انتقل إلى المحتوى الرئيسي
برقيات
مرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العربمرحباً بكم في مجلة التلغراف الأدبية والثقافيةشعر وسرد وقراءات نقدية وفكر وحوار وترجمةالتلغراف - منبر للكتّاب والمبدعين العرب
التلغراف — مجلة أدبية وثقافية

«حَطَبُ السَّماءِ»…لشوقي كريم حسن ملحمةُ الثورة عندما تستردّ صوتها من غبار التاريخ

التلغراف
التلغراف
4 دقائق للقراءة
11 مشاهدة
«حَطَبُ السَّماءِ»…لشوقي كريم حسن ملحمةُ الثورة عندما تستردّ صوتها من غبار التاريخ
مشاركة:

 عن دار المرايا للطباعة والنشر والإعلان، وبإشراف الدكتور إبراهيم الكبيسي، صدر اليوم، لعام 2026، العمل المسرحي الملحمي «حطب السماء»  للروائي والمسرحي شوقي كريم حسن، في تجربة شعرية تستعيد واحدةً من أكثر اللحظات التاريخية توتراً واحتداماً في الذاكرة العربية والإسلامية؛ ثورة زيد بن علي بن الحسين، بما تنطوي عليه من أسئلة الدم والعدالة، والسلطة والتمرد، والإيمان بالموقف، والثمن الذي يدفعه الإنسان حين يختار ألّا يصالح الظلم.

لسنا أمام استعادةٍ تقليدية لحادثة تاريخية، ولا أمام كتابةٍ مسرحية تستعير من الماضي أسماءه وشخصياته لتعيد ترتيب وقائعه، بل أمام محاولة إبداعية للنفاذ إلى جوهر الحكاية، وإعادة اكتشاف ما ظلّ متوهجاً فيها عبر القرون. فالتاريخ، في هذا العمل، ليس زمناً منقضياً، ولا حكايةً أُغلقت أبوابها، وإنما ذاكرة مفتوحة على الحاضر، ومسرح تتكرر فوق خشبته الأسئلة الكبرى بأقنعة وأسماء وأزمنة مختلفة.

يختار شوقي كريم حسن شخصية زيد بن علي بوصفها مدخلاً إلى عالمٍ تتصارع فيه الإرادات، وتتقاطع فيه المعتقدات مع المصائر، وتتكشف فيه المأساة الإنسانية في أبهى تجلياتها وأشدها قسوة. ومن خلال البناء الشعري الملحمي، تتسع الحكاية لتتجاوز حدود الشخصية التاريخية إلى فضاء إنساني أرحب، حيث يصبح السؤال عن الثورة سؤالاً عن الإنسان نفسه: ماذا يفعل حين تُصادر كرامته؟ وأيّ معنى يبقى للحياة حين يُطلب منه أن يتنازل عن حقه في الاعتراض؟ وهل يستطيع التاريخ أن يمنح المهزومين حقهم في الكلام، بعدما احتكر المنتصرون رواية الأحداث؟

