انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

حارس الخلود

صباح بشير
صباح بشير

قاصة وكاتبة فلسطينية

2 دقائق للقراءة
22 مشاهدة
حارس الخلود
مشاركة:

أمضى "غسّان" أربعين عامًا من عمره موثّقًا في دار الأرشيف؛ يكتب بدقّة متناهية تواريخ ميلاد وإنجازات، ووفيات الشّخصيات العامّة والمنسيين، مؤمنًا أنّ تخليد حياة الآخرين هو أسمى غاية، كأنّه يحرس بوّابات الخلود للنّاس.

في إحدى الأمسيات، وبينما كان ينهي كتابة نعوةٍ لكاتبٍ مغمور، داهمته فجأة أزمة قلبيّة حادّة، فسقط قلمه من يده، وبدأ يعاني ليلتقط أنفاسه الأخيرة وسط صمتٍ مطبق.

نظر حوله إلى جدران غرفته المليئة بالمجلّدات الّتي وثّق فيها حياة الغرباء؛ تصفّح بعينيه الذّابلتين تلك الأسماء المرصوفة على الرّفوف، فما وجد بينها حسًّا يخصّه، ولا اسمًا يشبهه، ولا حتّى شخصًا قريبًا يعلم أنّه يختفي الآن في هذا السّكون.

قبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة، برقت في عينيه شعلةٌ غريبة، كفاحٌ أخير ضدّ النسيان. امتدّت يده الباردة بثقلٍ نحو الجيب الدّاخليّ لمعطفه، واستلّت قائمة الغرباء الّتي قضى عمره يدوّن أسماءهم، وبما تبقّى في أصابعه من رمق، قلب الورقة إلى وجهها الأبيض النّاصع، ثمّ تناول القلم المرتجف، وخطّ على حاشيتها بخطٍّ متعرّج ومتقطّع:

وأمّا غسّان، فقد عاش حافظا لأثرهم، وها هو قد صار أثرًا.

سقط القلم من يده المرتجفة، وتدحرج على الأرضية، مستقرًّا بجوار كومةٍ من الصّحف القديمة، ثمّ انطفأ المصباح الخافت فوق مكتبه ببطء، ورحل دون أن يشعر به أحد.

لم يأتِ أحدٌ ليتفقّده؛ فالعالم الخارجيّ يمضي في صخبه، غير آبهٍ بأنّ الذّاكرة الّتي حفظت تواريخهم جميعا قد توقّفت عن النّبض.

ارتخى جسده، وهدأت أنفاسه، وغرقت الغرفة في سكون أبديّ.

مشاركة:

آخر تحديث: ١٩ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ٠١:١٦ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

سأترك السفينة
ثقافة عربية

سأترك السفينة

ليس تقدما في العمر ولا خوفا من المغامرة بل إن تكرار الحروب مجددا يعيدنا الى إلى نفس الصفر لأننا لا نجد مغارة ولا كنز لا نجد امرأة جميلة ولا خاتم سليمان لا نجد الوحش ولا الجرذان نجد فقط كلابا ميتة والماء عطشان ليس برودا عاطفيا أو نقصان في الحماسة ولا خوفا من الأسر بل إن العالم أفرغ وأصبح خاليا ففي…

· 1 د
قيد الدراسة
ثقافة عربية

قيد الدراسة

كان مصطفى يعرف المطر من رائحته قبل أن تمسّ السماءُ الأرض. في العاشرة من عمره، في حيٍّ أسفل الطريق نسيته الخرائط عند طرفها، تعلّم أن للتراب في أول الخريف نَفَساً حاداً كطعم قطعة نقدٍ على اللسان. يشمّه أبوه سالم يترك الشاي الأحمر يبرد في الكأس ويحدّق في آخر الزقاق، حيث ينفتح في الرصيف مصرفٌ مسدود بما…

· 5 د
صوت الصمت
ثقافة عربية

صوت الصمت

صوت الصمت قصة قصيرة يستلقي فوق سريره كجثةٍ نسيتها الحرب، يحدق في سقف الغرفة الذي بات مرآةً لخواء روحه. لم يكن السرير مجرد خشبٍ ومرتبة، بل كان زاويةً منسية في قبو العالم، وكانت عيناه مسمرتين في تشققات الطلاء التي بدت له كشروخٍ في كيانه توقف عن ترميمها منذ زمن. في الخارج، لم يكن المطر يطرق النافذة،…

· 4 د