انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

أبجديّةُ الخراب: نبيٌّ من طينٍ ومقصلةٌ من معنىً

نص ميتاسريالي

غالب المسعودي
غالب المسعودي

كاتب وباحث عراقي

7 دقائق للقراءة
8 مشاهدة
أبجديّةُ الخراب: نبيٌّ من طينٍ ومقصلةٌ من معنىً
مشاركة:

كان الحمار الغارقُ، أو هكذا تُحسبه الحكاية حين تُروى في  آخر المطاف، يقف عند أطراف الغابة  بعد ان انقذه المَدّ، يقف كأنه قطعة قرار مؤجلة بين دفتي كتاب يحترق، معلقًا بين نجاةٍ لا تجئ وغرقٍ لا يكتمل. لم تكن المياه التي غرق فيها من طين وماء على هذه الأرض الملعونة بالبدايات، بل كانت مياهًا تسيل في الجملة نفسها؛ حروفًا لزجة تسحب الكلمات إلى القاع. كلما اقترب أحد من حافَة النص، تأخر معنى "النجاة" خطوةً إلى الوراء، وتمدّد معنى "الضياع" خطوةً إلى الأمام، وكأن المسافة بينهما ليست سوى خدعة بصرية يمارسها المؤلف.

في تلك اللحظة التي توقفت فيها الريح عن تقليب الصفحات، كان الحمار يحدّق في ظله الأسود الممتد على تراب سومر القديمة. لم يكن ظلًا عاديًا؛ كان يبدو وكأنه نُسخ من ألواح الطين المشوية في أفران الغضب الإلهي، وفي هذا الظل تحديدًا بدأ النقاش الوجودي المعقد.

قال الحمار، وهو يجرّ صوته جرًّا كمن يسحب قماشًا خشنًا من قاع بركة آسنة، موجهًا حديثه لرفيق عزلته:

يا ابن آوى... قل لي بحق آلهة العالم السفلي، إذا أُريدَ لي أن أتخفّى من مصيرٍ حتمي رسمه لي أسد الغابة بسلطة المخالب... فهل يبقى في شعري الأسود شيء يمكن إنقاذه من فم القدر؟ هل يمكن للونٍ أن يُغيّر ما كُتب في الألواح المسمارية؟

كان ابن آوى جالسًا على حجر كأنه حاشيةٌ تسند متنًا متهالكًا. لم يكن ابن آوى هنا مجرد حيوان يملأ فراغ المشهد، بل كان "طريقة سرد" تتنفس. وضع أذنيه كأنهما عدّادان لوقت الحكاية، وقال بصوت يقطر بحكمة الهوامش:

المشكلة يا صديقي ليست في أن شعرك أسود. السواد بحد ذاته بريء من الدلالة. المشكلة أن الشعر يُقرأ في هذا العالم كعلامة تجارية للضعف. القدر لا يترصد أجسادنا، بل يترصد العلامات التي نحملها. القدر هنا في مدينة سومر يُكتب قبل أن نفهم حروفه، وحين نفهم، نكون قد صرنا جزءًا من النص المنتهي.

لكن الحمار، المثقل بوعيه التراجيدي، لم يقتنع. كان يريد حلًّا حقيقيًا، حلًّا يلمس رأسه وينزع عنه لعنة التسمية، حلًا يلمس رأس القصة. أراد خدعة تُنقذ جسده، دون تأويل يُنقذ المعنى.

هنا، في ذلك المثلث الغامض الذي يُسمّى غالبًا حافَة الغابة، ومن نافذة مدينة سومر القديمة المشرعة على العدم، دخل الثعلب. هوفي الحقيقة  لم يدخل؛ هو ظهر فجأة كما تظهر الفكرة الماكرة في رأس الكاهن. فالثعالب في الحكايات الميتاسريالية لا تعبر الحدود المادية للمكان، إنها تعيد الحدود إلى نفسها، كأنها تشطب جغرافيًا الواقع وترسمها من جديد بفرشاة من وهم.تأمل الثعلب الحمار وابن آوى بعينين تلمعان بخبث المعرفة، وقال:

تتخفى؟ هل تعتقد حقًا أنك قادر على التخفي في عالمٍ مبني على المراقبة؟ تتخفّى الحمير بقدر ما تتخفّى الأساطير بين أسطر التاريخ المزور. أنت تريد أن تهرب من لعنة 'رسمك حمارًا ارقط '. إذن، خذها مني:

 لا تتهرب بالصمت، فالصمت اعتراف بالهزيمة... تتهرب بالتحويل، بتفكيك الشفرة.ثم أخرج الثعلب من بين ضلوعه فكرةً ملفوفة بورق القدر المعتق، وتحدث كمن يلقي تعويذة سحرية:

سأُطلق الضباع على قطيع الحمير النائم في أزقة مدينة سومر. الضباع لن تأكل اللحم، بل ستستعير الفوضى. وحين تعم الفوضى، ستتعلّم الحمير أن الخوف ليس مجرد غريزة، بل هو وسيلة للبقاء، ووسيلة لصناعة هرمية جديدة.تعثرت الكلمات في حَنْجَرة ابن آوى كأنها حروف مسمارية جافة، وابتلع ريقه بصعوبة وقال بصوت يشبه حشرجة الورق:

هذا ليس تحويلًا أيها الثعلب، هذه إعادة تمثيل للمذبحة الأصلية. وفي أي تمثيلٍ درامي للصراع... يثبت المنتصر قاعدته إلى الأبد.!

