أحمل في جيبي مفتاحاً لا يفتح باباً.
مفتاحاً صدئاً، لبيتٍ هجره أهله وبقيت رائحته.
أحمله منذ عشرين عاماً، لا لأعود، بل لأتذكر أنني كنت هناك يوماً.
أن لي مكاناً كنت أنتمي إليه قبل أن تصبح كل الأماكن محطات انتظار.
في جيبي مفتاح، وفي قلبي بيت.
بيتنا القديم لم يكن كبيراً. غرفة لأمي، وغرفة للضيوف الذين لا يأتون، وساحة صغيرة فيها شجرة تين كسولة، ورائحة خبز لا تشيخ.
كانت أمي تقول: البيت ليس جدراناً، البيت هو من ينتظرك إذا تأخرت.
والآن... لا أحد ينتظر. الجدران وحدها تنتظر، وهذا أقسى أنواع الانتظار.
يقولون لي: انسَ.
كيف أنسى والذاكرة ليست في رأسي؟ الذاكرة في أنفي، في رائحة التراب بعد المطر الأول، في صوت جارتنا وهي تنادي على ابنها، في طعم الماء من جرة الفخار.
كيف أنسى ما لم يعلمني أحد كيف أتذكره؟
أنا لا أكتب عن الحنين، أنا أكتب عن الخسارة التي ترتدي ثوب الحنين لتكون أقل قبحاً.
سافرت كثيراً. رأيت مدناً مضيئة، وشوارع نظيفة، وبيوتاً لا يدخلها الغبار.
لكني لم أجد حارة تضيق حتى تتسع لنا جميعاً.
لم أجد نافذة تُترك مفتوحة للجيران.
هنا في المنفى، كل شيء مغلق بإحكام. الأبواب، القلوب، النوافذ.
حتى أنا، صرت مغلقاً بإحكام.
أخرج المفتاح من جيبي كل ليلة. أقلبه في يدي. أسأله:
أي الأبواب كنت تفتح؟
باب المطبخ حيث كانت أمي تعجن الصباح؟
باب السطح حيث كنا ننام تحت النجوم ونظن أننا نملك السماء؟
لا يجيب. المفاتيح لا تجيب. هي فقط تذكرك بأن الباب كان موجوداً.
أيها البيت البعيد،
لم أخنك حين خرجت. خنتني أنت حين بقيت جميلاً في ذاكرتي أكثر من الواقع.
وها أنا لا أستطيع العودة إليك، ولا أستطيع أن أسكن بيتاً آخر.
فليبق المفتاح في جيبي
ثقيلاً، صدئاً، بلا فائدة
مثل قصيدة عن وطن لا يقرأ
مفتاحٌ في جيبي لا يفتحُ باباً

آخر تحديث: ٢٠ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٤:٥٧ م






التعليقات