سماءٌ خربةٌ ، أرضٌ مُقفرةٌ ، أناسُ يحملون هُويَّات ذاتيَّة ، أجسادُ ثُلْثها آذان ، وثُلث بطون ، وثلث عيون ، فى الشتاء يسْتحْلبُون دِفء الأرض مُعايشة للبيئة ، وسُخْرية من العجاج العقيمة ، يحفرون الأرض قبورًا هربًا من سيارات الشرطة .. التى تلمُّهم للتجنيد ، قال الجد :
ارع الأمريكنية !!! وهمَّ بيمرقوا بسياراتهم ، إنت ما ارْعيت اليهودية ، ارعِ الدُّشم !!! ارع .. العظم ..ارعِ الجماجم ندوّس عليهم !!! ارعِ ولدى عياد ... هووووه .
زُمْتُ مُصْدرًا صوتًا كهرير القط ، خمشته بأصابعى مبتسمًا وقلت له ، وأنا أُمْعن النَّظر فى وجهه البرونزي المُحتقن بالنقمة :
حتى لا تدفن نفسك فى الرَّمل كلما مرَّت السيارة الكُحْلى ، أو الصفراء الباهته .
التصقت بَصْقتهُ بقصبة ساقه الأعجف النحيف ، مسحها مسرعًا ، ودسَّ يده فى الرمل قائلًا بعصبية وغضب عارم :
ملعون أبو ال....... وملعون أبو ال........ وملعون أبو الشرق والغرب ؛ وملعون أبوك فلاح .
قالها مهمومًا.. محدقًا للبَكْر الرابض دائمًا أمام المِقْعد ، ومال برأسه إلى الخلف ضاحكًا للأفق .
دائم المضاجعة لظل تعريشته الحطبية .. الجد يلتفُّ حوله الصغار ، يحكى لهم عن أيام الاحتلال ، والعقربن والأفعى وأم جعار، وعن عياد أبو سعد ولده ، الذى صار يضحك فى قفاه ، قال لهم :
عيَّاد ولدى أبوك ياعيد خايب .
*****
فى بكور أحد الأيام ، حينما ولج خارجًا من باب كوخه ، بعد انصراف الصغار ، وقبل أن يذهب إلى صف النوق يتناول حليبها وجبته الوحيدة فى يومه ، رمى نظره عادته يرمقها .. يتأملها .. تدور رأسه بأفكار كثيرة ، وهو يشيح عنها بناظريه مُتّجها خلف المقعد إلى صف النوق الحلابة . سبَّهم ولعن نفسه ، من تجرَّأ منهم ، لم يهرُجوا .. أو يمرُجوا فى ليلة الصيف الفائته ، تكثر الأسمار والحكايات والأشعار، وتنتهى الليالى الصيفية بالهذر دائمآ ، عوَّدهم كل جَدّ وأبنائه وأحفاده ، يقومون على خدْمتها ورعايتها ، والتناوب فى حراستها ، ومسْحها وتلميعها ، وتنظيف المكان حولها ، والمحافظة عليها بعيونهم .
أمام كوخه واقفة تزهو فى اعتدال كامل ؛ منتصبة ببريقها الساطع ، الذى يحطّ سطوة فى قلب وعين المتطلّع إليها ؛ كانت نائمة على جنبها مغبَّرة بالتراب ، مغروسًا بوزها فى الأديم تلتهمه .
جمعهم فى ساحة المقعد ، جلس ساهمًا بينهم ، نار الركية انطفأت والبكارج صدأت ، والكبابى على أفواهها انكفأت .. انقلبت .. اندست فى الرماد . لا شاى ولا قهوة ، ولا دخان عربى .. ولا حريْمات .. ولا هرج .. ولا مرج أو هذر، حتى يعرف الذى خان عهده وسوَّى هذا الفعل السيئ اللئيم . لم يعترف له أحد من أفراد قبيلته أورحمه .
تنحنح ؛ ارتجفت العمامات الكبيرة والصغيرة ، ولبد الضُّعوف بجنوب آبائهم قال :
قدركم .. أم قدر رءوسكم ، لا وقوف .. لا قعود .. لا رقاد أونوم مريح .. على شاكلتها تصيرون .
أمرهم كبيرًا وصغيرًا .. قويًا وضعيفًا ، قاموا .. كل فريق لجد ، والجد على رأسهم ، ينام نومتها المنكوبة ، بوزه فى التراب لا يلوكه - أكْل التراب شيمتها - لا استقامة ولا انتصاب بعد اللحظة ، الرقاد المتكسرعلى هيئتها ، لكن ليس من زهوٍ أو تكبرٍ أو خُيلاءٍ ، بل الفتور والكسل والوهن .
