انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

عينٌ مبصرة وقلبٌ مظلم

محمد فيض خالد
محمد فيض خالد

قاص وروائي مصري

3 دقائق للقراءة
30 مشاهدة
عينٌ مبصرة وقلبٌ مظلم
مشاركة:

تُنبئ هيئته عن أن لصاحبها زمن شبابه نصيبا من البأس والقوة، فهيكله الضخم، يتفجَّر بالعنفوان والحيوية، حتى وإن بدى محني الظهر، مُقوّس السّاقين، مُهدّم القوى، ما أتعس المرء حين تلعب به السنين، وتنتهبه الأسقام، والغريب في الرجل ، أنه بقدرِ  عبوسه الطارئ ، على قدر ما يلقى جليسه من الحظوة والبشاشة، حين يندفع في حُبٍّ جارف يُوزّع نكاته، خَفيف الظل، حَاضر النُّكتة، يشد من حوله إليه بوثاقٍ متين.

عَجيب أمره، رويدا تنفك تكشيرته، وتبرق عينه، ويلعلع صوته، وترتجَّ حَنجرته برجعٍ مُحبّب، لتشتبك الضحكات من حوله في صَهللةٍ، تُضيء على إثرها الأصابع بلفائفِ الدخان، وتنهب الأيدي أكواب الشاي المغلي في تَلذذٍ، عبارة واحدة دأب رفاقه  إذاعتها :" الفقري" ، استأنس الرجل للقبهِ " رجب الفقري"، فلم ينزعج، لا يخفى على من حوله ماضيه المفعم بالحوادث، عن قلبهِ الميت، عن تهوره الذي لا يخشى  معه العواقب، أمّا حكاية عينه المُنطفئة، فهذا ما تبَقى له من صَفحاتِ زمانه الغابر، قيل: كان " رجب" شابا مُترع الفتوة، قد لعبَ الغرور برأسه، يهوى اقتناء كلَّ نَصلٍ حاد، وفي يوم من الأيام أخذته النَّشوة، فشَرعَ يُلاعب نصله كما تعود، وفي غمرةِ زهوه وافتتانه، انغرسَ في عينِه، لم يصدق  المغرور ما جرى، حتى وهو يشاهد عينه تتدحرج على الأرض، والمكان وهو ينشق عن " ذكر الأوز" يلتقطها ويهرب في لمحِ البصر، قالت " عائشة الخياطة" :" لقد حُسِد الجدع والعين حق، منذ أن رفع جوال القمح الكبير بيدٍ واحدة "، وتفلسف " مفتاح الحلاق" أن العين فلقت الحَجر، و" رجب" فتوة القرية وبطلها الذي كَسَر هيبة "الحلب"، وقَطع دابرهم من القرية.

مع تقدم العمر، تَكيَّف الرجلُ مع عاهته ، أو هكذا بدا، لتصبح من بعدها مادةً للتَّندرِ، يتلقاه بصدرٍ رحب، ليستغرق في ضحك هستيري، قائلا في ونسٍ:" حلمت ذات مرة أني اطارد ذكر الأوز، ذلك الملعون الذي التقم عيني، وإذ بالأرض تنشق عن جيش من الأوز" هذا ما يبديه للناس من باب التَّصبر، لكنه وفي حقيقة الأمر لم يتلهى عن مُصابهِ، على فتراتٍ يباغته الشرود ، تلفحه نيران الجَزع ، قبل أن يفيق وهو يحمد الله على فضله.

تقول  زوجته:" لقد عهدته صَلب المراس، أكبر من أيّ رزية، لكنه يتوجس في قرارة نفسه خوفا، لا يجد من دونه مصرفا، خاصة بعدما مرضت عينه الوحيدة"، طلبَ منها مُنزعجا أن تأخذه للطبيب، تعصف برأسهِ طواحين الأوهام، وتكوي فكره الوساوس، ولشد ما أعياه ذلك الحديث الباهت الذي يُصبِّر به الناس المُبتلى منهم، حتى وإن كان عَجوزا طاعن السن، لكنه كغيره يكره أن يقع أسير العَجز، قعيدا مُهملا، في أيامه الأخيرة عاودته أحلامه القديمة، عادت أكثر تضبجّحا، ثقيلة يضيق لها صدره، لم يعد الأوز أليفا على عادتهِ، بل تحول لوحشٍ كَاسر، له أنيابٌ ومخالب، وأنفاس كريهة كأنفاسِ الضباع، لا يكف عن مطاردته في دَربٍ مجهول، لم تفلح معه استغاثة، فالمطلوب عينه الأخرى، يفزُّ من نومهِ مَصروعا، يتفصّد جَبينه عَرقا، مسكين! ، هَجرَ الرقاد إلا لماما، يغفو جالسا ، فما إن استغرقَ في نعاسه، إلا وتحاصره رؤاه.

حتى كانَ صباح، وُجِد صريعا مُنكفئا أمام بيته، قد خُلعت عينه، ويده مُلطَّخة بالدماءِ، قال جيرانه:"إلى الآن لم يكشف الستار عن الحادث، ولم يُعرف السِّر.".

مشاركة:

آخر تحديث: ٢٢ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٣:١٢ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

دخان حلال
ثقافة عربية

دخان حلال

كنت مدخنا شرها، حتى قال لي احد اصدقائي: انت مو مدخن، انت مدخنة متحركة! حاولت الاقلاع عن التدخين مرات كثيرة، لكن ارادتي كانت دائما تتراجع امام السيجارة. كنت اضع علبة الدخان في جيبي واقول: هذه اخر سيجارة، ثم اكتشف بعد دقائق انني كذبت على نفسي للمرة الالف. ثم جاء اصحاب الرايات السوداء. قتلوا اثنين عند…

· 3 د
نشيد سردون
ثقافة عربية

نشيد سردون

لكن ما هذا الليل الذي يتنفس عذاب النبع أنحني لأمير التراب أتوج البخار بخار التاريخ حائطا نخليا أجلس على منصة التتويج طبع علاقاتك مع الشجر الذابل ارحل بعيدا حيث خيام التاريخ غطي الطفل المستحم بنفلاء البهجة واطمس عين الملح ان البهجة تميل ليسار القلب لكن ما هذا الانسان المزمل بأقنوم النعمة الهارب من…

· 2 د
كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها
ثقافة عربية

كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها

(1) كلُّ ليلةٍ تنقضي بالطّريقةِ ذاتها: أختلي بنفسي، وأغلقُ البابَ ورائي جيّدًا حتّى لا يسمع أبي ٱرتطامَ الزُّجاج بطرف الفراش حين أقرّرُ النّوم. (2) كان أبي كلّما أحبَّ شيئًا، ركضَ صوبهُ بأدواتِ السِّباكة، ولأنّهُ لا يعرفُ كيف يفسّرُ مشاعره، كان يشحّمُ اللّغةَ بالزّيت فيبقّعُ المسافةَ بيني وبين…

· 2 د