يموت على شواطئ الخوف،

ولا تختفي إشراقته في ظلم الجراح،

كل خطوة كانت في طريقنا تضيء أكثر،

رغم أن الزمان غادرنا.

نحن هنا، نحن الصوت الذي لا يغيب،

نحن النبض الذي يرفض أن يسكت،

أنت فينا، وأنت منا،

أيها الحب، أنت المعركة التي سنخوضها كل يوم.

المجموعة الثانية (أنشودة الحرية - رد نهائي):

أيها الوجع، أنت لا مكان لك بيننا،

سنظل نصرخ، رغم كل القيود،

سنظل نثأر لكل روح رحلت تحت وطأتك،

لكل حلم اغتيل باسم الاستسلام.

يا حرية، أنت الجرح الذي يلتئم كل يوم،

أنت الحلم الذي لا يموت!

نحن هنا، نحن الأمل الذي لا يعجز،

نحن الصوت الذي سيقتلع الظلام!

المجموعتان (الختام النهائي):

من الشط، من السكون،

نغني للعشق والحرية،

نغني لمستقبلنا المشرق،

نغني للأمل الذي سيولد من جديد.

يا حب، يا حرية،

لن نتوقف عن الغناء،

لن ننسى،

لن نخشى،

سنظل نحن، نعود إليكما،

دائمًا، أبداً، لا ينطفئ الحلم!

مع آخر نغمة، توقف الصوت، وانسحب الحوريات ببطء نحو المياه، تاركين صدى الألحان يتلاشى في الظلام، ولكن لا يزال صوته في قلبه، يملأ روحه، يحمل الأمل والحرية، مستمرًا في الرحلة التي لا تنتهي.

مشاركة:
شوقي كريم حسن
شوقي كريم حسن

قاص وكاتب عراقي.

آخر تحديث: ١ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٣:٤٢ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

إلى أين نمضي؟
سرد

إلى أين نمضي؟

في تلك الليلة، لم تكن الحرب مجرد صوت بعيد. كانت حاضرة في كل شيء: في وقع القذائف التي تهز الصفائح المعدنية التي تغطي المواضع الدفاعية، وفي ارتجاج الأرض تحت القدمين، وفي ذلك الغبار الذي يجتاح المكان بعد سقوط تلك القذائف، وفي ذلك الصمت المريب الذي يسبق وصول الأوامر. كان الضابط، آمر السرية، يعرف أن…

· 6 د
الرجل الذي نسي أن يسقط
سرد

الرجل الذي نسي أن يسقط

الرجل الذي نسي أن يسقط!! نشوان عزيز عمانوئيل ستوكهولم خريف 2026 في يوم من الأيام وبينما كنتُ أبحث في جيب معطفي عن مفتاحٍ ضائع، وجدتُ مدينةً صغيرةً تنام على ظهر ملعقة، وكانت شوارعها مصنوعة من أصابع البيانو، وكلما مرّ أحد سكانها فوق الرصيف خرج صوتٌ يشبه اعتذاراً قديماً لم يقبله أحد. أعدتُ المدينة إلى…

· 5 د
طاولة لشخصين في ركن خافت
سرد

طاولة لشخصين في ركن خافت

تندفع على أسفلت الشارع كروح هائمة لا تعرف وجهتها في عتمة الليل، يبتلعها الظلام بكل ما يحمله من وحشة، السيارة تدرج بسرعة، كأنها تهرب من الزمن، من الذكريات، من كل هذا الهم الذي يثقل الروح.. خلف المقود، فتاة تكاد عيناها تفيضان في محتبس من الدموع التي تنبجس من أبعد نقطة في أعماقها، الزجاج نصف مفتوح،…

· 8 د