ابتسم الثعلب ابتسامة صغيرة، لكنها كانت تكفي لتغيير ترتيب الكلمات في الرأس :

المنتصر، يا صديقي، لا يحتاج إلى عدل ليحكم. العدل كذبة اخترعها الضعفاء. المنتصر يحتاج فقط إلى قاعدة يصدقها الجميع!.

لكن الحمار، الذي كان غارقًا حتى اذنه في قراراته، يائسًا حد الجنون،وجد في كلام الثعلب المسموم احتمالًا ضئيلًا للنجاة. النجاة في هذا العالم دائمًا تُصنع من فكرة مجنونة، حتى لو كانت الفكرة نفسها هي العربة التي ستقودك نحو الفاجعة الكبرى. قال الحمار مستسلمًا لمنطق التفكيك:

إن كان شعري الأسود هو البداية التي جلبت لي اللعنة، فليكن هذا الشعر نهاية البداية. لِيُنتَفْ هذا الشعر الأسود، ولتُمسح العلامة.هنا بدأ مشهد لا يشبه الانتفاخ أو السلخ المادي فحسب، بل كان يشبه تفكيكًا دمويًا لمعنى الكينونة. انتُزع الشعر الأسود من رأس الحمار وجسده كأنهم ينزعون شهادة ميلاده من دفتر قدره المحتوم. كل خُصْلَة كانت تُسحب، لم تكن مجرد شعرة تُفصل عن الجلد؛ بل كانت جملة سردية تُحوَّل من المفعول به إلى فعل مبني للمجهول. كانت الدماء التي تسيل تشبه الحبر الذي تُشطب به النصوص المقدسة.أخذ الثعلب ذلك الشعر، وصنع منه ببراعة ساحرٍ شرير ذيولًا طويلة لكلاب الحراسة المحيطة بالمدينة.قال الثعلب مفسرًا صنيعته:

لأن الذيل يجرّ الانتباه قبل النباح. القطيع، بطبيعته الغبية، لا يخاف من الجذر، بل يخاف من الإشارة السطحية. وإشارة الذيل المتأرجح تقول في لغة القطيع:

 من يقترب؟ ليثبت حضوره المطلق.!

وفوق هذا الخبث كله، لم تكن هذه الذيول لتطارد الحمير في حقولها فحسب، بل لتطارد فكرة الحمير عن أنفسهم في أحلامهم. ففي تلك المدينة السومرية القديمة، ذات الزقورات العالية والأنهار الداكنة، كانت أسماء الأشياء تُعجن بماء الفرات وتُكتب على ألواح طينية، ثم تُجفف تحت شمس قاسية لتُستخدم كأغلال أبدية في رقاب أصحابها.ولما اقتربت قافلة الحمير من أسوار المدينة العالية، رأت الكلاب تركض بذيولٍ من شعرٍ أسود مألوف. ارتبك القطيع ارتباكًا وجوديًا، لأن السواد لم يعد مجرد لون يغطي أجسادهم:

 صار قانونًا يركض نحوهم، صار هراوةً من لحم ودم.

ثم حدث ما كانت الحكاية تخاف أن تقوله بوضوح، لأنه إن قالته بوضوح صار اعترافًا بالخطيئة الأصلية للمؤلف، الضباع التي وُعدوا بها لم تُطلق على القطيع وحده لتمزق الأجساد... بل أُطلقت على المعنى ذاته لتمزق العقول.

فصار كل هروبٍ يُحسب تواطؤًا مع الجلاد. وكل نجاةٍ تُحسب تأجيلًا ساخرًا لموعد الإعدام.وحين حاول الحمار أن يتخفّى من مصير رسمه أسدًا، اكتشف الحقيقة المرعبة:

 أن "الأسد" ليس كائنًا يمشي على أربع، إنه ليس حيوانًا يفترس. إنه "صفة" تُمنح بالقوة المطلقة لمن يملك سلطة القصة.

