فى البلدة البعيدة ، والليل يجرجر أذياله السوداء ، والسماء لم تزل متلفعة ببقايا من ظلمة الليل ، رن جرس الهاتف الارضى ، فانقبض قلبى . أنهض فزعاً على الرنين المتواصل . صلصلة فى الظلام تروع الهدوء الذى يغمر المكان ، والنهار لم ُيسفر بعد . أنهض مثقل بالقلق ، مكروش النفس ، فى ذلك البكور المعتم . الصوت القادم من الطرف الآخر كان يحاول أن يبدو متماسكا ، غير أن مسحة من الحزن والأسى غلّفت نبرات صوته . قال : نبيل ، تعيش أنت . أغلقت سماعة الهاتف ، وبكيت كما لم أبكى من قبل .
بوجه مصفر ، وعينين زائغتين ، وعرق ممتزج بتراب السفر ، يسيل حبالاً رفيعة على وجهى المعروق ، والتراب الذى تحمله الريح يملأ عيناى ، أدخل الحارة الضيقة . الرجال جالسون على الكراسى يكسو ملامحهم الوجوم وكأنهم رسوم على الجدران . نفس الرجال الذين أراهم فى كل العزاءات ، بقاماتهم المديدة ، ووجوههم الطيبة الممتلئة بالأسى والحنين ، وقد لبسوا جلابيبهم القديمة الحائلة ، فبدوا فيها كجذوع أشجار قديمة جففتها الشمس . نفخ أبو سعد دخان السيجارة من فمه ومنخاريه سحباً طويلة ملتوية الذيل ، تتعثر فى شاربه الكث المتدلى ، وتنساب فى الهواء الراكد . لمحنى قادما متعجلا ، غمغم من بين شفتيه الداكنتين : الله يكون فى عونك ياإبنى .
دخلت من الباب العتيق ، الباب صاحب الأنين الرفيع والنقوش البارزة كنقوش التمائم . كانوا قد أنهوا تغسيله وتجهيزه للدفن . بأصابع مرتعشة ، أتلمّس كفنك يا رفيق ، ألقى نظرة وداع عليك ، وأنت تتهيأ للرحيل ، تغادر عالم ظلمك كثيرا وأسرف فى ايذاءك . بللت بدموعى جبينه الملفوف بالكفن . ترتجف اطرافى وينزف قلبى وأنا أتأمله ممدداً فى هدوء الموت ، وهو الذى كان يفيض نشاطاً وحركة وحباً للحياة ، أودع معه عمراً من صداقة ومودة وتذكارات بعمق الحنين .
●●●●
فى ليالى الشتاء ، نعود من تسكعنا الطويل فى الشوارع التى بللها المطر . نسير فى الطريق نتجنب برك المياه المتجمعة . رذاذ المطر يحمله الهواء ، ويلامس وجوهنا . احساس منعش يشيع فى الجو ويشملنا ، فتنتشى أرواحنا . نشعر بخفة وأنه لا مشاكل لدينا ، وان الحياة جميلة تستحق أن ُتعاش . أرواحنا مغسولة بالسعادة والنشوة . نهبط الدرجات القديمة التى تغوص فى الأرض وتفضى إلى شقته بالطابق الأرضى . تتسرب إلى أنوفنا رائحة رثة مكتومة من الجدران التى تنز منها الرطوبة . تساقط طلاؤها الجيرى فبان لحم الحيطان عارياً . يفاجىنا الصمت والسكون المطبق . نتسلل بخفة . صرير باب عتيق يفتح ، وتزحف على البلاط العتيق خطوات أقدام . من الداخل يأتينا صوت أبيه – العم جرجس – خافتاً مشروخاً بالعجز : مين ؟ نبيل .. غطينى . قامة طويلة وجسد ممتلئ يعلوه وجه لحيم قاسى ، وشارب مفتول . رأسه الحليق يبدو كقمة تمثال منحوت من الرخام ، يتمدد فوق سريره فى جلباب سابغ من الكستور الشعبى .
تحتوينا غرفته المطلة على الحارة الساكنة الآن . أقفرت الشوارع وخلت من المارة ، وفى صمت السكون ينساب صوت فيروز ناعماً رائقاً من مسجل قديم : رجعت الشتوية .
رشفات من أكواب الشاى الساخن ، وتبدأ نقاشات وحوارات لا تنتهى . نتفق كثيرا ونختلف كثيرا ، لكنها تجعلنا نحلق فى سماوات مفتوحة ، تفتح أمامنا طاقات من نور ، أمل فى غد أجمل ، أكثر عدلا ورحمة ، اكثر انسانية ، والليل يتسكع فى الدروب .
