انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

دمعة على خد الغيم

بسام الطعان
بسام الطعان

قاص وروائي سوري

4 دقائق للقراءة
13 مشاهدة
دمعة على خد الغيم
مشاركة:

أنتِ الندى الضاحك على ثغر زهرة الليم، وأنا نغمة تائهة أصابها الضيم، فلِمَ لا نلتقي في حلمٍ، في نبضةٍ، في رعشةٍ، في لحظةٍ عابرة، كي لا أكون دمعة حزينة على خد الغيم.

إلى متى سأكتب حكايتي على كل تنهيدة، ألم يكف أن في القلب نيران لا يطفئها المطر؟

كثيراً ما أبحث عنكِ، كلي يقين بأنكِ لستِ سراباً، كثيراً ما أسمع صدى صوتكِ يأتيني مع الريحِ، يرويني حيناً، وحيناً يزيدني قهراً مثل قهر أرض عطشى.

اخبريني لمن غيركِ أشدو بقافيتي، وثغركِ يمنحني غيثٌ ومُزنِ، وكيف لا أكتبكِ على موانئ الروح أغنية، وفي عينيكِ تبحر سفني.

ما زلتُ أراكِ في البعيدِ مروجاً لا تغادرها طيوري، وكلما اندلع فيَّ الشغف والشغب، لمحتُ في عينيكِ غيمةً، خطواتها موسيقى، وهمسها قوس قزح، وكلما ابتسمتِ، أقامتْ عرساً للمطر، وأطفأتْ عطشي إليكِ.

أعلم أنكِ ضحكة الريح، قبلة آذار للمدى، دفء نيسان يعلّم الندى كيف يعانق الورد، فلِمَ لا تمرين؟ مري فأنتِ رفيفٌ من ظل وضوء، أو نسيم يمنح الغصن اخضراراً. مُرّي، كي يزهر الخريف، يغنّي في الروح عبق، ويخرج من القلب ضوء يفوحُ.

كلما تزورني لهفتي وأنا في وحدتي، تمسك بيدي لتأخذني إليكِ، ومع خطوتي الاولى، أرى أمامي وجهاً ريفياً، يضيء فيه نهر صغير يخبئ في مجراه حكايات الطفولة، وأرى ضفائر تتلاعب مع الريح، كأنها تغني للسنابل، وثغر كلما تعانقه نظراتي، يرسم ضحكته فوق صمتي وتعبي، فأنهض منتشياً منتعشاً مثل عشب يرقص في حضن المطر.

يا لهذا الوجه كلما اقترب مني خطوة، أخذني إلى ديمومة الاخضرار، وجعل المدى في عينيَّ يرتدي لوناً وردياً.

وفي الليالي المتعبة، وما إن أكتب اسمكِ على سكون الليل، حتى تفوح مني القصائد عنبًا، حينئذ أعرف أن قّدكِ الميّاس دالية، وسماركِ من قهوة وعنب وتين. وقبل أن يغلبني الوسن، أسمع صوتاً ناعماً يأتيني من البعيد:

ـ سأمرّ يوماً، وسأعيد ترتيب الفصول، فأنا وعدٌ مؤجلٌ من نيسان، ولا بد أن أحكي لك يوماً حكاياتي.

سيدة الألحان في أغاني السحاب، تمرُّ الليالي وهمس عينيكِ، يكتبُ العناد ويعزفُ لحن الغياب، يا نغمة القلب، يا نبض حنيني، حنيني إليكِ صلاة لا تنتهي، ونداء المروج لمواويل السحاب. قصيدتي أنتِ، أتلوها في الليالي همساً، فلِمَ يمارس دفؤكِ هواية الغياب بلا عتاب.

قولي لي يا سيدتي ، كيفَ الهدوء يزورُ جفوني ورسول طيفكِ يغرّدُ في رُبايَ، أنا دونَ طيفكِ قنديلٌ حزينٌ، والسكون في الليل تعذبه خُطايَ، وعلى وسادتي ينتفض أنيني، ويملأُ الدنيا عتابًا من ندايَ، وأنتِ يا عمري ما بكِ بعيدة، وربما تائهة، ولمَ لا تفارقين دموع أسايَ.

آهٍ... لمَ لا أعيش زماناً من غيرِ حزن، لا اغتراب فيه، لا عذاب، ولا آلام دمايَ.

دائماً أرسم صورتكِ في ذاكرتي المزدحمة بكِ، ولأن كل ما فيكِ يبشّر بقدوم الربيع، ولأنكِ غيمة كثيفة تعرف أين ترسل دموعها لترقص الجداول، ويضحك الريحان في ثغور الزهور، أظل أنظر إليكِ، وفجأة يصافحني نورٌ كأنه توأمُ عينيكِ.

ينتابني شعور بأنكِ قطرة من ندى تحييني، فأنهض من سريري، وأقف أمام نافذتي، أنظر إلى جهة الطريق، ثم أفتح النافذة، استنشق هواءً اشتاق له صدري، ومع دخان سيجارتي، أرسل لكِ لهفتي مع صيحة الريح، بينما كل نبضة فيَّ تدنيني منكِ.

