انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

الصعود لأسفل أحيانا

محمد فيض خالد
محمد فيض خالد

قاص وروائي مصري

2 دقائق للقراءة
20 مشاهدة
الصعود لأسفل أحيانا
مشاركة:

إنه أسبوعه الأول بالعمل، يضجَّ المكان بزبائنه، تخطّفه بهرج المكان، مع كل ساعة يتزايد الزحام، أمواج السيارات الفارهة تتراص أمام المكتبة، تؤرّقه حركات الصغار العشوائية، الأيدي الممتدة تشاكس، تلقي البضائع أرضا، نظرات المشرف  الصارمة توبخه في صمت، الرطوبة الخانقة تطبق على أنفاسه، خيوط العرق تنساب، تلدغ جلده الرقيق، قميصه المبتل بالماء، يضيق لكل هذا صدره حرجا، استعاذ بالله من الشيطان ،  ولكن بلا فائدة، فأعصابه تنفلت مع ذلك الارتجاج السخيف للأرداف الثقيلة، تستفز فحولته، تفجِّر في رأسه فوران الشباب، عاد المشرف يوبخه مجددا بكلامه السخيف، تضيع الكلمات من طرف لسانه فلا يجيبه، قبل أن يستدعيه بالأخير، بجوار الكاشير يستطيع مراقبته، أخذ نفسا عميقا، عبّأ صدره ببرودة الداخل، تحلل قليلا من خجله، جاوب هواجسه، تمشت نظراته المسعورة فوق أجساد النساء، في الأخير بادلهن الابتسام دون تحفظ، اعجبته بوادر النعمة الطافحة من الوجوه، أسر في خاطره، قال هامسا بصوت يقطر مرارة:" ما أتعس نساء قريتنا، عجفاوات، صبت الدنيا شقائها من فوق رؤوسهن صبا" على الفور تذكر والدته على هيئتها يوم رحيله، لم يمهله المشرف طويلا، تسلل كـأنه شبح يسري، عاد لصوابه، لكن عينيه لا تزال في تيه،    شعر بالخيبة تملأ نفسه، مع دقات العاشرة يغلق السوق أبوابه، ينفرط عقد الزبائن، يتوجب عليه أن يظل في يقظة حتى السابعة صباحا، انطفأت الأنوار، سال لعاب الظلمة إلا من خيط باهت تسلل من شرفة المسجد القريب.

زفر ليل الصيف أنفاسه ، جلس على كرسيه، حاول الفكاك من وطأة الرطوبة، تحرر من حذائه الثقيل، بمجرد أن اسند رأسه للحائط جرفه تيار الحنين، تراءت له والدته والحزن قد تجسد في قسمات وجهها النحيل، أخوته وقد تشبثوا بجلبابها في هزال، انتبه جافلا لصوت المؤذن ينادي لصلاة الفجر، بعد هنيهة توافد أصحاب السترات الزرق، ألقوا حمولتهم، حزم الصحف والمجلات، دقائق وبزغ نهار يوم جديد، جنينا هزيلا يتخبط في الأفق المترب، جاء عمال النظافة، انتفضت ماكينة الصراف الآلي، غردت يمامة بلحن حزين، يتأفف من طريق العودة، أنياب الشمس الناشبة بقسوة، الوقح الذي تسلط على حصته من الطعام، بعد مجاهدة وضع رأس فوق الوسادة، لطّخت شفتيه ابتسامة خرساء، دقائق وداهمته جيوش النوم فاستسلم هانئا.

رنّ الهاتف انتبه مفزوعا، اسرعت صغيرته قربته إليه في تودد، داعب وجنتيها المكتنزتين في تحبب، عاد الوجه الملائكي من حيث أتى..

مشاركة:

آخر تحديث: ١٨ أيلول ٢٠٢٦ في ٠٩:١٣ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.

مقالات ذات صلة

عِنَاقُ الخَوْف
ثقافة عربية

عِنَاقُ الخَوْف

عِنَاقُ الخَوْف إبراهيم مجاهد صلاح - اليمن أنا الطّفلُ والأيّامُ شيّبْنَ مَفرِقي وطيفٌ من الرّعبِ المُقيمِ مُلازمي يُرافقني كالظِّلِّ يَمشي بصمتِهِ وإن ألتفتْ عينيّ تَوارى كَمُعْدَمِ تُجسِّدُهُ الأوهامُ لُعبةَ خائفٍ ومنزلهُ بينَ الضّبابِ المُخيِّمِ فمِن أينَ أمضي للسّكينةِ آمناً وكلُّ مدىً يُفضي…

· 1 د
العابر الأخير.
ثقافة عربية

العابر الأخير

لم يكن رشيد يخشى الموت؛ كان يخشى أن يموت دون أن يعرف أيّ الرجلين كان طوال حياته: ذلك الذي رآه الناس في المرايا، أم ذلك الذي ظل يختبئ خلف عينيه. في جناحه الفخم، حيث تتدلى الستائر الثقيلة كأنها أُسدلت على مسرح انتهى عرضه، كان يحتضر وحيدا. على الطاولة ساعة ذهبية، وخاتم مرصع، ومفتاح خزنة، وصورة لرجل…

· 4 د
عِقدُ الرمان
ثقافة عربية

عِقدُ الرمان

(أهازيج عن أنثى عشقتها ) * (١) 'عِقدُ الرمان' العارية استباحت دمي وانفرطَ عِقدُ الرمان. (٢) 'أغنية' أغنية للأحايين الكثيرة التي أصيرُ فيها غامضًا وترتديني حواء! (٣) 'فتاة ليل' الوحوش الضواري في الأفق وعند مفترق طرقٍ تبدو للعينِ استدارةُ نهدٍ وتبسمُ شفاه (٤) 'الوقوف في حضرتها' أقف إزاء ثوبها والوقوف…

· 1 د