انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

نور تحت شجرة الرمان

عساف سلامة السلمان
عساف سلامة السلمان

قاص وكاتب سوري

6 دقائق للقراءة
53 مشاهدة
نور تحت شجرة الرمان
مشاركة:

 زرع الرجل شجرة رمان امام بيته في قريته الگيارية ، لا لسبب يتجاوز رغبته في ان يأكل من رمانها حين تكبر، ثم تركها للتراب والمطر والشمس، ولم يكن يتوقع ان هذه الشتلة الصغيرة ستكبر يوما لتصبح سببا في تغيير حياة القرية كلها، بل وربما حياة القادمين اليها من المدن البعيدة.

كبرت الشجرة، واشتد جذعها، واتسعت اغصانها حتى صار ظلها يغطي جزءا من البيت، وفي احدى الليالي، حين خرج الرجل ليغلق الباب، رأى تحتها نورا اخضر خافتا يتسلل من بين حبات التراب، كان الارض نفسها قد وضعت تحت الشجرة مصباحا صغيرا واخفته عن عيون النهار.

ظن الرجل في البداية ان احدا ترك شيئا مضيئا في المكان، فانحنى يبحث في التراب، لكنه لم يجد شيئا، وحين ابتعد قليلا عاد النور الى الظهور، فاستدعى جاره، ثم جاء الجار باخيه، وجاء الاخ بزوجته، ولم تمض ايام قليلة حتى صار اهل القرية يتجمعون كل مساء حول الشجرة، ينظرون الى ذلك الوهج الاخضر الذي يظهر تحتها ثم يخفت، ويختلفون في تفسيره كما يختلف الناس عادة حين يعجزون عن تفسير شيء بسيط.

قال بعضهم ان في المكان بركة قديمة، وقال اخرون ان رجلا صالحا ربما دفن في تلك الارض، وذهب احدهم ابعد من ذلك فقال ان الشجرة ليست شجرة عادية، وان النور الذي يخرج من ترابها علامة على ان للمكان سرا لا ينبغي ان يمر به الناس من غير ان يطلبوا شيئا.

ولم يحتج الامر الى اكثر من امرأة جاءت ذات ليلة وهي تحمل حزن سنوات طويلة، وجلست تحت الشجرة واخذت تبكي وهي تقول لصاحبها انها لم تأت بحثا عن المال ولا عن الذهب، وانما جاءت تطلب طفلا تحمله بين ذراعيها قبل ان يمضي العمر، ثم جاءت بعدها فتاة تخفي وجهها وتقول انها تحب رجلا لا يلتفت اليها وتريد من الشجرة ان تجعل قلبه يميل اليها، وجاء رجل اخر كانت زوجته قد طلقته، فلم يطلب شفاء ولا مالا ولا سفرا، وانما جلس تحت الشجرة طويلا وقال انه لا يريد الا ان تعود اليه امراته.

ومنذ ذلك الوقت لم تعد الشجرة مجرد شجرة تضيء في الليل، بل اصبحت مكانا تحمل اليه الامنيات، فصار يأتيها من يريد الزواج، ومن يريد الشفاء، ومن يريد الرزق، ومن ينتظر عودة غائب، ومن اثقله الدين، ومن ضاق صدره بحياته، وكان صاحب الشجرة كلما قال لهم انه لا يستطيع ان يفعل شيئا، اجابوه بان الرجل الذي تظهر المعجزة في ارضه لا يمكن ان يكون رجلا عاديا.

ثم بدأ اهل القرية ينظمون البركة كما ينظمون اي شيء اخر، فوضعوا صندوقا كبيرا للنقود والتبرعات عند المدخل، وغطوا الشجرة بقماش اخضر واسع حتى لم يعد يظهر من اغصانها الا القليل، وصاروا يقطعون شرائط خضراء صغيرة (سيدات) يوزعونها على الزوار، فياخذ صاحب الحاجة شريطا (السيدة)  ويربطه حول معصمه، وكان الامنية اذا قيدت بخيط اخضر اصبحت اقرب الى التحقيق.