إن العنوان «حطب السماء» يحمل منذ عتبته الأولى طاقةً إيحائية لافتة؛ فهو يجمع بين مفردتين تنتميان إلى عالمين متباعدين: الحطب بما يحمله من دلالة النار والاحتراق والتضحية، والسماء بما تختزنه من رموز العلو والقداسة والمطلق. ومن هذا التوتر الدلالي تتولد مساحة واسعة للتأويل، كأن العمل يضعنا أمام نارٍ لا تكتفي بإحراق الأجساد، بل تكشف ما تختبئ خلفه الأزمنة من أسئلة ومفارقات، وما يعتمل في الروح البشرية من رغبة في الخلاص والإنصاف.وتكمن أهمية هذه التجربة في اختيارها الشكل الملحمي، حيث لا يكون الشعر مجرد زينة لغوية أو استعراض للبلاغة، بل يتحول إلى أداة لبناء العالم المسرحي، وإلى طاقة قادرة على حمل التاريخ من واقعيته المباشرة إلى فضاء فني تتجاور فيه الشخصيات والأصوات والرؤى. فالمسرح الشعري، حين يمتلك رؤيته وأدواته، يستطيع أن يمنح الحدث التاريخي أبعاداً تتجاوز التوثيق، وأن يجعل من الحوار مواجهةً فكرية، ومن الصورة الشعرية موقفاً، ومن المصير الفردي مرآةً لمصير الجماعة.ومن هنا تبدو «حطب السماء» محاولة للعبور بين ضفتين: ضفة التاريخ بما فيها من وقائع وذاكرة ودماء، وضفة الخيال بما يتيحه من حرية في إعادة تشكيل المشهد واستنطاق المسكوت عنه. وفي هذه المسافة تحديداً تتولد قيمة الأدب؛ إذ لا ينافس المؤرخ في تسجيل ما حدث، بل يذهب إلى ما وراء الحدث، إلى دوافعه الإنسانية، وتناقضاته، وأصدائه التي لا تزال تتردد في وجدان الأجيال.ولعل ما يمنح العمل أهميته أيضاً هو راهنية موضوعه؛ فالثورة ليست مجرد فصل من فصول الماضي، والاحتجاج على الظلم ليس شأناً محصوراً في زمن بعينه. إن الأسئلة التي تثيرها سيرة زيد بن علي تظل قابلة للحضور في كل عصر، لأن جوهر الصراع بين السلطة والكرامة، وبين الخضوع والاختيار، وبين الصمت والكلمة، لم يفقد قدرته على استدعاء التأمل والمساءلة. وهكذا يغدو استحضار التاريخ فعلاً ثقافياً يتجاوز الحنين إلى الماضي، ليصبح قراءةً نقدية للحاضر واستشرافاً لما يمكن أن يكون عليه المستقبل.إننا، إذ نرحب بصدور هذه الملحمة الشعرية، نحتفي كذلك بحضور الكتابة المسرحية التي لا تخشى الموضوعات الكبرى، ولا تكتفي بمهادنة الذاكرة، بل تذهب إلى مناطقها الشائكة، وتبحث عن الإنسان في قلب العاصفة. ونحتفي بالشعر حين يغادر حدود القصيدة المفردة ليصنع عالماً كاملاً، تتنفس فيه الشخصيات، وتتواجه الأفكار، وتتحول الكلمة إلى فعل درامي يحمل طاقة السؤال والدهشة والمواجهة.

تحية للشاعر والمسرحي شوقي كريم حسن على هذه المغامرة الإبداعية، وعلى اختياره الاشتغال على مادة تاريخية بالغة الحساسية والثراء، وتحية لدار المرايا للطباعة والنشر والإعلان، وللدكتور إبراهيم الكبيسي على رعاية هذا المنجز وإخراجه إلى فضاء القراءة والتداول الثقافي.

إن صدور كتاب كهذا ليس مناسبة عابرة في سجل الإصدارات، بل فرصة لتجديد الاهتمام بالمسرح الشعري والكتابة الملحمية، واستعادة الثقة بقدرة الأدب على تحويل الذاكرة إلى فن، والتاريخ إلى سؤال، والمأساة إلى معرفة جمالية وإنسانية.«حطب السماء» ليس حكاية ثورة فحسب؛ إنه احتفاء بالإنسان الذي يرفض أن يكون رقماً في سجل الهزائم، وبالكلمة التي تظل قادرة على إشعال الأسئلة حين تخفت الأصوات.

مبارك هذا الإصدار، ومبارك للمكتبة المسرحية العربية هذا المولود الإبداعي الجديد. فبعض الكتب تُضاف إلى الرفوف، وبعضها يضيف إلى الرفوف معنى جديداً للقراءة، ولعل «حطب السماء» من الكتب التي تستحق أن نمنحها وقتنا، وأن نقرأها بعينٍ تتطلع إلى الأدب، وبذاكرةٍ لا تنسى التاريخ، وبوجدانٍ يعرف أن الكلمة العظيمة لا تنتهي بانتهاء صفحاتها.«حطب السماء»… حين يصبح التاريخ شعراً، ويصبح الشعر موقفاً، وتغدو الذاكرة ناراً لا تنطفئ.

مشاركة:

آخر تحديث: ٢ تشرين الثاني ٢٠٢٦ في ١٢:٠٦ ص

التعليقات

جارٍ تحميل التعليقات…

شارك برأيك

0/٢٠٠٠

تُراجَع التعليقات قبل نشرها.