من يومها أصبحوا أعواد متكسرة فى حال وقوفهم أو رُقادهم ، لا تميز !!! أو قعادهم أو نومهم ، لا تفرّق ، يختلط عليك الأمر!!! تحتار؛ تجدهم متكئين .. متكسّرين رأسًا لرأس أو قدمًا لقدم .
تمرَّن الأجداد وتدرب الأبناء والأحفاد على اتكائهم وتكسّرهم ، كان الضُّعوف ينفرطون على الأرض من الضحك وقت قيام الأب يتكئ .. ويتكسَّر مُعلّمًا حُرمته ، تَعْجَبُ الحرمة وتقف مدهوشة ، يكرر الرَّجل المحاولة ، لعلَّ المشْدوهة .. المعتوهة تفهم ، فتتَّسع عيناها ناظرة إليه قائلة فى حزم وعصبية :
قم يا رجل انتصب .
وتشمّر ساعديها ، وترمى طُرّتها المتدلّية أمام وجهها فوق ظهرها حين انحنائها ، تتناول أعواد الحطب تكسرها ، وتوقد النار ... تسوّى حِمْشًا .
*****
جبلًا.. مضجعًا .. يستريح قليلًا من وقفته الأبدية ؟!!!
وشموخك الدائم ؟!! وكبرياؤك القاهر؟!! أوتجلّت قدرة عليك دكّتك فى الأرض ؟!! ما تبقى منك فرط من حجارتك ، وحشد من الرمال ..أحفادك ؟!! تحكى لهم هتْمًا وهتْرًا .
*****
جثم الليل على صدر الأرض ، طمس المكان بالعتمة ، من يرى ليل هذه البلاد لا يظن أبدأ أن النهار سيأتي يومًا يجلو عتمته . اعتدل الجد فى جلسته ، رفع رأسه ، وفرد ذراعه فى الظلمة المتناهية الموحشة مشيرًا قائلًا ، فى نبرة صوته حزنٌ عميقٌ ينُمُّ عن حسرة تُعْتمل بداخله :
ظهر نوره .
حدَّقتُ فى اتجاه سبابته المفرودة وقلت :
أى نور؟!!
قال بعد أن صدرت عنه ضحكة متقطّعة تشى بسخرية ساخنة :
احرق ثوبك يعطوك الكمامة شغلته .
أتراه من هنا ؟!!
اضطجع وفرد جسده ، حكّ مؤخرة رأسه من تحت العمامة ، رفع إحدى رجليه قليلا عن الأرض ، أخرج فصًا مكينًا من هواء بطنه ، وخرج الكلام من بين شفتيه يعبّر عن الزّهق الذى اعتراه حين قال :
محدودى البصر مكفوفى البصيرة .. زارنى زمان صاحبى "عيذر" أعطيته تمرًا .. قلت له من الحجاز كنت أحج .. عبس فى وجهى .. وأقسم قائلًا :
لن آكله إلا قطفًا من .. عراجين النخل ..على الشجر .
صمتنا طويلًا .. طأطأ الصمتُ رأسه مُستحيًا ، نهره الجد بنحنحته وزئيره المتهالك ، زجره الصبية بصياحهم الصاخب ، خدشوا حياءه بهرجهم ، قمتُ مُنْصرفًا ، كان هزْجه يتهادى إلى سمعى وأنا أسير يُحاصرنى السواد .
"محمد .. يا محمد .. عذّرنا يا غالى
وشيل عنا شيل .. سود الليالى "
*****
وقفت عاريًا وسط الرجال ، الذين تحلّقوا حولى لا مفر حرق الثوب ، أحرق ثوبى ... أحرق نفسى .. لا فرق ؛ الرعد والبرق مُرادفان للمطر، الخروج من البيضة هدم وبناء .. الولوج من الرحم .. تحرر بعد اكتمال ؛ انشطار فى آخر الليل الضرير .. بين طرقات العتمة الحالكة اللئيمة ؛ انفلات فى أول النهار البصير بين مسارات الضوء وأشعته الحليمة ، ألمٌ يفجّرنى ورقة رقيقة ، يطوينى مركبات فضائية .. أقماراصطناعية .. صواريخ طائرات من ورق مقبوضة بيد شريط بنى بين أنامل الأطفال القرويّين الواقفين ... فوق أسطح البنايات اللبنية المعروشة بالقش والحطب .