كانت جلساتنا تجلو صدأ الأيام ، تمنحنا القدرة على معافرة الحياة ومشقات الطريق . ننفلت من أسر البرارى القاحلة ، المليئة بالترقب والخذلان ، بحثا عن عالم أفضل قادر على احتواء أحلامنا وأمانينا . نبحر فى تيه من الأسئلة التى تعصف بطمأنينتنا . نشعر بفرح الانعتاق من ربقة الحاضر الكئيب ، من هجوم الهموم الكبير والصغيرة ، فرح يفعمنا بالخفة ، بالطرب الذى يدفعنا إلى دندنة لحن خفيف مرح يفيض بالحيوية : " طير بينا ياقلبى ولا تقوليش السكة منين ... دا حبيبى معايا ما تسألنيش رايحين على فين " . تنبت لنا أجنحة ملونة ، وتولد فى مقلنا الأحلام ، وترفرف عصافير البهجة . نبعثر توقيت الكون ونعيد ترتيبه كما يليق بأحلامنا . تعلمنا أن نرمم أرواحنا بمسامير الصبر ، أن نرتق جراحنا بخيوط الأمل ، وأن نزرع فى قلوبنا صمتا يغتى عن الف صرخة ، فنحن فى حضرة الحب والفن . يقرأ لنا أشعاره ، نتحاور حول فيلم أو مسرحية شاهدناها سويا ، يستعرض أحدنا كتابا قرأه وأعجبه . يمضى الوقت سريعا ولا نشعر بأنفسنا إلا ونور الفجر يتسلل ناعما من خصاص النافذة . نفترق على أمل اللقاء . رائحة المطر تغمر الشوارع ، والريح لا تنى تهب ، وفى السماء تخفق النجوم .
●●●●
فى غبشة الفجرقام . كانت النجوم لاتزال لامعة فى السماء . وجع نافذ فى القلب كسن الخنجر المسنون . أمسك صدره يستجدى أنفاسا شحيحة . ينظر إلى طفليه النائمين فى سكون . قامت امرأته مفزوعة . يتساند عليها ليخرج إلى الحارة الساكنة يلتمس عونا ونسمة هواء . أنفاسه تتلاشى ببطء . يرفع يده ، يتحسس عنقه ، ويرفع رأسه للسماء . يمد عنقه كالذبيحة وقد غرغر واتسعت عيناه وبدتا فى الضوء الشحيح منطفأتين ، مشدود بحبل الخوف الآسر . امرأته ذاهلة لاتصدق . رفعت صوتها بالعويل ، تصرخ مستغيثة . الحارة تغط فى نوم عميق كأنه الموت .
من زمن بعيد ، يتراءي لى كثيرا ، غافيا على تخوم الحلم ربما ، فى حكايا الكتب القديمة ، والصوت الذى يأتينى من حيث لا أعرف ، وذكريات تنساب فى رأسى كتدفق الينبوع . يقبل الليل ، فتدور الوطاويط ناشرة أجنحتها السوداء ، ينعق البوم ، وينبح كلب بلا مأوى . يخرج هو ملتحفا بثوبه الأسود يكفنه الظلام ، وجهه عجوز كالح به فم خال من الأسنان ، وله عينى ذئب جائع تبرقان فى الظلام . لا ينظر خلفه ولا يلقى السلام ، يحمل على كتفه خرجه ، وبيده يرفع منجله حاد النصل تتبعه ريح هوجاء تهب من ناحية المغارب ، مغبرة بالتراب القديم . فى قلبى شعلة تضطرم ، وأنا أحدق فى الظلام الذى يغيّب الأشياء ، ياتينى صوت رفيف أجنحة ضخمة لطيور لا تكف عن العويل .
الحارات والأزقة خلت من ناسها ، وبدت كامراة متوحدة ، مهجورة . زام الهواء فى قش السطوح ، نبح كلب من بعيد ، وبرقت عينا هرة فى الظلام ، ولم يصحو من الجيران احد . ارتفعت يد امرأته ترسم علامة الصليب ، تهمس بصوت مشحون مرتجف : ارحمنا ياالله وتحنن علينا .. لتكن مشيئتك .. لا تدخلنا فى التجربة .. لكن نجنا من الشرير . انهمرت دموعها وارتفع نحيبها . مد كلب رأسه متسائلا ، علا نباحه غاضبا حين لمح قطة تعبر بجوار الحائط ، ثم أحس بالملل ، فأدار وجهه وشتم الجميع بنبحة خافتة مبحوحة ، وانصرف .
الآن ، يشعر بمرارة الدخان الذى دخنه طويلا تقلب معدته . يتألم وهو يحس بجوفه يكاد يندلق من فمه ، فيما لا يخرج منه سوى سائل أصفر يميل للاخضرار شديد المرارة . يتشرب قلبه القلق والحسرة ، يرتعش والدموع تنهمر فى داخله ، شفتاه تلتويان فى ألم مبهم كظيم . سحابة كثيفة من الهدوء تشمله فجأة . تسترخى ملامح الوجه المجهد . تطفو فوق ركام افكاره صور ضبابية ، وجهى طفليه ، عينا امرأته التى تحدق فى وجهه ذاهلة متوسلة صارخة ، وجوه الجيران اللامبالية والناهضة بنعاسها ، صرامة وجهى أبيه ومديره فى العمل ، خذلان الأقارب والأصدقاء ، نفاق ومداهنة رجل الدين وجمود ملامحه حين راح يشكو له حاله . بدا فى صمته مسكونا بحزن مكين .
بالكاد يخرج الصوت من حنجرته مخنوقا لكنه عميق كأنه يخرج من باطن الأرض ، ساخن وملتهب ، ومليئ بالغضب : ياولاد الكاااااااالب .
سقط على الأرض ، ومات .







التعليقات