طالب كريم
عن سلسلة " دراسات فنية " التي تصدرها دار الشؤون الثقافية العامة / وزارة الثقافة صدر حديثاً للباحث الدكتور فائز يعقوب الحمداني كتابه الجديد الموسوم " الصوت في اللوحة "
حين يضع الباحث الدكتور فائز يعقوب الحمداني عنوان "الصوت في اللوحة" لكتابه الصادر عن دار الشؤون الثقافية العامة فهو لا يضع استعارة شعرية بل يضع سؤالاً جمالياً دقيقاً هل اللوحة صامتة حقاً أم أن صمتها وهم تعلمناه، والكتاب بفهرسته الذي يمتد من رسامو المنطقة الحرة والصوت في اللوحة وعطش في رحلة الجسد من عصر النهضة حتى الوقت الحاضر ومن المقدس إلى الفاني وإملاءات على الجسد والتكعيبية وهيمنة الخط ووطن الحكاية يجيب بأن اللوحة ليست صامتة وأن الصوت فيها هو صميم بنائها، ويبدأ بتحديد منهجي حاسم فيقول إن الصوت لا يدخل هنا بصفته الفيزيولوجية التي تسبب اهتزاز الهواء في الأذن بل هو صوت آخر يتحقق عبر البصر عبر آليات بصرية تتحول إلى سمعية، ومن هنا يقترح مقاربة جديدة في توصيف العمل الفني فيذكر أن الناقد ديلو أنش جونسن قسم الأعمال الحديثة إلى خطاب معنى ينتظم الأداء اللوني والخطي وهو جوهر التجريد وتعبير عن الحالة الشعورية وهو جوهر التعبيرية وخيال وهو جوهر السريالية، لكن الحمداني يرى أن هذا التصنيف يغفل التداخل فالفنان الحقيقي لا يسكن أسلوباً واحداً ويضرب مثلاً بلوحة جواد سليم لفتاتين وهلالين فهي تجمع الأساليب الثلاثة لأنها تطلق صوتاً هو هويتها لا ينتمي لأسلوب واحد، ثم يمضي إلى تاريخ الجسد حيث يرى أن الجسد على القماشة هو انعكاس لدور الإنسان كما يراه الفنان ففي النهضة كان مقدساً يخضع لمنطقة فاصلة ثم أصبح دنيوياً ثم مع الصراعات الفكرية في القرن التاسع عشر كسر الحواجز باحثاً عن أفق جديدة، ويبلغ حجته ذروتها في قراءة لوحة إعدامات الثالث من مايو لغويا حيث يقول إن ما يصل لوعي المتلقي هو صوت إطلاق النار والسبب يعود للإضاءة التي جعلها غويا نفسها صوت الطلقات فالضوء هنا ليس لوناً بل دوي والظلام ليس فراغاً بل أنين الضحايا، ثم يتوقف عند لوحة الأمير لفلاسكيز فالطفلان الملكيان بثيابهما المنفوشة ليسا صامتين بل يتحدثان عن السلطة والخوف والموت المبكر ملابسهما تصرخ بصمت الطبقة الحاكمة، ويستشهد بلوحة حديقة الملذات الأرضية لهيرونيموس بوش ليصف أسلوب المانيريزم بأنه ثورة على المحاكاة التي أبدع فيها أساتذة النهضة وأن التشويه والتطويل عند بارميجيانو وتينتوريتو والغريكو ليس خطأ بل هو صوت احتجاج وصرخة شكلية ضد الانسجام المفروض وصوت للقلق حين يفقد الإنسان يقينه، بهذا المعنى كله يصبح كتاب الدكتور فائز يعقوب الحمداني مشروعاً لإعادة تعليم النظر فهو لا يريدنا أن نرى اللوحة فقط بل أن نسمعها فالصوت عنده هو قدرة اللون على أن يصرخ والخط على أن يهمس والإضاءة على أن تطلق النار والجسد على أن يروي حكايته من المقدس إلى الفاني، وهنا تكمن قيمة الدراسة أنها تخرج النقد التشكيلي العراقي من وصف الشكل إلى الإصغاء إليه وتذكرنا بأن اللوحة لم تكن يوماً جداراً صامتاً بل كانت دائماً وطناً للحكاية وللصوت .
يقع الكتاب ب - ٢١٢ - صفحة من القطع المتوسط وكان تصميم الغلاف من قبل زينب مهدي حسن . . .







التعليقات