وكان في بيت الرجل خزان ماء قديم، لم يكن احد يهتم به قبل ظهور الشجرة، لكن الناس اكتشفوا فجاة ان الماء الذي فيه يمر بالقرب من المكان المبارك، فصاروا يشربون منه طلبا للبركة، ويملاون القوارير ويعودون بها الى بيوتهم، حتى ان بعضهم صار يبيع الماء في مدن بعيدة تحت اسم ماء شجرة الرمان المباركة.

ثم علقوا على الجدران يافطات كبيرة كتبت عليها عبارات دينية وتاويلات شعبية، وصارت الطريق الى الشجرة مزينة بعبارات تتحدث عن النور والشجرة والمشكاة، وكتب احدهم بخط ضخم عبارة

"شجرة لا شرقية ولا غربية"

وكتب اخر تحتها

"الله نور السماوات والارض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح"

ثم اضاف صاحب دكان قريب عبارة من عنده تقول ان النور الذي يظهر تحت الشجرة هو دليل على ان المكان اختير بعناية، ولم يعد احد يسال اين تنتهي الاية واين يبدا تاويل الناس.

وبعد ان صار الزوار يتوافدون من القرى المجاورة، بداوا ياتون من المدن، ثم من مدن ابعد، حتى اصبح يوم الجمعة مختلفا عن بقية ايام الاسبوع، اذ تدخل السيارات منذ الصباح في طرق القرية الضيقة، وتتوقف الحافلات عند مداخلها، وتمتلي الساحات بالناس الذين يحملون الاطفال والقوارير والشرائط الخضراء، وتتحول القرية الصغيرة الى سوق واسع لا تكاد تجد فيه مكانا خاليا.

نصب الباعة خيامهم على جانبي الطريق، وظهرت عربات الطعام والمطاعم المتنقلة التي تبيع اللحم والكباب والفلافل والحلوى والشاي، وظهر باعة يبيعون صور الشجرة، واخرون يبيعون الشرائط الخضراء، وثالثون يبيعون قوارير الماء، حتى صار بعض اهل القرية يقولون ان الشجرة لم تجلب البركة وحدها، وانما جلبت معها تجارة لم يكن احد يحلم بها.

ولم يكتشف الشباب ان للشجرة فضلا عليهم الا بعد ان صار يوم الجمعة موعدا ثابتا للزوار، اذ كان الشبان ياتون بحجة طلب البركة، وتاتي الفتيات مع امهاتهن، ثم تبدا النظرات والابتسامات والرسائل السرية، حتى تحول المكان تدريجيا الى مكان للمواعدات، وصار بعض العشاق يربطون شريطا اخضر واحدا في معصميهما معا، ثم يقسمان ان الشجرة هي التي جمعت بين قلبيهما.

اما صاحب الشجرة، فقد اصبح مع مرور الوقت رجلا اخر، فبعد ان كان يملك بيتا صغيرا وشجرة رمان، اصبح يملك الاراضي والدكاكين والمطاعم، ثم صار له موقف كبير للسيارات، واصبح اغنى رجل في المنطقة، وكان كلما سأله احد عن سر ثرائه ابتسم وقال:

 "أن الله يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر  "

ولم يكن احد يجرؤ على ان يساله لماذا كان رزق الله يمر دائما من الصندوق الموجود عند باب الشجرة.

ثم جاء يوم وصل فيه رجل من المدينة، كان عالما في الحشرات، ففحص التربة تحت الشجرة، وقلب بعض الحجارة، ثم اخرج من بين التراب حشرة صغيرة لا تكاد ترى بالعين، وحين وضعها في كفه اضاء جسدها الاخضر كما يضيء مصباح صغير، وقال امام الناس ان الامر كله ظاهرة طبيعية، وان هذه الحشرات تعيش في التربة الرطبة تحت بعض اشجار الرمان، وانها هي التي تمنح المكان ذلك النور الذي جعل القرية تؤمن بانها اكتشفت بابا الى عالم اخر.

