طالب كريم
عن سلسلة " شعر " التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة / وزارة الثقافة صدرت حديثاً للشاعر ئاوات حسن أمين مجموعته الشعرية الجديدة الموسومة " لا يأتي أحد .. بعد مجيء النهاية "
ولا يأتي أحد بعد مجيء النهاية، ليس مجموعة شعرية عابرة بل هي سيرة كاملة لرجل قلق كتب كتابه بالدم لا بحبر صيني، وهذا ما يعلنه الشاعر نفسه في مفتتح المجموعة وهو نص نثري طويل يعد أهم وثيقة لفهمه حيث يقول إن كل البدايات متشابهة والفرق الوحيد قد يتمثل في أن بعض الشعراء يتلقى الدعم منذ البداية وتتشرع أمامه أبواب النشر ويتبنى ويتلقى الحماية بينما البعض الآخر يقمعون ويعانون منذ البداية بذريعة عدم النضوج والبساطة، وبالنسبة له فإن الكتابة كانت مستمدة من الألم ، في البداية لم أكن أفكر في النشر بل كانت الكتابة عندي لحياتي الخاصة ، أنا لم أفكر في النشر، نمت في وحدة قاتلة نتيجة الوحدة والرعب فقط من جد وجدة بلا أم وأب، لذلك خلقت الكتابة عندي نوعاً من أنواع الانكسار والشعور بالحياة لذلك ما كان له تأثير على كل حياتي وتجربتي في الكتابة، بهذا الاعتراف المؤلم نفهم لماذا جاءت كل قصائد الديوان مشحونة بهذا الانكسار، ولماذا اختار عنواناً وجودياً قاسياً هو لا يأتي أحد بعد مجيء النهاية، لأن النهاية عنده ليست حدثاً بل هي حالة الوحدة التي عاشها منذ الطفولة، وهو ما يفسره تماماً في إنسان عصري أنا حيث يلخص هويته كلها في أسطر قليلة حين يقول لا هنا مستقر أنا ولا هناك مستقر وأخيراً عرفت نفسي رجل قلق أنا في الترحال كتبت وفي البيت، فالترحال ليس سفراً بل هو عدم الاستقرار الوجودي، لا هنا ولا هناك، والكتابة هي الشيء الوحيد المستقر في ترحاله، وهذا القلق له جذر طفولي عميق يكشفه في قصيدة أعيدوا إلي طفولتي ضجرت الكبر وهي من أكثر نصوصه وجعاً حيث يقول خرت حبة حمص في حنجرة طفولتي فسعلت وسعلت حتى قاموا يضرب ظهري بيد الأيام وعبأوا حلقي عباءة مسمومة وسيتقي قامتة عمري باسم الطفولة في مشاجرات الحب قامة عمري خارجا وارتقت حبة الحمص عباءة مسمومة ، فحبة الحمص الصغيرة تسد حنجرة طفل فيسعل وتضربه الأيام على ظهره وتعبئ حلقه بمياه مسمومة، أي استعارة للطفولة المخنوقة تلك، ولذلك يصرخ أعيدوا إلي طفولتي لأنه ضجر الكبر كله، ويستمر هذا المعنى صغيرين وما أدراك ما صغيرين حيث يقول صغيرين بكاء على بوابة الفرن الحادي والعشرين عفرين ذوبان الشمس في كأس من الغدر عفرين.. طفولة مذبوحة أمام باب الخلافة..! عفرين صلاة الموتى على الحاضرين،فالصغر هنا ليس عمراً بل هو حالة وجودية، بكاء على بوابة فرن وذوبان شمس في كأس غدر ، ومن هذه الطفولة المذبوحة ينطلق ليسأل سؤالاً كبيراً تحت عنوان أما زالت هناك فرصة للحياة حيث يقول لا أن يمر على أسلاك كهرباء عمر دقائقنا عصفوران على الشجرة القابعة داخل الحديقة يزق زقاً ذاك الفرخ إلى أن في الصباح يترجى الأطفال وبملء حقائبهم إلى المدرسة إلى أن سيارة بيع قناني الغاز تنزف موسيقاها ، ففرصة الحياة عنده ليست معجزة كبرى بل هي عصفور يستقر على أسلاك كهرباء عمرنا، وطفل يذهب إلى المدرسة، وموسيقى تنزف، وهي فرصة صغيرة لكنها تكفي لتمنح السكينة، وهي نفس السكينة التي يبحث عنها في قصيدة سكينة روحي حيث يقول بابكم قبلة لعيون طفولتي والأماسي تمنح السكينة لروحي الممتلئة بالجروح البرد أهلكني افتحي لي بابك حتى آتي إلى أحضانك لكي يستريح شعري لبرهة أنت لا تعرفين كم أنا محتاج لحضن، هنا يتحول الشاعر من المحتج إلى الطفل المحتاج، من صاحب البيان إلى صاحب الحضن، وهذا التناقض هو سر إنسانيته، وهو نفس الشاعر الذي يقف ليعلن بيانه الجمالي الخطير في قصيدة غير متفق عليها حيث يضع لها القرار الاعتراف والتاريخ ذبول الأنجم والصادر منذ فترة والوارد الآن وفي آخر اجتياح لمملكتي وبمصور ملك في قاعة فارغة صمت على بالضجيج قررت الآتي بعد الآن لا أكتب بلسان الوردة حتى لا أزعج الشركة حتى لا أزعج