تُنبئ هيئته عن أن لصاحبها زمن شبابه نصيبا من البأس والقوة، فهيكله الضخم، يتفجَّر بالعنفوان والحيوية، حتى وإن بدى محني الظهر، مُقوّس السّاقين، مُهدّم القوى، ما أتعس المرء حين تلعب به السنين، وتنتهبه الأسقام، والغريب في الرجل ، أنه بقدرِ عبوسه الطارئ ، على قدر ما يلقى جليسه من الحظوة والبشاشة، حين يندفع في حُبٍّ جارف يُوزّع نكاته، خَفيف الظل، حَاضر النُّكتة، يشد من حوله إليه بوثاقٍ متين.
عَجيب أمره، رويدا تنفك تكشيرته، وتبرق عينه، ويلعلع صوته، وترتجَّ حَنجرته برجعٍ مُحبّب، لتشتبك الضحكات من حوله في صَهللةٍ، تُضيء على إثرها الأصابع بلفائفِ الدخان، وتنهب الأيدي أكواب الشاي المغلي في تَلذذٍ، عبارة واحدة دأب رفاقه إذاعتها :" الفقري" ، استأنس الرجل للقبهِ " رجب الفقري"، فلم ينزعج، لا يخفى على من حوله ماضيه المفعم بالحوادث، عن قلبهِ الميت، عن تهوره الذي لا يخشى معه العواقب، أمّا حكاية عينه المُنطفئة، فهذا ما تبَقى له من صَفحاتِ زمانه الغابر، قيل: كان " رجب" شابا مُترع الفتوة، قد لعبَ الغرور برأسه، يهوى اقتناء كلَّ نَصلٍ حاد، وفي يوم من الأيام أخذته النَّشوة، فشَرعَ يُلاعب نصله كما تعود، وفي غمرةِ زهوه وافتتانه، انغرسَ في عينِه، لم يصدق المغرور ما جرى، حتى وهو يشاهد عينه تتدحرج على الأرض، والمكان وهو ينشق عن " ذكر الأوز" يلتقطها ويهرب في لمحِ البصر، قالت " عائشة الخياطة" :" لقد حُسِد الجدع والعين حق، منذ أن رفع جوال القمح الكبير بيدٍ واحدة "، وتفلسف " مفتاح الحلاق" أن العين فلقت الحَجر، و" رجب" فتوة القرية وبطلها الذي كَسَر هيبة "الحلب"، وقَطع دابرهم من القرية.
مع تقدم العمر، تَكيَّف الرجلُ مع عاهته ، أو هكذا بدا، لتصبح من بعدها مادةً للتَّندرِ، يتلقاه بصدرٍ رحب، ليستغرق في ضحك هستيري، قائلا في ونسٍ:" حلمت ذات مرة أني اطارد ذكر الأوز، ذلك الملعون الذي التقم عيني، وإذ بالأرض تنشق عن جيش من الأوز" هذا ما يبديه للناس من باب التَّصبر، لكنه وفي حقيقة الأمر لم يتلهى عن مُصابهِ، على فتراتٍ يباغته الشرود ، تلفحه نيران الجَزع ، قبل أن يفيق وهو يحمد الله على فضله.
تقول زوجته:" لقد عهدته صَلب المراس، أكبر من أيّ رزية، لكنه يتوجس في قرارة نفسه خوفا، لا يجد من دونه مصرفا، خاصة بعدما مرضت عينه الوحيدة"، طلبَ منها مُنزعجا أن تأخذه للطبيب، تعصف برأسهِ طواحين الأوهام، وتكوي فكره الوساوس، ولشد ما أعياه ذلك الحديث الباهت الذي يُصبِّر به الناس المُبتلى منهم، حتى وإن كان عَجوزا طاعن السن، لكنه كغيره يكره أن يقع أسير العَجز، قعيدا مُهملا، في أيامه الأخيرة عاودته أحلامه القديمة، عادت أكثر تضبجّحا، ثقيلة يضيق لها صدره، لم يعد الأوز أليفا على عادتهِ، بل تحول لوحشٍ كَاسر، له أنيابٌ ومخالب، وأنفاس كريهة كأنفاسِ الضباع، لا يكف عن مطاردته في دَربٍ مجهول، لم تفلح معه استغاثة، فالمطلوب عينه الأخرى، يفزُّ من نومهِ مَصروعا، يتفصّد جَبينه عَرقا، مسكين! ، هَجرَ الرقاد إلا لماما، يغفو جالسا ، فما إن استغرقَ في نعاسه، إلا وتحاصره رؤاه.
حتى كانَ صباح، وُجِد صريعا مُنكفئا أمام بيته، قد خُلعت عينه، ويده مُلطَّخة بالدماءِ، قال جيرانه:"إلى الآن لم يكشف الستار عن الحادث، ولم يُعرف السِّر.".







التعليقات