نور تحت شجرة الرمان

ساد الصمت للحظات، ثم نظر رجل من بين الواقفين الى الحشرة وقال ان كونها حشرة لا يعني انها ليست من صنع الله، وقال اخر ان الله قادر على ان يجعل اصغر مخلوق سببا في اكبر المعجزات، وهكذا خرج الناس من الاكتشاف وهم اكثر اقتناعا مما كانوا عليه، لان الحقيقة العلمية، بدل ان تهدم الحكاية، وجدت لنفسها مكانا داخلها.

وفي الجمعة التالية جاءت السيارات باعداد اكبر، وامتلأت الطرق بالباعة والمطاعم، وظلت اليافطات معلقة على الجدران، وظل القماش الاخضر يغطي الشجرة، وظلت الشرائط تربط على المعاصم، وظل الناس يشربون من خزان الماء، وظل العشاق يلتقون تحت ظلها، بينما كان صندوق التبرعات يمتلئ حتى اخره.

اما الحشرة الصغيرة، فكانت تحت التراب تضيء في الظلام، لا تعرف شيئا عن المرأة التي تنتظر طفلا، ولا عن العاشق الذي ينتظر جوابا، ولا عن الرجل الذي يريد زوجته، ولا عن اصحاب المطاعم والباعة واصحاب السيارات، ولا عن الرجل الذي اصبح غنيا بسببها، وكانت تضيء بالطريقة نفسها التي اضاءت بها في الليلة الاولى، قبل ان يعرف احد بوجودها، وقبل ان يعلق الناس اول يافطة على جدار.

وحين سال حفيد الرجل جده ذات مساء، بعد ان عرف الناس جميعا ان النور ليس الا حشرة صغيرة، لماذا ما زال الناس ياتون من كل المدن، ولماذا لم يتوقفوا عن طلب البركة بعدما عرفوا الحقيقة، نظر الرجل طويلا الى الطوابير الممتدة امام الباب، ثم الى صندوق النقود، ثم الى القماش الاخضر الذي يخفي الشجرة، وقال لحفيده:

الناس يا بني لا ياتون الى الاماكن التي فيها المعجزات، وانما ياتون الى الاماكن التي يستطيعون ان يضعوا فيها امنياتهم، ثم يسمون انتظارهم معجزة.

وتحت قدميه، في الظلام، اضاءت الحشرة الصغيرة من جديد.

مشاركة:

آخر تحديث: ٧ أيلول ٢٠٢٦ في ١١:٢٠ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

بحثت عني فلم أجدني.
ثقافة عربية

بحثت عني فلم أجدني.

بحثت عني فلم أجدني سألت نفسي فتنكرت تهت فمضيت ثم أفقت من غفوتي بعدما وعيت إني لست أنا وإن أصررت فسجنتها في خلوتي وتخليت عشقت الفراق وانغمست في حبها ما حييت صعبة المراس شهوانية أمارة بالسوء بها أعذب أن لم أفلث عقالها عن عنقي وتنحيت رمت بي في جب عميق لا قاع له خالفتها والهوى لكنها هزمتني وعرت ضعفي…

· 1 د
نصوص
ثقافة عربية

قصائد

وما زال النفق مظلما ... ظلمة أمامك .. ظلمة خلفك ظلمة عن يمينك .. ظلمة عن شمالك .. تبحث عن بصيص نور.. ترنو إلى اﻷعلى فيصفعك الظلام ..تتأمل مواقع أقدامك فلا ترى إلا دروبا من صنع خيالك... تقتلك الحيرة ...يفتك بك الخوف من المجهول .. تدميك أشواك تطؤها بأفكارك... وجراح تنزف في عمق اللاوعيك ... تتحسس…

· 1 د
أحضان الليل نبض التمائم
ثقافة عربية

أحضان الليل نبض التمائم

في لفافة من تاريخ القوافي بذاكرة الاسوار أطوق شجرة الاحزان انحني لحضور الشمس بأقواس الموت في ظل الحضور و الغياب أمضي باهداب الذكرى إلى شرود سياج يرج حائق الرمل ومن أغصان العمر ألهب أطياف البحر مآذن برايات الكواكب كي لا تمل الريح من عزف سونيتة الأيام أصور مدينة الجوع جنين ضوء يلسعه وقع الخطى بساح…

· 1 د