عدنان مشهي
ليس كل كتاب فكري مجموعة من الأجوبة، وليس كل سؤال ينتهي بإجابة. أحيانا يكون السؤال هو البداية الحقيقية للتفكير، ومن هذا المنطلق يأتي الجزء الأول من كتاب"Pensées et Prophétie " (أفكار و تنبؤات) للدكتور والأديب سعيد جمال الدين، المعروف بلقب "الشاعر الجني"، والصادر حديثا عن منشورات الأطلس.
يقدم الكتاب تجربة مختلفة في الكتابة الفكرية، تقوم على التقاط الأسئلة التي يطرحها القراء والمهتمون بالمعرفة، ثم الانطلاق منها نحو قضايا أوسع تمس الإنسان والمجتمع والسياسة والثقافة والحياة العامة. فالإجابة عند المؤلف لا تقف بالضرورة عند حدود السؤال، وإنما تتحول إلى مدخل للتأمل والتحليل وربط الأحداث بسياقاتها المختلفة.
ويضم الجزء الأول نصوصا كتبت ونشرت، في معظمها، خلال الفترة الممتدة من 2022 إلى 2025، وهي فترة غنية بالأحداث والتحولات التي جعلت كثيرا من القضايا موضع نقاش وتساؤل. ومن خلال هذه النصوص، يسجل المؤلف مواقفه وقراءاته تجاه وقائع ماضية وأحداث راهنة، كما يذهب أحيانا أبعد من الحاضر لمحاولة استشراف بعض المسارات الممكنة للمستقبل.
وتتنوع موضوعات الكتاب بتنوع الأسئلة التي انطلق منها؛ فهناك السياسي والاجتماعي والثقافي والفكري، إلى جانب أسئلة تتصل بالحياة والإنسان وطبيعة العلاقات بين الأفراد والمجتمعات. وهذا التنوع يمنح الكتاب طابعًا مفتوحًا، فلا يحصره في مجال معرفي واحد، بل يجعله أقرب إلى دفتر واسع للتأمل في العالم.
ويحضر السؤال والجواب بوصفهما البناء الأساسي للجزء الأول، وهو اختيار يمنح النصوص طابعا حواريا، ويقربها من القارئ، إذ يشعر وكأنه يتابع حوارا فكريا تتعدد فيه القضايا وتتسع فيه مساحات النقاش.
وفي مقابل هذا الجانب التحليلي، يجد القارئ في بعض النصوص نادرة أو مستملحة أو موقفا طريفا، وهي عناصر تضفي على الكتاب بعدا أدبيا وإنسانيا، وتمنحه تنوعا في الإيقاع والأسلوب.
أما عنوان "Pensées et Prophéties"، فيختصر إلى حد بعيد طبيعة المشروع: أفكار تنطلق من التأمل في الواقع، وتنبؤات تستند إلى محاولة قراءة مؤشرات الحاضر واستشراف ما يمكن أن يحمله المستقبل. ومن ثم، فـ"التنبؤ" هنا لا يعني ادعاء معرفة الغيب، وإنما يعني النظر إلى المستقبل من خلال معطيات الواقع ومساراته.
والكتاب، في جوهره، ليس محاولة لفرض رؤية واحدة على القارئ، بقدر ما هو اقتراح لزاوية نظر؛ زاوية تنطلق من السؤال، وتمضي عبر التحليل، وتترك للقارئ مساحة واسعة للتفكير والاختلاف وإعادة النظر.
ويأتي هذا الجزء باعتباره فاتحة لكتاب فكري من ثلاثة أجزاء، ينتظر أن تستكمل ملامحه في الجزأين الثاني والثالث، بما يجعل المشروع في مجمله شهادة على مرحلة من التحولات، وفضاءً لمتابعة الأسئلة التي يفرزها الواقع باستمرار.
وقد اختارت منشورات الأطلس للعمل إخراجا فنيا ينسجم مع هويته الفكرية؛ إذ حمل الغلاف لوحة للفنان التشكيلي يونس أيت الحاج، فيما أنجز تصميم الغلاف الشاعر عدنان مشهي، وتولى التنفيذ الفني يونس بومقيس.
إن كتاب "Pensées et Prophéties" كتاب يبدأ من الأسئلة، لكنه لا ينتهي عندها؛ يقرأ الحاضر بعين متأملة، يستعيد الماضي حين تقتضي القراءة ذلك، وينظر إلى المستقبل باعتباره احتمالا مفتوحا على تعدد الدلالات والوجوه.
ومن هنا تأتي قيمة هذا الإصدار باعتباره تجربة تجمع بين الفكرة والتأمل، والحوار والاستشراف، والجدية والطرافة







التعليقات