انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

حين يقود القلب لا القدم.. تانغو العلاقات

اكرام زين الدين
اكرام زين الدين
3 دقائق للقراءة
158 مشاهدة2 تعليق
حين يقود القلب لا القدم، تانغو العلاقات
مشاركة:

حين يلتقي راقصان على أرضية التانغو، لا تبدأ الرقصة بالخطوة، بل بالإصغاء. كل منهما يستمع إلى الآخر بجسده قبل أن يتحرك، يقرأ توتر يده، ثقل خطوته، لحظة تردده. وهكذا كل علاقة حقيقية بين طرفين تبدأ بالإصغاء لا بالكلام.
في التانغو،
أحدهما يقود والآخر يستجيب،
لكن القيادة هنا ليست سيطرة،
والاستجابة ليست خضوعًا. إنها حوار صامت، كل طرف يمنح الآخر مساحة ليكتمل فيها. لو حاول أحدهما أن يفرض إيقاعه وحده، تعثرت الخطى وتحوّل الانسجام إلى تصادم. وكذلك العلاقات ،حين يريد طرف أن يقود كل شيء دون أن يترك للآخر مجالاً، تفقد العلاقة رشاقتها وتتحول إلى عبء.
الجميل في التانغو أن المسافة بين الجسدين قريبة جدًا، لكنها مسافة تحترم استقلالية كل راقص. يقتربان دون أن يذوب أحدهما في الآخر، ويتحركان معًا دون أن يفقد أي منهما توازنه الخاص. وهذه، ربما، أدق صورة للعلاقة الناضجة،قرب يحفظ الحدود، واندماج لا يُلغي الذات.
وكما تحتاج الرقصة إلى إيقاع موسيقي يجمعهما، تحتاج العلاقة إلى إيقاع مشترك من الثقة، والقدرة على صناعة إيقاع واحد من اختلافين، وتحويل التوتر بينهما إلى توازن، والمسافة إلى قرب، والصمت إلى لغة.والا تصبح الحركة مجرد أداء، لا رقصًا.
وحين تنتهي الموسيقى، ينحني الراقصان أحدهما للآخر، لا احتفاءً بالخطوات التي أُتقنت فحسب، بل شكرًا على الثقة التي جعلت الجسدين يتحركان كواحد لدقائق معدودة. وكذلك في العلاقات، الامتنان لا يُقاس بما تحقق من كمال، بل بما مُنح من ثقة، وما بُذل من إصغاء، وما تَحَمّله كل طرف من هشاشة الآخر ليجعل منها معًا، رقصةً لا تشبه إلا نفسها.

حين يقود القلب لا القدم، تانغو العلاقات

وفي التانغو أيضًا، لا يُطلب من الراقص أن يعرف الخطوة التالية بيقين، بل أن يكون جاهزًا لها. القائد يقترح، والتابع يفسّر الاقتراح بجسده، وبينهما مساحة من عدم اليقين تصنع التوتر الجميل الذي يجعل الرقصة حيّة لا آلية. العلاقات الناضجة تشبه ذلك: لا يُشترط أن يعرف الطرفان كل تفاصيل الغد، بل أن يثقا بأنهما سيجدان الخطوة المناسبة معًا حين تأتي، وأن يقبلا هذا القدر من المجهول كجزء من جمال السير معًا لا كتهديد له.
وثمة في التانغو خطأ شائع يقع فيه المبتدئون: أن يحاول أحدهما تصحيح خطأ الآخر في منتصف الرقصة، فيتوقف الجسدان عن الحركة ويتحول الحوار الجسدي إلى جدل. أما الراقص الماهر فيعرف أن الخطأ يُستوعب لا يُصحَّح فورًا، يُدمَج في الحركة التالية حتى يبدو وكأنه كان مقصودًا. وهذا، ربما، أصعب دروس العلاقات: أن نتعلم استيعاب زلات من نحب أثناء السير معهم، لا التوقف لمحاكمتها، فالحياة – كالرقصة – لا تُعاد خطواتها إلى الوراء، بل تُكمَل إلى الأمام بحكمة من يعرف أن الانسجام لا يعني الكمال، بل القدرة على تحويل العثرة إلى جزء من الإيقاع.
وحين تنتهي الموسيقى، ينحني الراقصان أحدهما للآخر، لا احتفاءً بالخطوات التي أُتقنت فحسب، بل شكرًا على الثقة التي جعلت الجسدين يتحركان كواحد لدقائق معدودة. وكذلك في العلاقات، الامتنان لا يُقاس بما تحقق من كمال، بل بما مُنح من ثقة، وما بُذل من إصغاء، وما تحمّله كل طرف من هشاشة الآخر ليجعل منها معًا، رقصةً لا تشبه إلا نفسها.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠٧:٥٧ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

حين تضيق الأرض بالخطوات
ثقافة عربية

حين تضيق الأرض بالخطوات

حين تضيقُ الأرضُ بالخطوات قصيدة للشاعر حسن غريب أحمد أمشي، وفي صدري مواسمُ حيرةٍ وعلى كتفيَّ حقائبُ من أسى أمشي كأنَّ العمرَ نهرٌ ضلَّهُ مجرى، وكأنَّ الحلمَ أضناهُ الظما ما عادَ في وجهِ المرايا فرحةٌ إلا بقايا وجهِ أمٍّ تنتظرْ والليلُ يخلعُ عن نوافذِنا المنى ويُعيدُ ترتيبَ الخساراتِ الكُبَرْ يا هذه…

· 2 د
قصائد
ثقافة عربية

قصائد

مساءٌ خارجَ الجهات لم يكنِ المساءُ حزينًا لكنَّ النوافذَ كانتْ تُغلقُ أعينَها كلّما مرَّ طيفٌ من الذاكرة.... في أقصى الروحِ كانَ بدويٌّ يجرُّ خيبتَهُ على رمالٍ لا تحفظُ الأثر ويُخبّئُ في جرابِهِ بقيّةَ نداءٍ لم تُصغِ إليه القبائل...... قالَ للريحِ: أيُّ الجهاتِ أقلُّ خيانةً؟ فأجابتْهُ بعواءٍ بعيد…

· 2 د
تراتيل الزمن الضائع
ثقافة عربية

تراتيل الزمن الضائع

قال لها ذات شتاء نلتقي قرب صخر الدهشة، نفتت عشب الضمائر الملحدة نتوحد في سر الماضي المنزوي في تراتيل الزمن المتسارع الضائع في ذؤابة الأيام قال لها كلام و اقترب من نهاية التخفي في صيرورة الزوايا ذهب يئن في مراجل الرزايا يصد ذئب الجوع عن صبايا احترفن عشق سحابة الزيتون يرتلن مع حصى الخنوع بتلة الذهاب…

· 5 د