ذات اشتياق، كانت ندف الثلج تغني أغنيتها الهادئة الحلوة، والشارع خالياً من المارة، كنت كعادتي أمام النافذة، أنظر إلى البياض في الخارج، وحين أصابني الملل، أغمضت عينيَّ، ذهبتُ في رحلة رسمها خيالي، عزفتُ فيها لحنًا سمعته الدُّنا، ثم ناديتكِ بكل ما فيَّ من عتب، فجئتِ إليَّ دون بروتوكول، أضأتِ روحي بابتسامة، واندفع الزمزمُ من همسكِ، كأنه من حنانكِ يُسقيني.

حينها منحتكِ لذائذ الوفاء:

ما بكِ تهمسين بعذوبة كأنك تراقصين النسيم، أتدرين أن همسكِ قصيدة لا تُقرأ إلا بالقلب، أتدرين أنكِ نغمة حنونة، حالة عشق، وموسيقى تلامس الروح.

كلما تغيبين ويتوقف رقصكِ الباهر، تعودين من جديد وتلمعين في ذاكرتي مثل وعدٌ لا ينسى.

اعادتني سيجارتي من رحلتي العذبة حين حاولت أن أسحب نفَسَاً ، لكني وجدتها منطفئة بين أصابعي، أشعلت أخرى ولم أسمح لها أن تأخذكِ مني، وظل كل ما فيَّ يهمس: " تعالي يا غيمتي، ويا همي وأهمي، أنتِ السحر والذهب، تعالي بوجهكِ الطفولي واطفئي عطش واحاتي، فأنتِ مسرَّتي، وألوان الطيف، وعناق النسيم للندى، وأغاني اليمام في الفضاء، وأعناب الداليات، تعالي كي لا تذوب الروح بين آهات وتناهيد، ولا تزيد حسرتي لنيراني حطبها".

سنوات كثيرة مرت، أكثر من صوركِ التي تزين ذاكرتي، وأنا في دفء ليالي الصيف، في حزني وفرحي، في وجوه المارة، وفي حكايات السهارى، أراكِ عصير عنب في خابية، تمنحني كؤوسًا معتقة من همس وحنين.

سلاماً كلما يمر الحنين.

أين أنتِ وأين الندى والطل؟ وأين وداعة الورد ومواويل العيون؟ فلا تغيبي كثيراً كي لا أتحول إلى طائر عمره موال حزن، يشدو بأنين يهز أوتار روحه ويبحث عن وليفه تحت غيمة حزينة في خريف حزين.

سأظل على العهد، وأكتبكِ في سنوات عمري أغنية، ستظلين وردتي التي تتشكل بالدفء، تنثر أسرار جمالها في المدى، وتترك في نفسي بهجة لا تنطفئ، وحباً لا ينضب، وحكايات لا تنتهي.

هل ستأتين بعد دهر؟ أم بعد ألف اشتياق؟ متى سأرى أمام نافذتي غيمة لا تبددها الريح؟ فبرد الليالي أمام النافذة دونكِ مؤلم، هل سألمس حضوركِ؟ أم سأبقى أكتبكِ في كل يوم جديد، أغنية مؤجلة.

بسام الطعان

bassamaltaan@yahoo.com

مشاركة:

آخر تحديث: ٢ آب ٢٠٢٦ في ٠٧:٥٠ م

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

قبضةٌ مِنْ أثرِ المجاز
ثقافة عربية

قبضةٌ مِنْ أثرِ المجاز

اليومَ أدحضُ كذبةَ القمصانِ وأقولُ عنْ ذئبِ الحكايةِ جاني لم يعوِ إلّا أنّ ثمّةَ هاجساً للغدرِ دارَ بخاطرِ الإنسانِ لم يرجَعِ الإخوانُ ، والدُهم عفى والطفلُ بين الصدقِ والبهتانِ الجبُّ موجودٌ ومَنْ مروا بهِ كانوا كما يبدو مِنَ العُميانِ تركوا الدلاءَ معلّقاتٍ في السُدى واستسلموا لغوايةِ النسيانِ…

· 2 د
التجنن
ثقافة عربية

التجنن

يقول أبو حمدان: تنقلت بين بلدان وعواصم كثيرة، وكانت أكبر مصيبة في حياتي أنني لا أعرف كيف أتكلم. أبتلع ما أشعر به كما يبتلع المرء حبة دواء مرة، وأرى الأخطاء تمر أمامي كما تمر القطارات، فأدعها تمر، ثم أعود إلى بيتي مختنقا بها. أما إذا قررت أن أتكلم، فلا أحد يريد أن يسمعني. ولا أعرف السبب. أظنه لأنني،…

· 4 د
الثنائيات المتضادة

 في رواية (جسر بضفة وحيدة) للروائية الأردنية (هيا صالح )
ثقافة عربية

الثنائيات المتضادة  في رواية (جسر بضفة وحيدة) للروائية الأردنية (هيا صالح )

يستحوذ السرد على المتلقي إذا خرج عن النسق التقليدي للكتابة السردية , بخلق عوالم افتراضية يتجاوز فيها الكاتب تصوراته للواقع و السماح ليراعه بالتحليق في فضاء المتخيل . و بحثا عن المغايرة و الاختلاف , و لتعزيز نصيتها عمدت الروائية ' هيا صالح ' على اختراق عالم الغرائبية بتحررها من الوالقع و الانتقال…

· 9 د