انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

أنياب البنادق

سلام الكريزي
سلام الكريزي

قاص وأديب عراقي

2 دقائق للقراءة
18 مشاهدة
أنياب البنادق
مشاركة:

|تنفّس بعمق حين انسكب الضوء على وجهه في يومٍ مشمسٍ يوحي بدفءٍ طاغٍ. وقف أمامها، فلامست عيناه ثقبًا مجوَّفًا أسفل ذقنها. تألّم في داخله لرؤيتها بتلك الحال. استنطق الصمت، فتدحرجت الأجوبة كسيلٍ صخري تراكم في حفرة أحدثتها تجارب الزمان.

همست له بعد صمتٍ طويل التفَّ على حنجرتها بصوتٍ خافت:

–لا تخف، ما زلت واقفة. أنظر في مرآة النهر، فرغم وجهي المتآكل والمهمل أبعث رسائل حبٍّ كلما طال وقوفي وكبر تآكلي المتعمّد، لكنني لن أتلاشى ما دام في داخلي عرقٌ ينبض.

انسابت على شفتيه ابتسامة توحي بأملٍ جديد، وهمس لها قائلاً:

–لا عليكِ، فلا تآكُل يمحو روحك، ولا إهمال يخنق صوتك. نبات زنابق الماء المتدلّية بين أصابعك رمز لانتمائك لهذه الأرض، فلا ثِقَل يستطيع إنزال يدك العنيدة.

جلس على إحدى الأرائك الرطبة أمام النصب الكبير، بعد أن وضع منديلاً أسفله متفاديًا رطوبة الخشب الناقع بمطر ليلة البارحة. كان انهمار المطر، المتساقطة قطراته على باب غرفته، قد أحدث إيقاعًا موسيقيًا رائعًا؛ يتمايل شمالاً وشرقًا مع الريح. فتارةً تتهامس قطرات المطر المتراشقة بصوتٍ خافت يوحي بحنينٍ يلتهم الروح، وتارةً تصرخ بوقعٍ كبير يترك أثرًا غائرًا بين ثنايا القلب.

فعندما تعوي الريح المحمَّلة بهذه الحبيبات المطرية، تنطفئ المصابيح مع انطفاء الكهرباء. متلازمة لا يعرف أحد معناها. أشعل فانوسه الذي يقف كسواه منذ زمنٍ بعيد على رفٍّ خشبي قديم. استلقى على سريره الدافئ، فعلقت أنظاره بخيط الدخان الأسود القابع خلف الفانوس باستحياء، ملتصقًا على الجدار كطلاءٍ متراكم بعمق.

–زفرات الفانوس كزفرات أعماقي.

هكذا همس مع نفسه، ثم أردف ثانيةً:

–الضوء لا ينبض إلا حين الاختناق، فلا ضوء يصمد أمام الريح إلا إذا كان مختبئًا. فصدري كهذا الفانوس يخبّئ حبًّا وقّادًا، وزفراتي تخلف وجعًا قاتمًا كهذا السخام العالق على الجدار.

عاودت الريح المحمّلة بقطرات المطر مصافحتها لباب غرفته، ولم ينتبه لذلك حتى غرق في إيقاعاتها المختلفة، يدندن بصوتٍ خفي مع تلك البلورات المتساقطة. غامت عيناه حتى ارتجف الضوء في داخلهما، بعدما غمره الشوق لرؤيتها. تمنى لو تشاركه الآن دفء فراشه الطازج، لو يمتزجا كظلَّين على جدار، أو كجذري شجرتين متقابلتين لا يعلم أحد بعناقهما الداخلي.

أطال النظر إلى النصب الكبير، ثم قال مع نفسه:

–دائمًا ما تكون المرأة حمامة سلام. هكذا تنطق "تسواهن" خلف طوق التآكل، بنطقٍ وجودي. نطقٌ صامت ينبعث من يدها التي تحمل تلك الحمامة المقيَّدة أجنحتها بريح التعصّب.

–ما قصة الطوق الحديدي الملتف على جسد الحمامة؟ لربما أراد البيّاتي أن يقول: مهما كبَّلت أطواق الجهل أجنحتك، فلا تزالين حمامة سلام.

هكذا همس حسين مع نفسه، وهو جالسٌ طويلاً على أريكة الحديقة التي يتوسّطها النصب.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٣:٣٠ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

على ضفاف الجراح
سرد

على ضفاف الجراح

على ضفاف الجراح إشراق، اسم امرأة يوحي بالضياء، ربما يرمز لشروق الشمس التي تمنحها دفء المشاعر والأحلام في الطفولة، بينما تلسع حرارتها جسدها الذائب بعد حين؛ ليلتهب بنار غير مسبوقة بأعراض. تنظر إلى الحياة من خلف أسلاك شائكة من الحزن فلا ترى الدنيا في عينها سوى: سوادِ ليل حالك، وذبولِ أزهار في خريف…

· 7 د
ليلة جنب التوابيت
سرد

ليلة جنب التوابيت

الساعة الثالثة بعد منتصف الليل.. أجلس مع بضعة موتى لم يحالفهم الحظ هذه الليلة، فغلبهم النعاس، وبضعة أحياء ماتوا للتو. خارج هذه الصالة كان العالم، وداخلها كان الخوف يتسرّب من النوافذ والجدران، يتجوّل بين الأسرّة وتحت الستائر، ويداعب الهواء المريض. كان جسده شفافًا ويده باردة. يتعب من جولاته، فيجلس…

· 2 د
طين مندائي يصبغ لوحة لبيكاسو بالسحر..!
سرد

طين مندائي يصبغ لوحة لبيكاسو بالسحر..!

1 تنشُدنا تعابير الموسيقى بخفايا ما تخبئهُ الروح . وروح المندائي تخبئ كل ميتافيزيقياتُ الطينْ وهندسة الزقورات ونعاس الموسيقى وحلم الملوك الصوفيينَ ، واشياء تُبهرنا في صنع اللحظة من شوق عشيقين . ذكر البلبل وانثاه .....! يصبغُنا الطين بعطر القصب وحناء عريسينْ .وأشياء مكتوبة بحروف طلاسم سريانية ( أش…

· 2 د