البحر ، حتى لا أملي القصيدة على صدر البحر حتى لا يفرغ المسجد، إنه يتمرد على اللغة المستهلكة ويرفض أن يكون الشعر تابعاً للشركة، وهو نفس التمرد الذي يميز فيه بين نوعين من الشعراء حين يقول انت كتبت قصائدك بحبر صيني ونحن كتبناها بدمائنا، ولذلك فإن مكتبته هي وطنه البديل كما يقول مكتبتي بيتي الكبير وحديقتي الزهرة لوح ذكرياتي وأيامي الجميلة العابرة مكتبتي ألوان إبداعات أصدقائي فعندما أشتاق لمحمود درويش افتح صفحات، فمحمود درويش ليس شاعراً يقرأ بل صديق يزار حين يشتاقه القلب، وحين يشتد عليه البرد الوجودي بعد مجيء النهاية يقول في قصيدة البعض يغني لست وحدك معك صباحات الربيع والورود وأطفال يأتون والكرزات لست وحدك فكتابك المفضل ودفترك وقصائدك إلى أصدقائك الشهداء ودفترك وقصائدك التي كتبت فيها قصائده لبنات أحببتهن، فالكتاب والشهداء ، والحب هو سحره العجيب الذي يمنح السكينة ، سهرت طوال الليل أنظر قدومك أنت كذلك جمعت النجوم واحدة واحدة مصطفة على طريقك أنت كذلك الحب له سحر عجيب يعطيني السكينة والطمأنينة لأيامي ، أنت كذلك ، وهذا الحب ليس ترفاً بل هو فلسفة كاملة يعلنها ، لك ما شئت ولي أيضاً حيث يقول ليس كل طيران تحليقا وليس كل غوص سباحة وليس كل مسافة منى ضعفا فانتبهي فرار عمر الجبل منحدر وراءه قص الشجر ألم وراءه كتابة قصيدة تاريخ من الأمس، فالفرار ليس ضعفاً والطيران ليس دائماً تحليقاً، أحياناً يكون الفرار منحدر عمر الجبل، وهي حكمة رجل خبر النهايات، وتكتمل هذه الفلسفة في دروس الفراق ، حين يصور مشهد الرحيل بقوله عندما هم المسافر بالرحيل رفع قبعته ، وخلفه الغبار الذي أحدثته السيارة تحول وجهه إلى مرآة وكان يوارى شيئاً فشياً الى ان اختفى من مكان سفره التقطت فتاة قبعته وعيونها تذرف الدموع دمعة دمعة، فالمسافر لا يترك وراءه إلا غباراً وقبعة تلتقطها فتاة بدموع، وفي الملتقى، يسأل بقلق وجودي لا أعلم ماذا ألبس لهذا اللقاء ألبس القصيدة أم أتحمس للحزن أم فقط أحفظ أسمك ، أم أنزل الشمس من السماء واتي بها إليك كلا أجيء وحصادي ، أراجع أقل من نصف قرن، فاللقاء عنده حيرة ماذا يلبس، وفي اللحظة الفارغة يلخص الحياة كلها بجملة صادمة دائما الحياة الكسل ليس شيئا آخر حتى الرضا قلق ما بال عدم الرضا ، وفي قطرات القصائد يعلن أن الورقة البيضاء مثل أمواج البحر تخجله عن كتابة القصيدة وأنه يحب الصباحات لأنها تجعله ينتظر قدوم الضوء والأماسي تزرع فيه الشك لأن الليل يحتضنك حبيبتي، من شباك الصف يعود إلى طفولته الأولى في المدرسة حين كان يمط على غصن من شجرة التوت الشائكة في حديقة مدرستنا ومرة أخرى أصحح لاعب سيرك أمام أطفال صفي أقوم بحركات بهلوانية أدور حول نفسي عندما أصبحت موضع إعجابهم ويرشقونني بوابل من التصفيق وعندما يدق الجرس وفي زاوية من ساحة المدرسة وبخمسة فلوس أشتري لفة حمص ، وفي حكايات الولد الخشبي أو أناشيد الطفولة في صفحة ، يلخص سيرته ، ترمي على بركة ماء ساكتة تشكل حلقات وحلقات وتجمع الماء الى الضفاف السحري للوردة حكاية تشبه سيرة الولد الخشبي وهي تسبح الأحداث، بهذه النصوص كلها الطويلة منها والقصيرة النثرية منها والمركزة تتضح صورة الديوان كاملاً، إنه وثيقة رجل عاش بلا أم وأب في كنف الجد والجدة، واختنق بحبة حمص في طفولته فضربته الأيام، وكتب في وحدة قاتلة ليشعر بالحياة، وكتب بالدم لا بحبر صيني، وكتب عن الترحال كقدر وعن البيت كقبلة لعيون طفولته وعن الحضن كسكينة لروح ممتلئة بالجروح وعن المكتبة كبيت كبير وعن محمود درويش كصديق يزار وعن المسافر كغبار وقبعة وعن الملتقى كحيرة ماذا يلبس وعن الحياة ككسل وعن الورقة البيضاء كموج يخجل وعن الفرار كمنحدر جبل وعن الحب كسحر عجيب يعطي السكينة بعد أن جاءت النهاية ولم يأت أحد، وهذا هو الشعر الذي يبقى بعد أن يصمت الضجيج.
تقع المجموعة ب - ٢٤٤ - صفحة من القطع المتوسط وكان تصميم الغلاف من قبل ضرغام حامد . . .







التعليقات