باعتباري مدرساً لمادة الفنون، ومولعًا بالألوان الزيتية ورائحة التربنتين، بل وحتى برائحة النفتالين التي كانت تفوح من بعض اللوحات القديمة، كنت أتطوع، من تلقاء نفسي، للإشراف على المعارض الفنية المدرسية.
كنت أؤمن أن الطالب الذي يرسم شجرة، أو ينحت وجهاً من الجبس، أو يحرق منظرًا على قطعة خشب، لا يحتاج إلى تصفيق بقدر ما يحتاج إلى أن يشعر بأن أحدًا رأى ما صنعته يداه.
كان المعرض هذه المرة كبيراً.
لوحات زيتية ومائية، رسوم كاريكاتورية، أعمال جبسية، منحوتات، تحف يدوية، وأشياء كثيرة لا أعرف إن كانت فنًا أم محاولة جادة لاكتشاف معنى الفن.
وفي منتصف الصالة وضعنا طاولة كرة مضرب، من دون شبكة، وحوّلناها إلى منصة عرض للأعمال الجبسية والمنحوتات والأعمال اليدوية.
كنت أجلس مع زميل لي، مسؤول القاعة، خلف طاولة صغيرة قرب الباب. نستقبل الزوار، نجيب عن أسئلتهم، ونشرح لمن يسأل عن لوحة لماذا رسم الفنان السماء زرقاء، مع أن السماء في الخارج كانت غائمة.
في الصباح كانت القاعة تضج بالطلاب والطالبات، وحتى بعض تلاميذ المدارس الابتدائية.
أما المساء فكان أكثر هدوءاً.
وفي ذلك المساء تحديداً دخلت فتاتان.
كانت الأولى عادية في ملامحها، تكاد تدخل القاعة وتخرج منها من دون أن تترك وراءها أكثر من سلام.
أما الثانية...
فكانت شيئاً آخر.
رفعت رأسي إليها، وقلت في سري:
جوكندا!
لم تكن تشبه «جوكندا» في ملامحها، بالطبع، لكنها كانت تحمل ذلك النوع من الحضور الذي يجعل الناس يلتفتون إليه قبل أن يعرفوا لماذا.
قوام رشيق، شعر مصفف بعناية مبالغ فيها، وجه مستدير مشرق، وبنطال أبيض جعلها تبدو وكأنها خرجت لتوها من إعلان للأزياء.
حتى عطرها دخل القاعة قبلها.
اقتربت منا، ألقت تحية خفيفة، ثم تابعت سيرها.
أما صديقي، فقد بقي يحدق في المكان الذي مرت منه، وفمه نصف مفتوح.
لكزته في ذراعه:
— عيب يا رجل!
تمتم:
— ماذا فعلت؟
— لا شيء... فقط أغلق فمك.
ضحك وقال:
— أنا أتأمل الفن.
قلت:
— الفن أمامك منذ ساعتين ولم تنظر إليه هكذا.
مد يده إلى جهاز التسجيل القديم، ووضع شريطاً غنائياً رومانسياً كان يحتفظ به لمثل هذه «الظروف».
قلت له:
— لا تفسد المعرض.
قال:
— دع الموسيقى تتحدث.
وتركني مع الموسيقى واللوحات.
بعد قليل رأيت «جوكندا» واقفة أمام إحدى اللوحات.
كانت لوحة صغيرة منفذة بالحرق على جذع شجرة.
بحر.
سفينة شراعية.
سماء.
شمس.
عمل بسيط، لكنه جميل.
وقفت أمامه طويلاً.
أما صديقتها فكانت تتحرك من لوحة إلى أخرى بلا اهتمام واضح، وكأنها جاءت إلى المعرض لتنتظر فقط.
قلت في نفسي:
ربما أعجبتها اللوحة.
ولم أعطِ الأمر أهمية.
في تلك اللحظة جاءتني إحدى الطالبات، وبرفقتها أختها الكبرى.
قالت:
— أستاذ، هل يمكن أن تشرح لنا هذه اللوحة؟
ذهبت معهما.
أشارت الأخت إلى لوحة مليئة بالوجوه.
— ما رأيك بالألوان؟
قلت:
— الفنان استخدم الأزرق بدرجات مختلفة، ونجح في خلق توازن بين الضوء والظل. والأجمل أنه لم يجعل اللون مجرد زينة، بل استخدمه لخدمة التعبير.
انتقلنا إلى لوحة أخرى.
— وهذه؟
— هنا البساطة هي نقطة القوة. أحيانًا عندما يملك الفنان الكثير من الألوان ينسى اللوحة، وعندما يملك القليل منها يبدأ في البحث عنها.
ابتسمت الفتاة.
— وهذه؟
كانت لوحة لمدينة غارقة في الظلال.
قلت:
— هذه تحتاج إلى وقت. بعض اللوحات لا تُفهم من النظرة الأولى، بل من المرة التي تبدأ فيها بملاحظتك أنت.
شكرتني، وانصرفتا.
عدت إلى طاولتي.
وجدت شاباً يكتب ملاحظة في سجل الزوار.
أنهى كتابته، صافحنا، وغادر.
رفعت رأسي نحو القاعة.
ثم توقفت.
شيء ما كان ناقصاً.
نظرت إلى الجدار.
ثم نظرت مرة أخرى.
مكان اللوحة الخشبية كان فارغاً.
حدقت فيه لثوانٍ.
قلت لصديقي:
— أين لوحة الجذع؟
رفع رأسه.
— أي جذع؟
— البحر... السفينة... الشمس.
