عدنان مشهي
في جديد إصدارات منشورات الأطلس، يطل الأديب المغربي عبد الحق السلموتي على القارئ بمجموعته الجديدة "عرس زنقة القاهرة"، وهي مجموعة تضم ثلاثين أقصوصة، يواصل من خلالها الكاتب اشتغاله على هذا الجنس الأدبي القائم على التكثيف والإيحاء، واستثمار التفاصيل اليومية في بناء عوالم سردية تتقاطع فيها التجربة الإنسانية مع التأمل والمفارقة.
منذ العنوان، تفرض المجموعة حضورها من خلال تركيب يحمل قدرا واضحا من المفارقة؛ فـ"العرس" بما يحمله من دلالات الفرح والاحتفال، يجاور "الزنقة" بما تحيل إليه من فضاء ضيق وتفاصيل يومية وهوامش الحياة. ومن هذا التوتر بين المفردتين تتشكل عتبة سردية مفتوحة على قراءات متعددة، وتبرز ثنائيات الفرح والحزن، والحلم والواقع، والهامش والمركز.
وتضم المجموعة ثلاثين أقصوصة، جاءت عناوينها قصيرة ومكثفة وموحية، من بينها: "رفيق اليوم"، "اغتيال"، "الإمبراطور"، "سوسن"، "غرفة"، "سيارة"، "اشتياق وحب"، "عينان"، "الأصدقاء الثلاثة"، "في انتظار طرق الباب"، "درس ناجح"و"ربع قرن"، إلى جانب عناوين أخرى تكشف عن تنوع الموضوعات واتساع دائرة الاشتغال السردي.
وتنهض هذه الأقاصيص على التقاط لحظات ومواقف من الحياة اليومية، ثم إعادة تشكيلها سرديا بما يمنحها أبعادا تتجاوز ظاهرها. فالعلاقات الإنسانية والتجارب الذاتية والذكريات والمواقف العابرة تتحول إلى مداخل للتأمل في الحب والحنين والفقد والزمن والتحول، فيما تحضر بعض القضايا الاجتماعية من خلال إشارات ومواقف تضيء مفارقات الواقع دون مباشرة أو إسهاب.
ويشكل التكثيف والاختزال ملمحين بارزين في هذه التجربة، إذ يحرص الكاتب على الاقتصاد في اللغة، تاركا للنص قدرة على الإيحاء تتجاوز ما تقوله الكلمات مباشرة. كما تحضر المفارقة بوصفها آلية سردية تمنح عددا من الأقاصيص عنصر الإدهاش، وتدفع القارئ إلى إعادة قراءة الحدث واكتشاف ما وراءه.
وتتميز المجموعة كذلك بلغة قريبة من الحس الشعبي ونبض الحياة اليومية، وهو ما يمنح الأقاصيص دفئا وعفوية، ويجعل شخصياتها ومواقفها أكثر قربًا من القارئ. غير أن هذا القرب من الواقع لا ينتقص من قيمتها الفنية، بل يتحول الواقع نفسه إلى مادة لإنتاج الدلالة، حيث تصبح التفاصيل البسيطة حاملة لأسئلة أوسع تتصل بالإنسان والزمن والعلاقات والتحولات.
ويأتي "عرس زنقة القاهرة" امتدادا لمسار إبداعي راكم خلاله الكاتب عبد الحق السلموتي تجربة في مجالي القصة والمسرح، من خلال أعمال من بينها "الدملج العتيق" و"كابوتشينو" و"ثلاث مسرحيات للطفل". كما عرفت مجموعته "الدملج العتيق" ترجمة إلى اللغة الفرنسية، في خطوة تعكس انفتاح تجربته الإبداعية على فضاءات ثقافية وقرائية أوسع.
وعلى المستوى الفني، يكتسي الكتاب غلافا يحمل لوحة للفنان التشكيلي المغربي أيوب المودن، أنجزها خصيصا لهذا الإصدار، فيما تولى عدنان مشهي تصميم الغلاف، في معالجة بصرية تسعى إلى الانسجام مع روح العمل ومنحه هوية جمالية خاصة.
"عرس زنقة القاهرة" مجموعة أقاصيص تنطلق من اليومي والبسيط، لكنها لا تتوقف عند حدود الحكاية، بل تفتح أمام القارئ مساحات للتأمل في الإنسان وعلاقاته وذاكرته وتحولاته، لتؤكد أن التفاصيل الصغيرة قد تكون أحيانا أكثر قدرة على قول الأشياء الكبيرة.







التعليقات