هنا، أُدخلت الميتاسريالية قسرًا في عنق الواقعة، الحكاية نفسها بدأت تتصرف كما لو كانت "تجربةً" قاسية تُجرى على جَمهور محبوس في مسرح مغلق، كما لو كان صوت الراوي هو صوت عالم في مختبر يراقب فئران تجاربه، وكما لو كانت النهاية ليست حدثًا يختتم به الزمن، بل "تعليمات" تُوزع للمرحلة القادمة.عاد ابن آوى يهمس للحمار المرتجف، واللوح الطيني يتهشم تحت حوافره:

هل تُرَى الآن؟ ليس الشعر هو الذي غيرته. لقد غيّرت نظام القراءة بأسره. وهذا بالضبط ما يصنع الفاجعة الكبرى، أن تنجح في تغيير ما يعتقده الآخرون عن أنفسهم.لكن الثعلب لم ينفِ هذه التهمة، بل تقبلها كتاجٍ يوضع على رأسه. قال، وكأنه يقرأ من لوح طيني مخفي داخل فمه:

"إن أردت السيطرة على قطيع من الحمير... فأنت لا تحتاج إلى سلاسل من حديد لتكبيلهم. يكفي تمامًا أن تمنحهم ذيولًا تذكّرهم بالخوف في كل مرة يلتفتون فيها إلى الوراء".

ثم أشار الثعلب بمخالبه إلى مدينة سومر الممتدة تحتهم، كأنها صفحة كتاب مفتوحة على فصلها الأخير وقال:

قاعدة السيطرة ليست قانونًا يُكتب. إنها ترتيبٌ دقيق للأشياء. ترتيبٌ يجعل الأثر يسبق السبب، والسبب يختفي بخجل خلف مؤخرة الذيل!.

من هنا، تصاعدت الرحلة لتتحول إلى مأساة أسطورية تراجيدية. ليس لأن الضباع قتلت الكبرياء، أو لأنها سببت رعبًا دمويًا في الأزقة، بل لأن القطيع بِرُمَّته تعلم كيف يتوقع الفاجعة قبل أن تحدث، كيف يشم رائحة حتفه في الهواء. وذلك هو أخطر أنواع التعلم على الإطلاق:

 "تعلم الخوف كعادة يومية، كطقس تنفس، حتى حين ينجو الجسد من المخالب".

وليكن الذيل وعدًا ننتظره، وليكن الوعد قيدًا نُقبّله، ولْيكن القيدُ نظامًا ندرسه وكمصيبةٍ نبكيها، وعلمٍ مُطهِّر نقدسه، إلهٌ واحدٌ للحكاية يهيمن على السطور:

 "إذا تغيّر الشعرُ، لا يتغيّر المالك، وإذا تبدّل المنظرُ، لا يتبدّل ترتيب الخوف في النفوس، على بوابات الغابة المظلمة، وعلى أبواب المدينة المسوّرة، رنّت العبارة مثل طبلة سومر القديمة، تدق في جماجمنا:

سِرْ إلى حتفك-ثم احرسْ سجنك-ثم سمِّ الحراسة حُبًّا للوطن -آمين-... لكن بصيغة الطين الدامي، وبإيقاع الأناشيد التي لا تعرف الفرح أزجوك يا دعاءً يغيّر القارئ من الداخل ويسلبه إرادته...لا تُسكتينا، بل اجعلينا نُعيدك كلما نروي حكايتنا، عبيدًا في حضرة النص!.

مشاركة:

آخر تحديث: ١ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٠٤ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

بَيْنَ كَفَّتَي مِيزَان
سرد

بَيْنَ كَفَّتَي مِيزَان

بَيْنَ كَفَّتَي مِيزَان تشهق ذاكرتي عند رؤيتها مقبلة بخطواتها نحوي. أفرك عيني للتيّقن من صحة الرؤية. تجمعني الصدفة معها على طريق عام بعد فراق أفقدني سماع أي خبر عنها. أفغر فاهي: كأبله مصدوم من لقائنا المفاجئ بعد تلك السنين. أقف مذهولاً: احتراماً لعشقي القديم، ولتلك الصفحة النقية من حياتي. تكوّر…

· 3 د
ذاكرة في ضل الغياب*
سرد

ذاكرة في ظل الغياب*

ذاكرة في ضل الغياب* أتذكّر تلك المرّة الأخيرة التي حملتني خطواتي إلى بيت أستاذتي ماريا بعد رحيل زوجها، وقد ثقلت على صدري مخاوف لم أفلح في تبديدها. كنت كمن يُساق إلى غياب غير مسمّى، يحمل في داخله رجفة لا يفسرها العقل. وحين بلغت الدار التي طالما ارتدتني بظلّها الوارف، فوجئت بالفراغ يفتح ذراعيه…

· 12 د
عجائب وغرائب الدكتور أبو لؤي
سرد

عجائب وغرائب الدكتور أبو لؤي

عجائب وغرائب الدكتور أبو لؤي بولص آدم لم أكن أهتمّ لجرحٍ ما عندما كنت طفلًا، بقدر ما كان الذهاب إلى مستوصف سكك حديد الموصل كابوسًا! أعود إلى بيتنا باكيًا من شدة الألم، مصابًا، وأغادر الشارع الملعب المحاذي للخط المتري للقطار. يفصلنا عنه سياج من قضبان خضراء متراصة، جنبًا إلى جنب، يمتد طوال الخط. كانت…

· 6 د