أن تحب كاتبة يعني أن تتلقى هدية لا يملكها أحد: ألق من الكلمات تشيعك فوق صفحاتها، وصف يفوق توقعك، صورة تتجسد لك أفضل مما صدرت به نفسك. وأن تدير لها ظهرك؟ فلتدع الرحمة لك ولطف من القدر.
تحذير بارد: لقد وقعت في غرام كاتبة، وهذا ليس مجرد خطأ إنه مأزق يفتح لك أبوابا لا عودة منها. أنت لم تقع وحدك؛ جررت معها قلبها إلى حافة الهوى، وسلمتها دفاترها وليلها وكلماتها. صرت وميضا يظهر في هامش صفحاتها، توقيعا متكررا بين حروفها. وها أنت تفكر بأن تبتعد؟ أي غباء هذا! لقد اقترفت ذنبا لا يغتفر بسهولة.
لعنتها ستلاحقك كما تلاحق الريح ورق الشجر الفتات.
ستذكرك في نصوصها كاسم يتكرر في أغنيات صامتة، ربما تسرد عنك كأنه نموذج للرجل الخائن أو الظالم أو الجبان. قد تصوغ منك شخصية شريرة تستعاد كلما أرادت أن تعلم زمنا درسا، أو لتداري ألما خلف حروفها. قد تحولك إلى ذلك الرجل الذي قُطِّعَت عنه القصص، ليس لتنال جسدك، بل لتمحو منك كل رحمة وتترك منك ذكرى مشوهة.
كلماتها ستكون بندقية بلا رصاصة: لا تقطع لحمك، لكنها تقطع هدوءك. ستلعنك كلماتها في منتصف ليلك، ستدخل إلى أحلامك كمشهد لا ينتهي، ستوقظك من سباتك على وقع فعل سردي يخصك وحدك. وفي صباح ما ستفتح هاتفك فتجد أن سطرًا واحدًا في نص جديد يسمّيك دون تسمية، ويجعل منك رمزية للخطأ، أضحوكة في ذاكرة عامة.
هي لا تحتاج إلى سكين لتشقك؛ سلاحها أعمق من السكين: خيال رحب، كلمات حادة، مشاعر تحولت من حب جار إلى رغبة في الانتقام. ستستعمل كل ما في جعبتها: الصور، والاستعارات، والذكريات المؤطرة، وستغزل منك قصة لا تنتهي. ستتسلل إليك عبر الحكاية كما يتسلل السم إلى كأس مزخرف؛ لا تشعر بطعمه إلا حين يملأ فؤادك بالسأم.
سترسل لك رسائل مخفية داخل نصوصها، إشارات لا يقرأها إلا من يعرف كيف يقرأ بين السطور: اسم مكتوب على هامش العبارة، تورية، إيقاع يعزف على وتر محدد في روحك. لن يفهم غيركما. وربما أنت، بعقلك المحدود أحيانا، لن تلتقط الإشارة، وتمر بك الجملة مرور الكرام، وتظن أنك نجاك الحظ، بينما هي قد وضعت الخنجر وابتسمت.
يا له من قدر؛ يا له من مصيدة رسمتها لك محبة تحولت إلى بؤس شاعري أنت داخل براثن كاتبة ثائرة على جراحها، على خياناتها، على هزائمها. هي لن تستخدم الحدة لتشظيك جسدك؛ هي ستستخدم الحدة لتشظيك كبريائك، لتشويه صورتك في الذاكرة، لتبقيك أسطورة سوداء تتردد في نصوصها كتحذير للأحبة اللاحقين.
ربما تداويك رصاصة أو يخفف الموت ألم الذاكرة فيومئذ ترتاح، لكن كلماتها لا تشفى بهذا الشكل. كلماتها تبقى كالنبش، تعاود الحفر في ذاتك كلما ظننت أنك بنت سلامك. قد تكتب رثاء ثم تبتسم لأن كتابة رثائها كانت ثأرا أيضا، وقد تكرر اسمك كأنها تزرع صورة لا تنبت سوى في لياليك الوحيدات.
أما انا، فأشهد أنني في انتظار صدور كتابي الأول كمن يترقب انفجارا أعدك: سأجعل منك شخصية أبغض الناس، حتى يتردد اسمك في ضيق القلوب كقصة لا تروى إلا ليلا. لا شفقة في قلمي حين يقرر أن يعطيك جزاءك الأدبي. لا حنين يردعني إن قررت أن أبتزك بنص، لا رحمة سياجها حبر شديد السواد.
سأفعل ذلك ببرود شديد، بصفاء عاطفي يجعل من قصتي سردا محكما. سأنفخ في الكلمات بردا يكفي ليفقدك دفء الذكريات. سأرتدي الأسود احتفالا بجنازتك الرمزية، وأهتف باسمك في صفحات تشيع ختم الندم على وجهك. لكن اعلم: ليس قتلا جسديا، إنما قتل للنقاء والثقة والطمأنينة، ولأنه ثأر مؤدلج، فمن يعتاد أن يكسو الحقد برداء الفن سيشعر بأنه فعل عدلا.
ومع ذلك، ليست كل كتابتي انتقاما؛ قد يكون في نصوصي استرداد للكرامة، تسوية لقلبي، تحويل للألم إلى شكل جمالي. قد ترى في هجائي لك جماليات لا تفهمها إلا من ذاق مرارة الخذلان. قد أكتب فوضى عنك ثم أرتبها كقصيدة منمقة، أو أخيط جراحك ببضع كلمات لتصبح درسا يتلى على ألسنة من يودعون حيوات باردة..







التعليقات