نظر إلى الجدار.
سكت.
قلت:
— كانت هنا.
قال:
— ربما نقلها أحدهم.
— من دون أن يخبرنا؟
نهضت.
بحثت بعيني بين الحاضرين.
لا أحد يحمل لوحة.
لا أحد يبدو مرتبكاً.
لكن «جوكندا» لم تكن أمام اللوحة.
ولا صديقتها.
اختفتا.
شعرت بشيء بارد يسري في رأسي.
قلت لنفسي:
هل يعقل؟
ثم تذكرت أنها كانت واقفة أمام اللوحة طويلاً.
لا... لا يجوز أن أتهم أحداً بلا دليل.
عدت إلى مقعدي.
لكن عيني لم تعودا إلى الهدوء.
صرت أراقب الداخل والخارج.
كل فتاة تحمل حقيبة صارت موضع شك.
كل رجل يحمل كيساً صار مشروع سارق.
قلت لنفسي:
هل أفتش الناس؟
ثم أجبت نفسي:
وماذا بعد؟ أنتهي في المخفر بسبب لوحة قيمتها أقل من تكلفة سيارة الأجرة؟
تنفست بعمق.
ابتلع غضبك... كما تبتلع لعابك.
بعد نحو نصف ساعة ظهرت الفتاتان عند باب القاعة.
كانت «جوكندا» تحمل حقيبتها الصغيرة ذات الخطوط الذهبية.
شعرت أنني أعرف ما بداخلها.
انتظرت حتى اقتربتا.
قلت:
— آنسة، لحظة لو سمحتِ.
توقفت.
— نعم؟
أشرت إلى سجل الزوار.
— هل لك ملاحظة على المعرض؟ يسعدنا أن تكتبي شيئاً في السجل.
ابتسمت.
— بكل سرور.
ثم قلت:
— خصوصاً أنك توقفتِ طويلاً أمام أجمل لوحة حرق في المعرض.
تغير وجهها.
— أية لوحة؟
قلت:
— لوحة الجذع... البحر... السفينة... السماء... الشمس.
سكتت.
ثم نظرت إلى صديقتها.
ثم إليّ.
وفجأة احمر وجهها.
قلت:
— هل رأيتِها؟
ابتسمت ابتسامة صغيرة، وقالت:
— بصراحة... نعم.
انتظرت اعترافاً.
لكنها قالت:
— كانت جميلة جداً، وأعجبتني.
ثم فتحت حقيبتها قليلاً.
ظهر طرف من الخشب.
نظرت إليها.
ونظرت إلى الحقيبة.
ثم إلى صديقي.
قالت، بكل بساطة:
— أحضرتها معي لأستأذنكم في أخذها.
كدت لا أصدق أذني.
— أخذها؟
هزت رأسها.
— اعتبرها هدية، أستاذ.
قلت:
— هدية لمن؟
قالت:
— لي.
قلت:
— لكنها ليست لي حتى أهديك إياها.
ابتسمت.
— إذن اعتبرها إعارة طويلة.
قلت:
— هذا اسمه سرقة.
هنا تدخل صديقي، الذي كان طوال الوقت يحاول إخفاء إعجابه بها، وقال:
— لا يا أستاذ... لا تكن قاسياً.
التفتُّ إليه.
قال:
— يمكن اعتبارها... إعجاباً شديداً بالفن.
قلت:
— إعجابٌ يضع اللوحة في الحقيبة؟
قال:
— ربما كانت اللوحة تبحث عن بيت جديد.
نظرت إليه غير مصدق.
أما الفتاة فابتسمت.
قال لها صديقي:
— خذيها.
قلت:
— ماذا؟
— خذيها.
ثم أضاف، وهو يغمز لها:
— اعتبريها هدية... ولكن مني أنا.
نظرت إليه الفتاة، ثم إليّ.
أما أنا فبقيت صامتاً لحظة.
ثم قلت:
— أعيديها إلى مكانها.
قال صديقي:
— إنه معقد.
قلت:
— وأنا مسؤول عن المعرض.
قال:
— وهو لا يفهم الجمال.
ضحكت الفتاة.
ثم أعادت اللوحة إلى مكانها.
تقدمت نحو الباب، واستدارت قبل أن تخرج.
قالت:
— شكراً أستاذ.
قلت:
— العفو.
خرجت مع صديقتها.
نظرت إلى صديقي.
قلت:
— كنتَ مستعدًا أن تهبها نصف المعرض.
أجاب وهو ينظر إلى الباب:
— نصف المعرض؟
ثم ابتسم وقال:
— لا تبالغ.
نظرت إلى الجدار، إلى اللوحة التي عادت إلى مكانها.
ثم قلت:
— الحمد لله أنها لم تعجبها لوحة أخرى.
قال:
— ولماذا؟
قلت:
— لأنك كنت ستعطينا المعرض كله.
سكت قليلاً.
ثم قال:
— لا تقلق... كنت سأحتفظ بك أنت.
قلت:
— ولماذا؟
أجاب:
— لأنك الوحيد الذي يعرف أين نضع اللوحات.
ومنذ ذلك اليوم، كلما أقيم معرض، كنت أكتب على الباب:
«الرجاء عدم لمس الأعمال الفنية... حتى لو أحببتموها.»
وتحتها، بخط أصغر:
«وخصوصًا الجميلات.»
جوكندا تسرق المعرض

آخر تحديث: ١٣ تشرين الأول ٢٠٢٦ في ١٢:٠٠ م






التعليقات