تتطاير جثث الكلمات .. الموسيقي .. الاغنيات .. تتبعثر المزامير .. الأسفار .. الصحف .. الأصاحيح .. الآيات .. تهمى تتراكم تتعاظم فوق رءوس البشر تفريها العقول .
وضعوا حاجياتى .. فى رقعة القماش الملونة المهترئة ؛ أهلّه خابية سيوف صدئة .. كرانيف نخلة .. جرس جص .. مئذنة اسفنجة .. شيح أخضر .. قيصوم .. عرعر .. تذكارات جنود مسفوحين .. بطاقتى العائلية ، أضرموا النار فى كومة الكرانيف وعظام الجنود .. جمعتها من المقبرة الجماعية ، بقسوة الصقوا بعرة البكر على جبينى .. استنفروا النار .. اصطفوا مع الريح التى " دحَّت " معهم ونفخوا معها :
" دح يوه .... دح يوه "
دح يوه .... ثوب جديد "
ارتفعت النار إلى عنان السماء .. تُقرقع .. تورَّمت أكُفّهم من التصفيق من أعلى لأسفل .. مع الإنشاد والانحناء ، والتقدم .. والتقهقر، والنفخ :
" دح يوه ... دح يـوه
دح يـــوه ... حرق الثوب "
تأجَّج قلبها بالأوار .. تماوجت .. زمزمت .. هاجت النار ، شهقت .. مدت ذراعها .. تحسَّستنى .. ابتسمت .. رقصت على نغمات الإنشاد :
" دح يـــوه... دح يـوه
دح يـــوه ... ىوم سعيد
دح يـــوه ... حرق الثوب
دح يـــوه ... ثوب جديد "
بيضة لا أرضى ؛ أظلم نفسى .. يحشونى الآدمى بالهرمون .
مسكينة الدجاجة .. مقهورة طفلتي تعشق صفار البيض ، غبية حبيتبى تعشق الدجاج بخلطة " كنتاكي " لن أتحمَّل ... أُسْلق ؟ أُقْلى فى القلَّاية ، تبتلعنى حيَّة ؟ أُضْرب فى المضرب ؟ من هذا المصير أين أهرب ؟
*****
حملتُ حقيبتى عائدًا ... خرائط بلادى فى أيدى الغرباء ؟!! عند المعدّية ، رجال الشرطة يستدبرون الكلاب ؛ دوع أمنية .
شمَّنى الكلب .. هبرنى .. ارتطمت مؤخرتى برصيف العبارة الخرسانى ، ثنى جذعه الشرطى ، مد ذراعه ، جذبنى من جلبابى .. خلف قفاى ، اصطدمت رأسى بصدره العريض البارز، سقطت خلايا دماغى تحت قدميه ؛ داسها ببيادته السوداء السميكة ، نهش الكلب أحشاء الحقيبة ، مطَّ شفتيه ، حكَّ شاربه أرنبة أنفه .. قال :
ما هذا ؟
وبر جمل .. شعر عنزة .. صوف شاة .
" تتعوذ " .
شيح .
" شتمني "
قيصوم .
" مالك والبداية ".
عرعر .
" عقرني الكلب ".
بقايا جنود جمعتها من المقبرة الجماعية .
" ارتجف " .
هويتى .
" اعتقلنى " .
لمُّوا قطعة الأرض ، طرفًا من الشرق وطرفًا من الغرب ، بحبل من ليف النخيل ، ربطوا رقعة القماش الباهته الممزقة .. المهترئة التى تحوى خرائط جسدى ، حملوها بين راحاتهم مهلهلة عليلة ، وضعوها فوق رأسى ؛ خرَّ الحزن من ثقوبها الكثيرة ، اختلط بالأسى الذى ينز من ثغور جلدى ، يسيلان كالزيت المغلى ، يشقَّان طُرقا مُؤلمة فى نفسى أثناء سيرى إلى النار أرمى رأسى . قرفص الرجال ، وانكبوا على الأرض بأكفهم يضربون أمام أقدامهم ، يصدر من أفواههم بصوت عال :
طب .. طب .. طب .
هخ .. هخ .. هخ
طب .. طب .. طب .
هووف .. هووف .. هووف .
طوحت رأسى ، انفرجت أسارير النار .. قالت :
هووف .. هووف .. هوووف .. مبروك عليك ثوبك الجديد .
أثار الرجال الغبار الأصفر ، تصاعد أمام وجوههم من حمية اشتعالهم مع رأسى ، وضربهم بأكفهم .. وهخهم .. وهفهم :
طب .. طب .. طب .. طب
هخ .. هخ .. هخ
طب .. طب .. طب .
هوووف .. هوووف .. هووووف " .







التعليقات